"شقيقة موسوليني" الّتي تسخر منّا ولا تنتظر تعاطفنا

الشخصيّة المركزيّة، هيام، في فيلم "شقيقة موسوليني"

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

يستضيف مهرجان "أيّام المدينة" الّذي تنظّمه "جمعيّة الثقافة العربيّة"، الفيلم الوثائقيّ "شقيقة موسوليني" للمخرجة جونا سليمان. إذا كنتم من الصبورين، محبّي جانِرْ الفكاهة الساخرة الحادّة، فإنّ مشهد النهاية حتمًا يستحقّ الانتظار.

 

حياة الجدّة هيام

عملت جونا سنوات كثيرة في توثيق حياة جدّتها، هيام جرجورة، سيّدة صعبة المراس، سليطة اللسان، لكن لديها ما يُقال عن المجتمع والتغيير الّذي طرأ عليها، عن الحنين إلى ماضٍ غابر، عن الحبّ والزواج، ونضال النساء الكادحات من أجل تربية أولادهنّ... لديها ما يُقال عن السياسة، وعن حياتها الشخصيّة، والوحدة، والشيخوخة، وانتظار المصير المحتوم تحت أشعّة الشمس الدافئة في يوم شتويّ.

في الكثير من المشاهد تنجح المخرجة في عرض مواقف مثيرة ومضحكة، حين نرى سيّدة قارئة، ناقدة وربّما ناقمة! سيّدة تحمل على كتفيها وفي قلبها الكثير من الشكوى...

ربّما لا تكون حياة امرأة في الثمانينات من العمر مثيرة للاهتمام؛ فهي حياة رتيبة وأحداثها متكرّرة، لكن في الكثير من المشاهد تنجح المخرجة في عرض مواقف مثيرة ومضحكة، حين نرى سيّدة قارئة، ناقدة وربّما ناقمة! سيّدة تحمل على كتفيها وفي قلبها الكثير من الشكوى، تضعها أمامنا بكلّ جرأة وقوّة، وتتركنا نفكّر في مكانة المرأة وقوّتها وقدرتها، نفكّر في المستقبل المخيف، الّذي ينتظرنا في شيخوختنا عندما ينطلق الأبناء إلى الحياة، ويتركون وراءهم أُمًّا وحيدة تملأ فراغ يومها بمتابعة الأخبار وانتقادها.

نحن لا نجلس هنا أمام سيّدة مسكينة؛ فهي تعرف تمامًا ما تريد، وتطالب به. من حولنا الكثيرات مثلها، نخشاهنّ أحيانًا ونحفظ مسافة فاصلة بيننا وبينهنّ.

لا تهابنا "أمّ مْبَدّا" أبدًا؛ تُلقي على مسامعنا بعض مكنونات قلبها، تنتقد وتُواجه وتُدلي باعترافات مثيرة تجعلنا نتعاطف معها أحيانًا. تُشبه أمّهاتنا وجدّاتنا في تكرار طلباتها، بل في دقّة طلباتها، في التحذيرات الّتي تتفوّه بها، في علاقاتها الاجتماعيّة، في رغبتها في تعامل الناس معها بإنصاف وصراحة وصدق، وهي أكثر صراحة وشفافيّة في شتائمها اللاذعة الّتي تطال الكثيرين!

 

لماذا موسوليني؟

لكن مَنْ هو موسوليني؟ وما علاقته بهيام؟ ولماذا يُزجّ هذا الشخص في فيلم يتعمّق في تفاصيل عاديّة لحياة امرأة مختلفة قليلًا؟ تمامًا كاسم الفيلم؛ فبطلة قصّتنا هي شقيقة موسوليني، وهذا الاسم - كصاحبه - قصّة في حدّ ذاتها.

التناقض بين حياة موسوليني، الّذي يظهر لنا نجمًا سينمائيًّا يتمتّع بالحياة الصاخبة، وبين حياة شقيقته الّتي تمشي بإيقاع واحد يدفعنا إلى التفكير في العلاقة بينهما، وفي دَور كلٍّ منهما في حياة الآخر...

ربّما لم يكن من المفيد توظيف موسوليني في الفيلم، وربّما كان من الأجدر أن يظهر باكرًا، أو حبّذا لو تعمّقت الرواية أكثر في علاقتهما، وأثره في حياة هيام؛ فالتناقض بين حياة موسوليني، الّذي يظهر لنا نجمًا سينمائيًّا يتمتّع بالحياة الصاخبة، وبين حياة شقيقته الّتي تمشي بإيقاع واحد يدفعنا إلى التفكير في العلاقة بينهما، وفي دَور كلٍّ منهما في حياة الآخر، فلا بدّ لذلك الرجل الّذي يتربّع هناك في عنوان الفيلم، من أن يكون ذا مكانة خاصّة في حياة البطلة.

هذه المرأة وُلدت بعد أربع سنوات من عرض أوّل فيلم سينمائيّ ناطق، لكن صوتها الأصليّ، صوتها الّذي يعبّر عن مشاعرها وأفكارها، صوت غضبها وعتابها، هذا الصوت غاب ليحلّ مكانه تسجيل، رغم حدّته، غَيّب كمًّا هائلًا من المشاعر الّتي كنت أودّ لو أراها بعينيّ.

كم كنت أودّ لو أرى وجه هيام تتحدّث إلى الكاميرا! فتعابير وجهها القليل الابتسام  لا بدّ من أنّه يحمل الكثير ليُضيفه إلى المواقف الّتي تُصرّح بها. غياب حضورها المباشر يخلق مساحة فاصلة إضافيّة بينها وبين تعاطفنا معها.

ربّما قوّتها وجسارتها لا تنتظر تعاطفًا، إدارتها لِما تملك لا تنتظر خبيرًا. الفكاهة والسخرية اللتان تتمتّع بهما لا تحتاجان إلى سيناريو مجهَّز مسبقًا، لكن في السيناريو الحاليّ، ينتهي الفيلم بمشهد يملأ رئتينا ضحكًا، لكنّما هيام لا تكترث لردّ فعلنا، وتُواصل حياتها على سجيّتها!

 

 

سماح بصول

 

 

تسكن في الرينة، شمال فلسطين. صحافيّة، محرّرة 'دوغري نت' بالعربيّة، ومركّزة مشروع الإعلام العربيّ في مركز 'إعلام'. حاصلة على البكالوريوس في اللغة العبريّة وأدبها، والماجستير في ثقافة السينما، وتدرس حاليًّا الماجستير في الأدب العربيّ.

 

 

تعليقات Facebook