"تل أبيب على نار": الاحتلال كمسلسل هابط!

قيس ناشف في دور "سلام"

 

مثلما يحمل فيلم "تل أبيب على نار" (2018) لسامح زعبي، طبقات عدّة من السرد، فإنّه يتميّز أيضًا بإتاحة تلقّيه للمشاهد بطبقات عدّة أيضًا، وذلك ما يحوّله إلى متعة سينمائيّة بصريّة وسرديّة خالصة، نادرًا ما نصادفها في فيلم فلسطينيّ، إذا استثنينا سينما هاني أبو أسعد بمعنى أن تكون الأفلام جماهيريّة، وشائقة، وجاذبة للقطاعات المختلفة في الوقت ذاته، تُعرض في المهرجانات، وتحاكي الفئات المعنيّة بفنّ السينما الرفيع من جهة أخرى.

 

طبقات

يدمج الفيلم ثلاث طبقات سرديّة تترابط وتنفصل على مدار الشريط، حيث الواقع اليوميّ للشخصيّات، وكادر - موقع - صناعة مسلسل جاسوسيّة في تناصّ معلَن عبر الموسيقى مع مسلسل "رأفت الهجّان"، والمسلسل نفسه بصفته واقعًا تلفزيونيًّا افتراضيًّا، يحرّك أحداثه كلّ ما يحدث في الطبقتين الأخريين...

 

 

والطريف أنّ الطبقة المتمثّلة بكادر صناعة المسلسل في رام الله، وهميّة، ولا سيّما أنّ تقاليد صناعة الدراما والمسلسلات الطويلة الواسعة الفرجة معدومة في رام الله، وهي بداية موفّقة ومثيرة للفيلم ككلّ، بما أنّ الطبقتين الأساسيّتين اللتين تشكّلانه وهميّتان أصلًا؛ إذ يبدأ الفيلم بطبيعة الحال بعناوينه على خلفيّة سوداء، لكنّه ينتقل إلى مقدّمة المسلسل، ضمن مونتاج "كيتشي" واضح، يشير إلى درجة هبوط مثل هذه الأعمال وتكلّفها القومجيّ، ويُدخل هذا الخيار المُشاهدَ في حيرة بصريّة ناجحة ومطلوبة للمتابعة، أأنا داخل المسلسل أم الفيلم أم ما بينهما؟ في حين يتمثّل ذلك الحيّز "الما بينيّ" بورشة صناعة المسلسل، وهي ورشة تحمل غرائبيّة عبر أحداث وشخصيّات كاريكاتيريّة متخيَّلة، لا تقلّ فظاظة ووهميّة عن شخصيّات المسلسل نفسه وأحداثه، حين تشعر - بصفة المشاهد - بأنّ شخصيّات الكادر التصويريّ، إن هي خرجت من موقع التصوير، ستذوب وتفقد وجودها المادّيّ.

 

على الطريقة الفلسطينيّة

تتداخل تلك التوليفة المركّبة، والّتي كان من الممكن أن تفلت من المخرج بسهولة، لولا مهارته وإحكامه للسيناريو في ما بينها، بشكل رشيق وممتع بصريًّا، ويربط بينها البطل أو اللابطل قيس ناشف، في ما يشبه محاكاة لكوميديا رومانسيّة هوليووديّة على الطريقة الفلسطينيّة، ينقلنا ناشف أو "سلام" من الطبقات الوهميّة إلى الطبقات الأكثر واقعيّة؛ فالمسلسل لا يصوَّر في القاهرة أو بيروت، بل على بُعد عشرة كيلومترات من الاحتلال، بتعبيراته الرمزيّة واليوميّة الّتي لا تقلّ عبثيّة ومظاهر ديمومة سامّة عن الطبقات الأخرى.

ينتقل سلام من موقع التصوير في رام الله، الّذي يشمل أشكالًا لغويّة مضحكة، في "بارودي" واضح لأعمال الجاسوسيّة العربيّة، ينتقل إلى القدس حيث يسكن، عبر الحاجز الّذي يحوي أقبح أشكال اللغة الحقيقيّة للاحتلال؛ وهنا تكمن في رأيي أهمّيّة اختيار ممثّل مثل ناشف لهذا الدور.

 

موقع الإسفنجة

أثبت ناشف منذ "الجنّة الآن" أنّه يملك مساحة أدائيّة خاصّة به، تغذّي مثل هذه الأدوار ولا تنتقص منها؛ إذ تتيح له "اللامبالاة" في الأداء والبلبلة وعدم وضوح اللهجة ومخارج الجُمل، موضعته دائمًا في موقع الإسفنجة الّتي تمتصّ الصخب والصراخ من حولها، بشكلٍ ميلانكوليّ، ومهزوز بشكلٍ يذكّرنا بأفلام وودي آلن الأخيرة، الّتي تحوي فيلمًا داخل الفيلم أو مسرحيّة داخل الفيلم، كما تذكّرنا أيضًا بشخصيّة E.S في سينما إيليا سليمان، وهي شخصيّة ميلانكوليّة أيضًا، تمتصّ العنف الّذي حولها وتنتقم بطريقتها.

 

 

في فيلمنا هذا لا ينتقم سلام، لكنّه يتيح عبر فوضاه لصراع الروايات بين صنّاع الدراما الهابطة وصنّاع الاحتلال، يتيح له أن يبرز ويصدح عاليًا، دون أن يطغى أداؤه وجُمله "الواضحة" على صخب الصراع، ويفضح أيضًا ضياعه، ويعطي مجالًا لإبراز البديهيّة القاتلة واليوميّة للاحتلال، من خلال مَشاهد عبقريّة تبرز فيها قسوة الاحتلال وخبثه الروتينيّ، عبر وضعه في الخلفيّة بصفته حاضرًا – غائبًا، ومن ثَمّ زحفه التلقائيّ نحو مركز وعي المُشاهد بشكل طبيعيّ وأكثر وقعًا. ويتيح الأداء المبلبل للمشاهد الأجنبيّ بخاصّة، اكتشاف منظومة الوهم والجهل المتأصّلة لدى المحتلّ الإسرائيليّ والمجتمع الإسرائيليّ بعامّة، في ما يتعلّق بطبيعته وحقائق وجوده وعلاقته بالمكان، حين جاء الأداء الصوتيّ العالي والرائع للكوميديان الإسرائيليّ يانيف بيطون، في ما أتاح له أداء قيس ناشف، التعبير عن مقدار العمى الإسرائيليّ المهووس بإدارة الاحتلال بغباء لافت، دون أن يستطيع التمييز بين الأصل والتقليد كما جاء في مشهد الحمّص، وفقدانه القدرة على رؤية الفلسطينيّ بتعمّق، خلافًا للحالة العكسيّة.

 

اختيارات ضمن فضاء "جروتسكيّ"

عودة إلى موقع التصوير، أودّ هنا الإشارة إلى بعض اختيارات الممثّلين اللافتة، في فضاء "جروتسكيّ"، ووهميّ هو الآخر، كما ذكرت في البداية، ما جعله يتطلّب اختيارات تتماشى مع الأجواء شبه الميلودراميّة الفظّة والمسلّيّة، بداية من لبنى الزبّال في دور تالا، الّتي لعبت بتفوّق على الدرجات المختلفة من عدم إتقان أيّ لغة، سواء العربيّة أو العبريّة، لخلق أداء كوميديّ عصبيّ وأخّاذ، إضافة إلى أداء الممثّلة علا طبري، الّذي أضاف – رغم قصر الدور - الكثير من الإثارة على الأداء المتوقّع والمكرَّر لآخرين في الكادر، حين استفادت الكاميرا من وجودها إلى أقصى حدّ. وهنا أشير أيضًا إلى الاختيار الناجح جدًّا للممثّلة الفرنسيّة لاتيسيا إيدو، الّتي تذكّر بالشخصيّات النسائيّة الهامشيّة الّتي يقدّمها بيدرو ألمودوفار في أفلامه، والّتي تسعى إلى الاعتراف، وهي تنجح في ذلك بالنهاية، ولا يمكن أن تنساها عندما تخرج من العرض، وبالطبع جو سويد (يوسف)، الّذي يسعدني وجوده في أيّ عمل دائمًا.

 

 

راجي بطحيش

 

كاتب وناقد وباحث في الشأن الثقافيّ. من مواليد مدينة الناصرة عام 1970. صدرت له عدّة أعمال أدبيّة في الشعر والسرد والنصوص النثريّة منذ عام 1998 حتّى اليوم، من ضمنها: "العري وقصائد أخرى" (شعر، 2002)، "غرفة في تل أبيب" (قصص قصيرة، 2007)، "هنا كانت تلعب روزا" (نصوص، 2014). بالإضافة إلى مشاركته في أنطولوجيّات جماعيّة بالعربيّة، والعبريّة، والإنجليزيّة، والفرنسيّة.

 

 

تعليقات Facebook