تلّ الزعتر: حكاية اكتشاف 15 كيلومترًا من تسجيلات المجزرة

نازحون فلسطينيّون من "تلّ الزعتر"

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

ارتبط اسم "تلّ الزعتر" بالعديد من الأعمال الفنّيّة والأدبيّة الّتي حاولت تصوير حصار ومأساة وتاريخ لم يعد اليوم واضحًا. "أحمد الزعتر" اسم قصيدة كتبها الشاعر محمود درويش، وغنائيّة لمرسيل خليفة، وفيلم أنتجته "وحدة أفلام فلسطين"، وغيرها من الأعمال الفنّيّة العالميّة، مثل أغنية للفنّان اليونانيّ ميكيس ثيودوراكس. لكنّ الأهمّ من ذلك أنّ "تلّ الزعتر" مخيّم لجوء، وحصار، ومجزرة، وتاريخ لمّا يُروَ بما فيه الكفاية بعد. "تلّ الزعتر" اسم مخيّم كان يحوي لاجئين فلسطينيّين وعمّالًا لبنانيّين في منطقة بيروت الشرقيّة قبل عام 1975.

فيلم "تلّ الزعتر" واحد من أكثر الوثائق التاريخيّة الّتي يمكنها أن تعكس قضايا المنفى والضياع، الّتي ارتبطت بتلّ الزعتر بخاصّة وبفلسطين بعامّة

بعد اندلاع الحرب الأهليّة اللبنانيّة، أصبح البقاء الفلسطينيّ في منطقة بيروت الشرقيّة غير مرغوب فيه، وأجرت القوّات الانعزاليّة اللبنانيّة ما يُسمّى بعمليّة تنظيف لهذه المنطقة، أو بمعنًى آخر ارتكاب جرائم حرب بهدف قتل الفلسطينيّين وإخراجهم منها، هذا يشمل مخيّم تلّ الزعتر ومخيّم جسر الباشا. كان تلّ الزعتر حصنًا منيعًا، حيث إنّ حصاره والتضييق عليه استمرّا ما يزيد على سنة، قبل أن يستسلم المخيّم بعد سقوط آخر مصدر للمياه فيه. كان ضحيّة هذا الحصار أكثر من 3,000 قتيل، وما يقارب 10,000 جريح، وكان ناتجها أيضًا ملحمة تاريخيّة للتوثيق.

 

رواية تُمحى

لتوثيق أحداث حصار تلّ الزعتر وما بعد الحصار، سجّل المخرج الفلسطينيّ مصطفى أبو علي واللبنانيّ جون شمعون، ما يقارب 15,000 متر من الأفلام، الّتي تحوي مشاهد الحصار، وشهادة مَنْ عايشوه، إضافة إلى السياق التاريخيّ لحصار المخيّم والحرب الأهليّة اللبنانيّة. هذه الأفلام كانت جزءًا من مجهود أكبر قامت به "وحدة أفلام فلسطين" و"مؤسّسة أفلام فلسطين" لتوثيق الثورة الفلسطينيّة، بهدف تقديم مفاهيم ثوريّة ببُعدٍ يساريّ للجمهور الفلسطينيّ والعربيّ، وطرح القضيّة بعيون فلسطينيّة للجمهور العالميّ، ولا سيّما أمام جمهور كبير متضامن مع القضيّة الفلسطينيّة من الدول الّتي عانت من الاستعمار وسيطرة الغرب.

’ادخلوا يا شباب، الإسرائيليّون جاؤوا... زورق عسكريّ، عليه مدافع ورشّاشات، وعليه أيضًا جنود مستعدّون لإطلاق النار...

فيلم "تلّ الزعتر" واحد من أكثر الوثائق التاريخيّة الّتي يمكنها أن تعكس قضايا المنفى والضياع، الّتي ارتبطت بتلّ الزعتر بخاصّة وبفلسطين بعامّة. يعكس فيلم "تلّ الزعتر" حصار المخيّم والمجزرة الّتي ارتُكبت بحقّ أبنائه، إلّا أنّ مسار إنتاج هذا الفيلم، وفقدانه مع أرشيف الأفلام من بيروت، في وقت بين 1982 و1985، واستعادته مرّة أخرى عام 2011، مسار يحكي قصصًا أكثر عن رواية فلسطينيّة مُحِيت، وما زالت عرضة للإسكات حتّى الآن.

 

إلى إيطاليا... للتحميض

في صناعة هذا الفيلم، يروي مصطفى أبو علي تجربة الإنتاج، وذلك في "مجلّة الصورة الفلسطينيّة" عام 1978: "نحن الآن في منتصف عام 1976، المطار مغلق، ولدينا 15,000 متر من الأفلام... بعض الموادّ مضى عليه ثلاثة أشهر ونصف، وهي مصوّرة وموضوعة في العلب، هذه الموادّ ستتلف بالتأكيد إن لم تُحمَّض في أسرع وقت. أخيرًا اتّصلنا بالحزب الإيطاليّ الشيوعيّ، لا يوجد شيء لا يُحمَّض في إيطاليا، هكذا كان الجواب. مئة وخمسون كيلومترًا من الأفلام تنتقل في أحد الأيّام من صيدا إلى قبرص... نركب مركبًا في عرض البحر بعد أن انتقلنا إليه بقوارب صغيرة... نحن الآن نتراقص في عمق البحر على متن مركب صغير، وعليه أيضًا جميع جهودنا... فجأة يصرخ صوت: ’ادخلوا يا شباب، الإسرائيليّون جاؤوا... زورق عسكريّ، عليه مدافع ورشّاشات، وعليه أيضًا جنود مستعدّون لإطلاق النار... الأفكار تملأ رأسي، والخوف من فقدان الأفلام يسيطر عليّ، لكنّهم أخيرًا ذهبوا من حيث أتوا، مخلّفين في نفسي إحساسًا بالمذلّة والنقمة... خرج بعد جهد كبير فيلم ’تلّ الزعتر‘. لقد كان العمل على هذا الفيلم اختبارًا عمليًّا لمعنى التضامن بين القوى التقدّميّة... بل ترجمة عمليّة، وأستطيع بِرضًا القول: ‘لقد نجحنا في الاختبار، رغم الصعوبات القائمة الّتي عانينا منها أثناء العمل‘".

تفكّكت "وحدة أفلام فلسطين" عام 1982، وتشتّت جميع العاملين فيها، بين تونس وغيرها من الدول الّتي رحّبت بـ "منظّمة التحرير الفلسطينيّة" بعد حصار بيروت، ولم يحاول أحد قطّ أن يعثر على هذه الأفلام. 

تجربة فيلم "تلّ الزعتر" الاستثنائيّة لم تنتهِ هنا، فبعد إنتاج هذا الفيلم وعرضه بخمس سنوات، سُرق مع بقيّة الأرشيف، ولم تبقَ أيّ نسخة عربيّة له لإعادة عرضه أو دراسته. أمّا الـ15,000 متر من الأفلام فكانت لا تزال بحوزة "الحزب الشيوعيّ الإيطاليّ"، حتّى تَفكُّكه عام 1991.

 

في القدس بعد 30 عامًا

تفكّكت "وحدة أفلام فلسطين" عام 1982، وتشتّت جميع العاملين فيها، بين تونس وغيرها من الدول الّتي رحّبت بـ "منظّمة التحرير الفلسطينيّة" بعد حصار بيروت، ولم يحاول أحد قطّ أن يعثر على هذه الأفلام. 

عندما انحلّ "الحزب الشيوعيّ الإيطاليّ" ورثت أرشيفه "حركة العمّال الديمقراطيّة الإيطاليّة"، الّتي لم تكن مدركة لكلّ الموادّ الّتي ورثتها. عام 2011، أي ما يقارب 30 سنة على ضياع الفيلم، جرى تعرُّف موادّ فيلم "تلّ الزعتر"، وبدأت المخرجة الألمانيّة مونيكا ماورو العمل على تحويلها إلى موادّ "ديجيتال"، ليسهل تنقّلها وعرضها في أماكن مختلفة.

عُرض "تلّ الزعتر" لأوّل مرّة بعد ضياعه عام 2014، في "مهرجان الأفلام الفلسطينيّة" في لندن، ثمّ عُرض الفيلم، وبعض الموادّ الأصليّة، في الأردنّ عام 2016، ما أتاح فرصة لتلاقي ضحايا المجزرة وأبنائهم، وللتجمّع على صفحة فيسبوك. لم يُعرض "تلّ الزعتر" في فلسطين حتّى عام 2017 في "جامعة بير زيت"، وقد عُرض أيضًا هذا الشهر في القدس، في "حوش الفنّ الفلسطينيّ"، مع مناقشة التاريخ المرتبط به مع كاتبة المقالة، الّتي رتّبت لهذا الحدث.

 

 

لبنى طه

 

طالبة وباحثة في مجال الدراسات الثقافيّة في "جامعة كوينز" في كندا، حيث يتنوّع عملها البحثيّ بين الدراسات السينمائيّة الفلسطينيّة ودراسات تعليم الموسيقى. تعمل حاليًّا على دراسة أرشيفيّة في موضوع صناعة الأفلام، وسيلةً للتضامن بين فنّاني العالم الثالث والثورة الفلسطينيّة في سبعينات القرن الماضي.

 

 

 

تعليقات Facebook