تدرّجات الإرهاب وفق لون البشرة!

الممثّل جيمي بيل، بطل فيلم "Skin" للمخرج الإسرائيليّ جاي ناتيف (2018)

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

كيف تعمل السينما عندما تريد تقديم نماذج متنوّعة من "الإرهاب"؟ هل يكون الإرهابيّ هو البطل؟ أم مَنْ يدفعه إلى اختيار هذه الطريق؟ أم تكون العقيدة الّتي يرتكز عليها في نشاطه هي المحور؟

هل يختلف عرض الإرهاب بناءً على جنسيّة الإرهابيّ أو عرقه؟ هل للدين دور في كيفيّة صياغة المعاني المباشرة والمبطّنة؟ أم هي كلّها مجرّد اختلافات في السيناريوهات، وليست أساليب عرض تتّبع تنميطًا معيّنًا سبق أن رأيناه؟

في النصّ الآتي مقارنة بين ثلاثة أفلام، اثنان منها من إنتاج أمريكيّ والثالث من إنتاج فرنسيّ، تجمع بينها فكرة القتل على خلفيّة الكراهية، تختلف في حدّتها وقوّتها وإخراجها الفنّيّ، وربّما تختلف أيضًا في رسالتها؛ بناء على لون بشرة الإرهابيّ!

 

"إنّهم مجرّد أولاد"

استطاع فيلم "Hotel Mumbai" (إخراج أنثوني ماراس، 2018) تحقيق نجاح كبير؛ لقدرته على إثارة المشاعر بقوّة، وشدّ أعصاب المشاهدين بسبب بعض مشاهد الترقّب الناجحة، ولربّما بسبب ذكاء العاملين فيه في نبش التاريخ الدمويّ للصراع الهنديّ - الباكستانيّ، واختيار قصّة أثارت الجماهير في العالم، وليس في الهند وباكستان فحسب، بعد مقتل 195 إنسانًا، وإصابة العشرات، واحتجاز الرهائن من السيّاح والمحلّيّين.

 

 

فيلم أعاد إلى الأذهان الاعتداء الّذي نفّذه أعضاء إحدى الجماعات الباكستانيّة، في مواقع عدّة في عاصمة الهند الاقتصاديّة، وأشهرها فندق "تاج محلّ" الشهير عام 2008، خمسة شباب قتلوا عددًا من نزلاء الفندق؛ انتقامًا لضحايا باكستانيّين قضوا في الصراع العرقيّ، وإيمانًا منهم أو ممّن جنّدهم للعمليّة بواجب قتل "الهنود الكفرة"!

لعلّ أجرأ مشاهد الفيلم اثنان؛ يأتي الأوّل على وصف مرتكبي العمليّة بالأولاد، في إشارة إلى أنّهم مسيَّرون وليسوا مخيَّرين، وهذا ما يظهر من خلال تصرّفاتهم الطفوليّة حينًا، وانبهارهم بالمكان حينًا آخر. أمّا الثاني - وهو ربّما الأكثر إيلامًا للمُشاهد - فيصوّر قيام أصغر منفّذي العمليّة سنًّا بالاتّصال بذويه، والبكاء والشوق والشعور بالذنب، والحاجة إلى التعبير عن الحبّ، تختلط معًا لكنّها تضعف أمام خدعة الجهاد، ووعود "الأخ الأكبر" بأنّ مصير المنفّذين هو الجنّة حين يموتون، أو حياة رغيدة ومكافأة قدرها مليون دولار إن بقوا على قيد الحياة. محادثة مثيرة غارقة في دموع الفقراء الّذين يسهل افتراس عقولهم ووجدانهم. 

الجهاد والإسلام والأحاديث النبويّة، والطمع بجنّة بعد الموت، كلّها تطغى على تحرّكات منفّذي العمليّة. إرهاب المسلمين هذا هو عنوان الحدث، الّذي تصغر أمامه كلّ التفاصيل الأخرى في الفيلم، ولا سيّما المقارنة بين تحريم أكل لحم الخنزير وإتاحة القتل باسم الدين!

 

إرهاب الأمريكيّ الأبيض

ثمّ يأتينا "Skin" (إخراج جاي ناتيف، 2018)، فيلم أمريكيّ الإنتاج لمخرج إسرائيليّ. كان قد حاول إنتاج الفيلم قبل بضع سنوات، لكن الفكرة لم تلق استحسان المنتجين، فأخرج إلى العالم فيلمًا قصيرًا يحمل نفس الاسم والعنوان، لاقى نجاحًا جماهيريًّا دفع الفيلم الطويل لرؤية النور.

 

 

يتحدّث الفيلم عن إرهاب الأمريكيّ الأبيض، إرهاب يستهدف سُمر البشرة والمثليّين والمسلمين واليهود والأعراق اللاتينيّة. لكنّ قتل الناس هنا يجري بسرعة دون إثارة ودون شدّ أعصاب المشاهدين، دون موسيقى تُدمي القلب. تمرّ العمليّة بسرعة فلا يبقى من أثرها شيء في أذهاننا ولا حزن.

هذا فيلم البطل الوحيد؛ هو وقصّته ومحاولته الخروج عن الصفّ مركز الفيلم، وليس الإرهاب، على عكس ما يتركه فينا "فندق مومباي"؛ إذ لا يجعلنا نكره الجماعة أو نتّخذ موقفًا متعاطفًا مع ضحاياهم، كلّ شيء شبه معقّم.

في مقارنة بسيطة، نجد الفيلم يحاكي فيلم "Hotel Mumbai"، عندما يعرض أمامنا آليّات تجنيد أفراد الجماعة، تمامًا كما هو حال الباكستانيّين، يصوّب الأب والأمّ في "Skin" سهامهما نحو الفقراء والمشرّدين والمحبَطين من الشباب والشابّات، لكنّنا لا نرى سبل تلقينهم دروس الكراهية للآخرين، ولا نرى كيف يجري تنفيذ عمليّات سوى عمليّة يتيمة يكون خلالها إحراق مسجد، ومن ثَمّ حرق مجموعة مسلمين نجوا من العمليّة الأولى.

 

إرهابيّ بجيل 13!

من فرنسا يأتينا فيلم "Le Jeune Ahmed" [أحمد الصغير] (إخراج جان بيير ولوك داردين، 2019)، رغم سطحيّة القصّة وعدم تعمّقها في الدوافع الّتي تجعل المسلمين فيها يتمسّكون بالدين والعادات والتقاليد، رغم أنّهم لا يمارسون العربيّة – لغتهم الأمّ - إلّا في العبادة والصلاة. لا يحاول الفيلم فكّ لغز هذا الارتباط الوثيق بالدين، والإيمان بالجهاد والحرب على الكفّار، بل يكتفي بعرض من قصّة مقطوعة عن أيّ سياق، بطلها أحمد الصغير، الّذي يريد بدء الجهاد وقتل معلّمته.

 

 

تدور أحداث الفيلم في فرنسا، أحمد فتًى لا يتعدّى 13 من العمر، مرتبط جدًّا بابن عمّه، وهو إمام المسجد المحلّيّ الصغير. معلّمة أحمد مسلمة علمانيّة يتّهمها الإمام بالكفر. علاقة أحمد بمعلّمته تسوء، ويقتنع بأنّ عليه قتلها. ارتباط أحمد بتعاليم الدين يقتصر على ما يعلّمه إيّاه الإمام؛ فيتحوّل من مجرّد فتًى صغير إلى إنسان يكره والدته، الّتي تشرب الكحول، وينعت أخته بالزانية لأنّها لا ترتدي الحجاب.

الإمام يقدّم الجهاد على كلّ شيء، يقنع أحمد وأخاه رشيدًا بأنّه: "اقتلوهم حيث ثقفتموهم".

بعيدًا عن أحمد وقصّته الشخصيّة، يمكن اعتبار الفيلم مثيرًا بتسليط الضوء على الخلافات الداخليّة بين المسلمين المغتربين أنفسهم، بين رغبتهم في تعليم أولادهم العربيّة والدين الإسلاميّ، وبين اختيارهم العيش بعيدًا عن مسقط رأسهم، حيث نظام الحكم علمانيّ صرفًا.

في باطنه يُشير الفيلم إلى أنّ المسلم المتديّن على خطأ، عنيف، لا يحترم الآخرين، وهو محتاج دائمًا إلى رعاية الآخر الأبيض ووصايته. لا يعتدل المسلم ويعود إلى رشده إلّا على يد شخص آخر.

 

معركة خاسرة وأخرى رابحة

تجتمع الأفلام الثلاثة حول فكرة القتل على خلفيّة الكراهية، كراهية المختلف عرقيًّا أو دينيًّا أو عقائديًّا. وفي كلّ فيلم ثمّة أب روحيّ يغسل الأدمغة.

عندما يكون المسلم إرهابيًّا تكون معركته خاسرة، لا تعود بالسوء إلّا عليه، بالمقابل عندما يُعرَض إرهاب الرجل الأبيض فإنّ أطواق النجاة موجودة، والأمل بالعودة إلى الصواب والانشقاق عن الحركة وارد، ومدعوم من أشخاص مستعدّين لصرف الكثير من الأموال، لتخليص شابّ أمريكيّ من براثن الإرهاب... معركة تنتهي ببطولة ونياشين وانخراط في حياة مدنيّة سليمة، يكافح فيها "الناجي" ضدّ العنصريّة!

 

 

سماح بصول

 

 

تسكن في الرينة، شمال فلسطين. صحافيّة، محرّرة 'دوغري نت' بالعربيّة، ومركّزة مشروع الإعلام العربيّ في مركز 'إعلام'. حاصلة على البكالوريوس في اللغة العبريّة وأدبها، والماجستير في ثقافة السينما، وتدرس حاليًّا الماجستير في الأدب العربيّ.

 

 

تعليقات Facebook