"جوكر" 2019... مشاهدون غير موثوقين!

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

شاهدت مؤخّرًا فيلم "جوكر" الجديد لأوّل مرّة، كان ثالث أيّام العرض في رام الله، وقاعة السينما ممتلئة على آخرها. انقسم الجمهور منذ بداية العرض، بعضهم مَنْ شعر بالملل فخرج، بعضهم مَنْ شعر بالانزعاج فخرج، بعضهم كان يضحك مع ضحكة آرثر، ولم يعِ أنّ هذه الضحكة تجسيد حقيقيّ لمعاناة الشخصيّة المركزيّة، الجسديّة والنفسيّة؛ أي أنّهم كانوا يضحكون على معاناته. لكنّ رصد تفاعلات المشاهدين وردود أفعالهم، تبيّن أنّ بعضهم شجّع الشخصيّة وانحاز إليها في ثورتها، وبعضهم خاف منها، وبعضهم اعتبر أنّه شاهد أفضل فيلم لعام 2019.

 

خواكين فينيكس... اختفاء في الشخصيّات

كان على فيلم "جوكر" أن يفشل، بكلّ المقاييس السينمائيّة كان عليه أن يفشل على شبّاك التذاكر، وهذا ما لم يحصل، بل ما حصل في الحقيقة نجاح باهر، واحتفاء غامر، على الأقلّ حتّى الآن.

يمكننا أن نقول بكلّ ثقة إنّ شخصيّة "جوكر" شعبيّة جدًّا، وهذا ما أسهم وسيسهم بشكل أساسيّ في جذب الجمهور لمشاهدة أيّ تجسيد جديد لهذه الشخصيّة، وعلينا ثانيًا أن نعي أنّنا في عصر أفلام الأبطال الخارقين

ربّما بدأت الأنظار تتّجه نحو فيلم "جوكر" منذ إعلان الممثّل خواكين فينيكس تأدية دور أمير الجريمة "الجوكر"، وما قابل ذلك من موجة من التشكيك؛ إذ إنّ فينيكس لم يكن ممثّلًا مشهورًا، إذ عُرف بدورين جيّدين في فليمين قديمين، هما "Walk The Line" (2005) الّذي قدّم فيه فينيكس دور المغنّي المشهور جوني كاش، وكذلك دوره في فيلم "Gladiator" (2000)، رغم أنّ المُطّلع على أعمال فينيكس يعلم جيّدًا أنّ إرثه الحقيقيّ بدأ بعد هذه الأدوار. أذكر له ثلاثة أدوار مهمّة في مسيرته أخيرًا، وهي في فيلم "The Master"  (2012)، وفيلم "Her" (2013)، وفيلم "You Were Never Reall Here" (2017)، الّتي أظهرت بشكل حقيقيّ مدى براعة الممثّل وقدرته المذهلة على الاختفاء في الشخصيّات الّتي يجسّدها.

 

كلّ هذا النجاح

ربّما يعود كلّ هذا الانجذاب إلى الفيلم، وبالتالي نجاحه على شبّاك التذاكر، إلى إعلانه المصوّر، الّذي ترك الجمهور - في الوقت نفسه - منقسمًا بين معارض ومؤيّد لرؤية المخرج تود فيليبس؛ فقد عُرف الأخير من خلال سلسلة أفلامه "The Hangover"، الّتي نستطيع أن نعتبرها أفلامًا للتسلية والضحك، ولا نستطيع أن نقول إنّها أفلام تحمل قيمة فنّيّة عالية رغم جودتها، وهذا ما جعل المخرج أيضًا موضع شكّ. عندما عرض فيليبس في إعلانه المصوَّر رؤية جديدة للشخصيّة المشهورة، رؤية مرتكزة أكثر على جوانب الشخصيّة وصراعاتها، خلق الأمر جدلًا واسعًا جديدًا.

ربّما يكمن الأمر أيضًا في "مهرجان فينس السينمائي" المنعقد في شهر أيلول (سبتمبر) الماضي، حيث احتفى النقّاد بشكل كبير بالفيلم، ما دفع بالتوقّعات إلى علوّ جديد، ترقّبًا للفيلم الّذي سيصدر قريبًا.

ربّما هي أيضًا الجدليّة الّتي لاحقت صدور الفيلم، من تخوّفات تقول إنّ الفيلم سيسبّب حالات عنف، ومن نقّاد وجمهور خابت آمالهم وتوقّعاتهم، أو ربّما موجة معاكسة للنقد الإيجابيّ ومحاولة إيجاد الثغرات، حتّى وإن انتفى وجودها.

 

المختلف هذه المرّة

لا نستطيع إنكار دقّة الإخراج والتصوير والموسيقى التصويريّة للفيلم، ولا نستطيع أيضًا إنكار براعة فينيكس في تجسيد هذه الشخصيّة المشهورة، وإضافة لمسته الخاصّة إليها؛ ففي كلّ التجسيدات السابقة لـ "جوكر" ثمّة صفات ثابتة: الشخصيّة السايكوباثيّة الذكيّة المجنونة المحبّة للتدمير، وضحكتها المميّزة. هذه المرّة كان التجسيد مختلفًا؛ الشخصيّة المصابة بالفصام، المعطوبة الهشّة والضعيفة، الّتي تضحك بألم جسديّ حقيقيّ. هذه المرّة أنت متعاطف مع الشخصيّة الشرّيرة، تريد لها أن تحصل على انتقامها من هذا العالم الّذي حطّمها وصرعها أرضًا مرارًا وتكرارًا، هذه المرّة الشخصيّة هي الثورة على كلّ ما هو ظالم، هذه المرّة تريد للعالم أن يحترق، تمامًا كما تريد الشخصيّة، وهنا تكمن عبقريّة الفيلم.

على الرغم من تقديم فيلم "جوكر" رسالة حبّ لمعنى السينما الحقيقيّ، وتقديمه حبكة لا يمكن محاكاتها بدقّة عبر أيّ وسيلة سرد أخرى، وتقديمه صورة لا تستطيع أن تتحوّر إلى كلمات، رفض كثيرون رسالته ولعنه جمهوره الحقيقيّ

يسرد الفيلم ببراعة توجُّهَين مختلفين تمامًا للقصّة، توجُّهين معتمدين بشكل أساسيّ على مشاهدة الفيلم من منظور آرثر حصريًّا، ومن منظور العالم حول آرثر؛ فمن منظور آرثر الشخصيّ تشاهد تحوّل الشخصيّة وتعاملاتها، وكيف بدأت الثورة وظهور "الجوكر"، ويمكننا أن نفترض أنّه سَلَفُ التجسيدات الأخرى رغم أنّها سابقة عليه، نظرًا إلى الحقبة وعمر شخصيّة بروس واين (الرجل الوطواط)، والاختلاف الجوهريّ بين هذا التجسيد وكلّ التجسيدات الأخرى، رغم إنكار صنّاع الفيلم وجود أيّ ارتباط.

أمّا من منظور عالم الشخصيّة، فلا بدّ من أن تتساءل إن كنت تستطيع أن تثق بسرد شخصيّة غير موثوقة؛ فإن نظرت جيّدًا خلال متابعتك للفيلم، تدرك سريعًا اندماج خيالات آرثر مع واقعه، كأن يظهر في برنامج مشهور ويحبّه المقدّم، أن يضحك الناس على نكاته، أن تحبّه الفتاة في آخر الممرّ، لتدرك أنّ كلّ هذه المشاهد مجرّد خيالات، فتتابع مشاهدة الفيلم غير واثق إن كان ما تراه يحدث فعلًا مع الشخصيّة أو هي تخيّلاتها فقط، حتّى تشاهد في آخر الفيلم الانتقال الغريب من مشهد ثورة "الجوكر" إلى مشهد آخر غير مرتبط في مستشفًى للأمراض العقليّة؛ أكانت ثورة "جوكر" خيالًا فقط لمريض مصاب بالفصام، أم هي حقيقة؟

ورغم إشارة الفيلم في غير موضع إلى بعض الأعمال الّتي أسهمت في إلهامه، مثل "Taxi Driver" (1976) و"The King Of Comedy" (1982)، إلّا أنّه استطاع أيضًا أن يكون عملًا أصيلًا منفردًا، يواجه في كثير من الأحيان هذه الأفلام، الّتي كانت قد فشلت على شبّاك التذاكر، لتكتسب لاحقًا عبر أربعة عقود جمهورًا خاصًّا لها، ولتصبح أفلامًا كلاسيكيّة لها اعتبارها واحترامها.

 

عصر الأبطال الخارقين

إذن، لماذا نجح "جوكر"، إن كنّا سنقارنه بهذه الأفلام العالية الفنّيّة والإتقان، الّتي عادةً ما تستجذب نوعًا خاصًّا من الجمهور؟ ولماذا قابله الكثيرون، حتّى جمهوره المحتمل الحقيقيّ، بوابل من الانتقادات بعد نجاحه؟

عندما فقدَ "الجوكر" خصوصيّة وحصريّة الجمهور فقدَ أيضًا ولاءهم للقيمة الفنّيّة، الّتي لطالما قدّروها ونقدوا اختفاءها من الأفلام الناجحة الحاليّة، وكيف أنّها لا تُعبّر عن روح السينما الحقيقيّة.

علينا أن ندرك أوّلًا أنّ شخصيّة "جوكر"، ربّما تكون أشهر شخصيّة شرّيرة في تاريخ الكتب المصوَّرة؛ هذه الشخصيّة الّتي زيّنت أغلفة عشرات الكتب المصوَّرة، والعديد من سلاسل وأفلام الكرتون، والعديد من الأفلام المصوَّرة والمسلسلات. يمكننا أن نقول بكلّ ثقة إنّ شخصيّة "جوكر" شعبيّة جدًّا، وهذا ما أسهم وسيسهم بشكل أساسيّ في جذب الجمهور لمشاهدة أيّ تجسيد جديد لهذه الشخصيّة، وعلينا ثانيًا أن نعي أنّنا في عصر أفلام الأبطال الخارقين، الّذي ابتدأ مع فيلم "Spiderman"، وأخذ شهرة واسعة بعد صدور فيلمَي "Iron Man" (2008) و"The Dark Knight" (2008)، ونظرًا إلى ارتباط شخصيّة "جوكر" بعالم الأبطال الخارقين، يصبح هذا العامل الثاني لنجاح الفيلم، على الأقلّ على شبّاك التذاكر. إذن، على الرغم من نوعيّة الفيلم الّتي عادةً لا تلائم روّاد السينما العاديّين، إلّا أنّه ضَمِن جمهورًا ضخمًا منذ البداية.

 

فقدان خصوصيّة الجمهور

في المقابل، انتفى مع فيلم "الجوكر" عامل نجاح الأفلام الكلاسيكيّة المذكورة أعلاه، الكامن في خصوصيّة وحصريّة الجمهور. ولتوضيح هذه المسألة، أذكر فيلم "Blade runner" (1982) مثلًا، للمخرج ريدلي سكوت، الّذي اكتسب جمهورًا خاصًّا (Cult Following) بعد فشله في البداية، إن كان على شبّاك التذاكر أو تناول النقّاد، لكنّه صار يُعَدّ لاحقًا من أفضل الأفلام عبر التاريخ. أُنتج جزء آخر لهذا الفيلم عام 2017، استكمالًا لأحداث القصّة الأصليّة، بعنوان "Blade Runner 2049"، من إخراج دانيس فيلينوفي. ورغم أنّ الجزء الثاني أفضل فنّيًّا على كلّ المستويات، ورغم نجاحه على شبّاك التذاكر، إلّا أنّه لَقِي سريعًا موجة نقد من نقّاد كثيرين وجمهور الفيلم الأصليّ، الّذين رأوا فيه إساءةً حقيقيّة للفيلم الأصليّ. هذا تمامًا ما حصل لفيلم "جوكر"؛ فعندما فقدَ خصوصيّة وحصريّة الجمهور فقدَ أيضًا ولاءهم للقيمة الفنّيّة، الّتي لطالما قدّروها ونقدوا اختفاءها من الأفلام الناجحة الحاليّة، وكيف أنّها لا تُعبّر عن روح السينما الحقيقيّة.

وأخيرًا، وعلى الرغم من تقديم فيلم "جوكر" رسالة حبّ لمعنى السينما الحقيقيّ، وتقديمه حبكة لا يمكن محاكاتها بدقّة عبر أيّ وسيلة سرد أخرى، وتقديمه صورة لا تستطيع أن تتحوّر إلى كلمات، رفض كثيرون رسالته ولعنه جمهوره الحقيقيّ، لتصبح لعنة الفيلم الوحيدة نجاحه؛ نجاحه الّذي أفقده جمهوره الخاصّ والّذي أبطل رسالته، لنصبح نحن هنا مشاهدين غير موثوقين!

 

 

حكيم خاطر

 

 

كاتب وروائيّ فلسطينيّ. صدرت له رواية "الفتاة" عام 2017، ورواية "كليشيه وديستوبيا" عام 2019، الحاصلة على جائزة تشجيعيّة وإشادة من مؤسّسة عبد المحسن القطّان في مسابقة الكاتب الشابّ - حقل الرواية.

 

 

تعليقات Facebook