جواسيس إسرائيل على "نتفلكس"

إيلي كوهين (الممثّل ساشا بارون) في مسلسل "الجاسوس"

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

في نهاية خمسينات القرن الماضي، خطّط جهاز المخابرات الإسرائيليّة الحديث النشأة، لزرع عملاء في المستويات العليا لمنظومة الحكم في مصر وسوريا، بعمليّة بدأت منذ 1960، بإرسال جاسوسَين، نجحا فترةً بالوصول إلى صنّاع القرار في البلدين العربيّين، وأُلقي القبض على كليهما بعد خمس سنوات، ونَسبت إسرائيل إليهما الفضل في انتصارها في حرب حزيران (يونيو) 1967، الّتي كانت سوريا ومصر جزءًا منها.

 

فولفجانج لوتز في السجون المصريّة

الجاسوس الأوّل يُدعى فولفجانج لوتز Wolfgang Lotz، تقول المرويّات الإسرائيليّة والمصريّة إنّ مهمّته كانت المساعدة في عمليّات اغتيال، حاولت إسرائيل القيام بها عن طريق رسائل ملغومة ضدّ ضبّاط ألمان كانوا يساعدون في عمليّة التصنيع العسكريّ المصريّة، لكنّ المهمّة فشلت في اغتيال أيّ من الخبراء الألمان.

 

فولفجانج لوتز خلال إحدى جلسات محاكمته في مصر عام 1965

 

كانت عمليّات الاغتيال نتيجة معلومات عن برنامج الصواريخ المصريّة الجديد، وقد نجح فولفجانج لوتز، أحد أفراد عصابات الهاجاناه، والضابط السابق في المخابرات الإسرائيليّة، نجح في الحصول عليها، بعد أن تخفّى في صورة ضابط سابق بالجيش النازيّ "السفيرماخت".

عندما حصلت مصر على بعض الأجهزة الإلكترونيّة لكشف التجسّس من الاتّحاد السوفييتيّ، تمكّنت المخابرات المصريّة من رصد رسائل الراديو الّتي كان لوتز يرسلها إلى إسرائيل، وأُلقي القبض عليه في شهر تمّوز (يوليو) 1965، وصدر بحقّه حكم بالسجن مدى الحياة، إلّا أنّه قضى عامين فقط قبل أن يخرج بعمليّة تبادل أسرى مصريّين من حرب حزيران (يونيو) 1967، وذهب بعدئذٍ إلى إسرائيل مع زوجته.

 

إيلي كوهين... هل يمكن للدراما أن تكون وثيقةً تاريخيّة؟

أمّا الجاسوس الثاني فكان إيلي كوهين، الّذي قدّمت عنه شبكة "نتفلكس" أخيرًا مسلسلًا دراميًّا من موسم واحد وستّ حلقات بعنوان "الجاسوس"، استنادًا إلى قصّة حياته، الّتي أدّى فيها الممثّل البريطانيّ الكوميديّ ساشا بارون كوهين دور إيلي كوهين، في ما أدّت الممثّلة الإسرائيليّة هادار راتزون روتيم دور نادية، زوجة كوهين، وهو من تأليف جدعون راف وإخراجه، وقد أشار في بداية مسلسله إلى أنّه يستند إلى أحداث حقيقيّة، وهو في الحقيقة يستند إلى الرواية الإسرائيليّة لقصّة كوهين الّذي أرادت إسرائيل أن تجعل منه بطلًا، لأنّه وصل إلى دوائر صنع القرار في سوريا، وسرّب معلومات مهمّة أدّت إلى قلب موازين حرب 1967، الّتي خسرت فيها سوريا ومصر هضبة الجولان وصحراء سيناء.

 

 

لاقى المسلسل ردود أفعال متباينة، غلب عليها طابع الإقلال من قيمة العمل ومصداقيّة روايته لقصّة الجاسوس إيلي كوهين؛ إذ وصفته بعض الصحف الإسرائيليّة بأنّه متوسّط الجودة ومخيّب للآمال، ولا يليق بمستوى إيلي كوهين، بينما رآه بعض الجمهور العربيّ يقدّم معلومات تاريخيّة مهمّة، وآخرون رأوا أنّه مضلّل، ويحتوي على الكثير من المغالطات التاريخيّة.

وبغضّ النظر عن مصداقيّة حكاية العمل وأخطائه التاريخيّة، أعتقد أنّه أقلّ من متوسّط الجودة فنّيًّا وإنتاجيًّا، ويُصَنَّف ضمن مستوى أفلام جيمس بوند، و"المهمّة المستحيلة"، والمسلسلات الدراميّة التشويقيّة الأمريكيّة، الّتي صُوّرت في الثمانينات، من حيث البناء الدراميّ واللغة البصريّة.

لكن هل يمكن محاكمة عمل دراميّ أو سينمائيّ دراميّ، باعتباره وثيقة تاريخيّة؟ أم أنّه يدخل في سياق الأعمال الدراميّة والسينمائيّة التجاريّة، الّتي قدّمت قصصًا متخيَّلة ضمن سياق أحداث حقيقيّة، مثل الكثير من الأعمال السينمائيّة الهوليوديّة الّتي انتهت باغتيال هتلر في صالة سينما، أو الانتصار في حرب فيتنام؟

هل يحتمل المسلسل الدراميّ أو الفيلم الروائيّ السينمائيّ ما يحتمله الفيلم الوثائقيّ، من قوّة الوثيقة البصريّة؟

 

بطل قوميّ

أثناء بحث، توصّلت إلى فيلم وثائقيّ قصير، للمخرج الإسرائيليّ دان سيتون، ويبدو أنّه أُنتج قبل عقود ضمن سلسلة عن الجواسيس، ويحمل الرواية ذاتها الّتي قدّمها مسلسل "الجاسوس". يعرض الوثائقيّ لرحلة مراهقين إسرائيليّين مع معلّمهم أو مرشدهم السياحيّ، يحدّثهم من أمام أحد مواقع الجيش السوريّ المدمّرة فوق مرتفعات الجولان، كانت قبل عام 1967 تشكّل تهديدًا مباشرًا على المزارعين الإسرائيليّين كما يقول المعلّق بالإنجليزيّة، في ما يشرح المرشد للمراهقين أهمّيّة احتلال الهضبة، لما تشكّله من أهمّيّة إستراتيجيّة، قادرة على كشف شمال فلسطين المحتلّة أمام الأسلحة السوريّة.

 

إنفاذ حكم الإعدام بحقّ إيلي كوهين في دمشق عام 1965

 

وفي إحدى اللقطات المتحرّكة من داخل إحدى تلك القواعد العسكريّة، تظهر عن قرب مساحات من الأراضي الزراعيّة الممتدّة، وهي غالبًا النقطة العسكريّة ذاتها الّتي اختارها المخرج الإسرائيليّ جدعون راف لتصويرها، ضمن مشهد لإيلي كوهين، ينظر من داخل تلك القاعدة إلى تلك الأراضي الزراعيّة والمزارعين "المدنيّين"، حين يطلب منه ضابط في الجيش السوريّ أن يختار أحدهم، ليطلق عليه النار من باب التسلية.

تتطابق رواية الفيلم التسجيليّ القصير ورواية المسلسل، الّتي أراد لها مخرجها أن تظهر بشكل بوليسيّ تشويقيّ، وهي الرواية الإسرائيليّة لحكاية كوهين، الّذي أُريد له أن يصبح بطلًا قوميًّا في إسرائيل، وسُمّي العديد من الشوارع باسمه، كما طُبعت صورته على طوابع البريد!

 

الفريق أمين الحافظ... رواية أخرى

في مقابلة على "قناة الجزيرة الفضائيّة"، في برنامج "شاهد على العصر"، أُجريت في بغداد عام 2001، أكّد رئيس سوريا الأسبق، الفريق أمين الحافظ، أنّ الكثير من القصص الّتي تحدّثت عن تغلغل الجاسوس الإسرائيليّ إيلي كوهين في دوائر صنع القرار في سوريا، عارٍ عن الصحّة، وتحدّث بالتفصيل عن ظروف اعتقال هذا الجاسوس وملابساته، رافضًا بشكل قطعيّ أن يكون قد عَرض على كوهين منصب وزير الدفاع، في رواية مناقضة تمامًا لما قدّمته رواية مسلسل "نتفلكس" أخيرًا. لكن هل يمكن اعتبار رواية أمين الحافظ دليلًا كافيًا على عدم صحّة الرواية الإسرائيليّة؟

 

الفريق أمين الحافظ، رئيس سوريا عند اكتشاف كوهين وإعدامه

 

لعلّ أبرز ما قاله أمين الحافظ في شهادته تلك عن كوهين، الّذي اعتُقل وأُعدم في أيّار (مايو) 1965، في فترة حكم أمين الحافظ لسوريا بعد أن جاء بانقلاب عسكريّ، بأنّه لا يُعقل أن تؤدّي معلومات عن المواقع العسكريّة السوريّة، وصل إليها الجاسوس الّذي أُعدم قبل عامين من حرب حزيران (يونيو) 1967 إلى الهزيمة! لأنّه من غير المنطقيّ أن تبقى الأمور على حالها، على الرغم من اعتراف الجاسوس بتسليم معلومات عنها قبل عامين.

 

رواية ثالثة

من اللافت في الأمر أنّ كلا الجاسوسين الإسرائيليّين، اللذَين زُرعا في مصر وسوريا ليصلا بعلاقاتهما إلى دائرة صنع القرار في البلدين العربيّين، قد كُشفا واعتُقلا في نفس الفترة، ما بين أيّار (مايو) وتمّوز (يوليو) 1965؛ وقد عُزي ذلك إلى التكنولوجيا السوفييتيّة الّتي وصلت إلى البلدين في تلك الفترة، ولأنّ الجاسوسين كوهين ولوتز، استخدما نفس الأجهزة تقريبًا في تمرير رسائلهما؛ فهل كانت مصادفة أن يقع الجاسوسان في نفس الوقت، ويُنسب إليهما الفضل في هزيمة الدول العربيّة عام 1967؟

ما بين الرواية الإسرائيليّة عن كوهين والرواية الرسميّة السوريّة، ثمّة بلا شكّ رواية ثالثة لمّا يروِها أحد حتّى الآن؛ فلا يزال العديد من الأسئلة، إن كان الجاسوسان حقًّا قد فشلا في مهمّتهما، وإن كانا السبب في الهزيمة العربيّة! أم ثمّة مهمّات أخرى غير المعلنة أُوكلت إليهما ونجحا فيها وانتهى دورهما؟ وهل ضحّت إسرائيل بهما؟ فالأوّل قُتل، والثاني تقول بعض الروايات إنّ المخابرات الإسرائيليّة تخلّت عنه. وهل كان القبض عليهما يمنح جهات رسميّة في سوريا ومصر وإسرائيل، الفرصة لإعلان انتصارات عن إفشال أو نجاح مهمّات تجسّسيّة، ونسج روايات للاستهلاك العامّ؟ تلك الرواية الثالثة هي ما يجب البحث فيه.

 

أشرف مروان... مسلسل وفيلم

ليس مسلسل "الجاسوس" أوّل عمل تعرضه "نتفلكس" عن حرب الجواسيس بين إسرائيل والدول العربيّة؛ فقد سبق لها أن قدّمت العام الماضي أعمالًا عدّة، من بينها فيلم أعلى جودة من مسلسل "الجاسوس"، وبلغة بصريّة أفضل، وهو فيلم "الملاك The Angel" للمخرج الإسرائيليّ أرييل فرومن، الّذي استوحى حكاية فيلمه من كتاب "الملاك" للكاتب الإسرائيليّ أوري بار يوسيف، متناولًا سيرة السياسيّ ورجل الأعمال المصريّ أشرف مروان، الّذي تدّعي إسرائيل أنّه عمل لصالحها داخل أروقة الدولة المصريّة.

 

 

لكنّ المخرج الإنجليزيّ توم ميدمور Tom Meadmore قدّم رواية مغايرة للرواية الإسرائيليّة أيضًا عبر "نتفلكس"، في فيلمه الوثائقيّ "الجاسوس الّذي سقط على الأرض"، المستوحى من كتاب الكاتب الإسرائيليّ آرون بيرغمان "الجاسوس الّذي سقط على الأرض The Spy Who Fell to Earth"، الّذي يتبنّى فيه نظريّة تضليل مروان لإسرائيل خلال فترة حرب 1973، وهي رواية تقترب أكثر من الرواية الرسميّة المصريّة، على أنّ مروان كان عميلًا مزدوجًا يعمل لصالحها.

يعرض الفيلم الإنجليزيّ رحلة مؤرّخ سعى إلى كشف تفاصيل حياة الجاسوس المصريّ أشرف مروان، والغموض الّذي لفّ وفاته حتّى الآن، بعد سقوطه من الطابق الخامس من شرفة شقّته في لندن، منتصف نهار 27 حزيران (يونيو) 2007.

وبينما تتضارب الرواية المصريّة الرسميّة والرواية الرسميّة الإسرائيليّة، يؤكّد المصريّون أنّه بطل قوميّ، بينما يقول الإسرائيليّون إنّه كان عميلًا للموساد، ينتصر بيرغمان في كتابه لنظريّة أنّ صهر عبد الناصر كان عميلًا مزدوجًا، خدع أجهزة الاستخبارات الإسرائيليّة لصالح مصر.

ويحمّل بيرغمان نفسه بعضًا من المسؤوليّة عن مقتل مروان؛ لأنّه ظلّ يبحث في حقيقة الدور الّذي أدّاه مروان، وحين وصل إليها مات مروان في ظروف غامضة.

 

هل تنحاز "نتفلكس" للرواية الإسرائيليّة؟

فيلم "الملاك" أو مسلسل "الجاسوس"، اللذان يحملان الرواية الإسرائيليّة للأحداث المتعلّقة بحرب الجاسوسيّة بين إسرائيل والدول العربيّة، كلاهما يُثيران تساؤلات إن كان ذلك انحيازًا من شبكة "نتفلكس" العملاقة للرواية الإسرائيليّة؟ وإلّا فلماذا عرضت الفيلم التسجيليّ "الجاسوس الّذي سقط على الأرض"؟ أم أنّنا لم نسعَ إلى تقديم رواية عربيّة مغايرة في إطار تجاريّ تشويقيّ، سواء عبر "نتفلكس" أو غيرها، حتّى لو من باب الترفيه، كما كانت الدراما المصريّة تقدّم في الثمانينات، مثل "رأفت الهجّان" وغيره؟

 

 

المتابع لأعمال "نتفلكس"، خاصّة في ما يتعلّق بإسرائيل، يرى بوضوح أنّها تعرض أفلامًا أو سلاسل دراميّة أو وثائقيّة تنحاز جميعها للرواية الإسرائيليّة، وتدخل في إطار البروبغندا الواضحة لجهاز الموساد بشكل تسويقيّ.

فخلال عامين فقط، عرضت السلسلة الوثائقيّة "من داخل الموساد - Inside the Mossad"، وهي عمل بروبغندا دعائيّ عن جهاز "الموساد"، وكذلك فيلم "منتجع غوص البحر الأحمر - The Red Sea Diving Resort"، الّذي يعرض لعمليّة "الموساد" بتهريب الفلاشا من أثيوبيا عبر السودان إلى إسرائيل، إضافة إلى ما سبق ذكره، ومواسم عدّة من مسلسل "فوضى" الإسرائيليّ، الّذي يستعرض بطولات القوّات الخاصّة الإسرائيليّة ضدّ الفلسطينيّين.

 

 

مهنّد صلاحات

 

 

صحافيّ وصانع أفلام فلسطينيّ يقيم في ستوكهولم. يعمل مخرجًا ومنتجًا مستقلًّا مع عدد من الشركات السويديّة، والأوروبيّة، والعربيّة في مجال الإعلام وصناعة الأفلام. كتب عددًا من سيناريوهات الأفلام الروائيّة والوثائقيّة، بالإضافة إلى مسلسلات تلفزيونيّة.

 

 

تعليقات Facebook