سماهر القاضي: تجارب التحرّش والاغتصاب قادتني لـ "زيّ ما أنا عايزة"

سماهر القاضي

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

خيوط كثيرة تضافرت ونسجت فكرة فيلم لا يزال في حالة مخاض منذ 5 سنوات، أحد هذه الخيوط يتشكّل من نقاش حادّ يدور بين متحرّش في دكّان وسماهر القاضي، يقول لها باللهجة المصريّة: "غطّي نفسك الأوّل"، فتردّ قائلة: "أنا ألبس زي ما أنا عايزة"؛ ومن هنا وُلدت فكرة فيلم يحمل اسم "زيّ ما أنا عايزة"!

سماهر القاضي فلسطينيّة، وُلدت في مخيّم الجلزون وعاشت في رام الله، كانت تدرس علم الاجتماع في "جامعة القدس"، وعانت كغيرها من الفتيات من الضغط العائليّ للزواج بصفته قيمة تتفوّق على الدراسة. في سنّ 19 عامًا، بدأت تعمل في وزارة الثقافة الفلسطينيّة، ومن ثَمّ في وزارة الإعلام، وعندما قُصِفت الوزارتان في اجتياح رام الله في فترة الانتفاضة الثانية، انتقلت للعمل في "مركز الإعلام الفلسطينيّ". لم تكن دراسة السينما من أحلامها، لكنّها رغبت في مغادرة فلسطين بسبب الدمار الكبير الّذي حلّ آنذاك. بعد سنة من المحاولات حصلت على منحة، وغادرت إلى مصر للدراسة في "معهد السينما"، رغم معارضة الأهل الشديدة.

هذا الحوار مع سماهر القاضي عبر فُسْحَة – ثقافيّة فلسطينيّة، من أجل الحديث عن فيلمه "زيّ ما أنا عايزة"، مسار إنتاجه ومضامينه، وعن علاقتها بالكاميرا والسينما، وغيرها من القضايا.

 

سماح: لماذا السينما؟

سماهر: خلال دراستي، وبفضل العلاقات الّتي بنيتها أثناء عملي في وزارتَي الثقافة والإعلام الفلسطينيّتين، نجحت في العمل في "مهرجان القاهرة السينمائيّ الدوليّ". لقد كانت تجربة ممتازة تعرّفت خلالها على أسماء لامعة في عالم السينما. دائمًا كنت أشعر بأنّ لديّ قصّة وأريد أن أرويها للعالم، ورأيت أنّ صناعة الأفلام منفذ لأروي قصّتي. عملت في شركة "Power Image"، الّتي تنتج الأفلام الوثائقيّة، ومن هنا أخرجت فيلم محمّد بكري لبرنامج "مبدعون" في "قناة الجزيرة"، وفيلمًا آخر اسمه "جمالات"، ومن هناك بدأت.

 

سماح: تربطك علاقة فريدة بالكاميرا، كما بدا لنا من عرض الفيديو التشويقيّ لفيلم "زيّ ما أنا عايزة"، فما سرّ هذه العلاقة؟

سماهر: الكاميرا ترافقني إلى كلّ مكان. عام 2012، كنت في فرنسا والتقيت صديقتي الموسيقيّة السوريّة نيسم جلال في مظاهرة للاجئين. صوّرت المظاهرة وصوّرت بعض المقابلات مع اللاجئين الّذين وصلوا توًّا، وعندما رأيت الموادّ فهمت مدى قوّة التوثيق وأهمّيّتها.

 

سماح: متى تكون الكاميرا رفيقًا؟ ومتى تتحوّل إلى سلاح بيدك؟

سماهر: عندي علاقة متميّزة بالصورة. أحبّ الصورة لأنّها تنجح في إيقاف اللحظة، وتنجح في إعادتنا إلى لحظة التقاطها ولو بعد سنوات، فتحيا الذكريات من جديد، وهذه هي الكاميرا كرفيق. أمّا تحوّل الكاميرا إلى سلاح فيعود إلى حوادث الاغتصاب والتحرّش الجنسيّ، الّتي بدأت في 25/11/2012 بعد إسقاط مبارك وتولّي الإخوان المسلمين للسلطة؛ إذ تعرّضت صديقتي المقرّبة جدًّا للاغتصاب في ميدان التحرير، هذا الموقف خلق لديّ شعورًا بالغضب والمسؤوليّة، سألت نفسي مرارًا: مَنْ سيروي قصص تلك النساء؟ الناس مشغولون بالحالة السياسيّة، إلى درجة يصبح فيها الاغتصاب حادثًا هامشيًّا. ما حدث لصديقتي يمكن أن يحدث لي، وهكذا أصبح الأمر شخصيًّا.

شهدنا ممارسات ضدّ النساء لا يتصوّرها العقل، وخاصّة الاغتصابات الجماعيّة في ميدان التحرير، والتصريحات الإعلاميّة الهمجيّة المنفرة ضدّ النساء، من خلال قنوات إسلاميّة وغيرها. قرّرت أن أحمل الكاميرا وأمشي معها في الشارع، وهنا بدأت أستخدم الكاميرا سلاحًا لحمايتي أوّلًا، ولتوثيق كلّ أنواع التحرّش والانتهاكات الّتي تحدث في الشارع يوميًّا، بثورة أو بلا ثورة؛ فهذه طبيعة حياتنا بصفتنا إناثًا، ننزل إلى الشارع وكأنّنا ننزل ساحة حرب، وقد نجحت في توثيق مشاهد مباشرة وقويّة جدًّا للاعتداءات.

 

سماح: "زيّ ما أنا عايزة" يجمع شهادات فظيعة إلى جانب الحوارات العائليّة، فماذا عن تجربة جمع هذه الشهادات وتوثيق الحوارات؟

سماهر: كان من الصعب جمع الشهادات، إلى درجة جعلتني أحوّل شهادة إحدى الفتيات إلى مقطع محوسب "أنيميشن". أساسًا؛ أنا اتّخذت قرارًا بتحويل الموادّ المصوّرة إلى فيلم، بعد أن وافقت إحدى المغتصبات على عرض قصّتها على التلفزيون، وعلى إثرها نظّمت نساء مصريّات مظاهرة حاشدة، رفعن فيها السكاكين رمزًا للدفاع عن النفس. كان كمّ النساء هائلًا والتنوّع مثيرًا، مشينا من "جامع السيّدة زينب" حتّى ميدان التحرير حوالي 5 ساعات، كانت قوّة رهيبة لم يشهدها الشارع المصريّ من قبل. عندما رأيت المشاهد المصوّرة شعرت بالقوّة والثقة والإلهام لإتمام المهمّة.

 

سماح: لماذا تعاني المصريّات من هذا الكمّ والسوء في التحرّشات والاعتداءات؟

سماهر: ثمّة غير سبب واحد؛ وضع اقتصاديّ واجتماعيّ صعب وقلّة توعية، وتفكير سائد في أنّ جسم المرأة متاح إذا كان مكشوفًا أو غير مكشوف، وكأنّ المرأة تطلب التحرّش بها لمجرّد مشيها في الشارع. الأنثى عند المجتمعات العربيّة شيء مفعول به دائمًا ولا يحقّ لها الاعتراض، وأنا هنا ومع نساء أخريات كثيرات، كلٌّ من خلال وجعها تعترض وتقول: "لا، وألف لا"، والأصوات تتكاثر وتكبر، والنساء الآن في مرحلة مختلفة عمّا قبل، أعتقد أنّ ما حدث ويحدث للنساء يجعلهنّ أكثر وعيًا لحقوقهنّ وقوّتهنّ، وأعتقد أنّ الحَراكات الشعبيّة في العالم من الأسباب لهذا الوعي.

 

سماح: يعاني الفيلم من أزمة تمويل، مع أنّ ثمّة نظرة استشراقيّة قد تدفع مموّلين لدعم فيلم يُظهر "عيوب" المجتمعات الشرقيّة والمسلمة بهذا العمق.

سماهر: ثمّة جرأة في وضع وطنك ومجتمعك تحت المجهر، وقلبك أيضًا وقصّة حياتك، وهذا ما أحاول طرحه في الفيلم، جنبًا إلى جنب قصص شخصيّات الفيلم في القاهرة، الّتي كانت السبب في تفجّر ذكريات الماضي الّذي يخصّني، وما تعرّضت له منذ طفولتي من قِبَل مجتمع وأهل، كلّ همّهم العادات والتقاليد البالية وكلام الناس؛ كلّ هذا يقف في طريق أيّ بنت، فقط لأنّها وُلدت أنثى، وبهذا رصيد حقوقها وأحلامها وكلّ ما تتمنّاه يصبح قليلًا، ويكاد يكون معدومًا في بعض المجتمعات، وهنا أتحدّث عن الدول العربيّة جميعًا، وعن العالم أيضًا، مع اختلاف المستويات؛ لأنّ قضيّة الاعتداءات الجنسيّة ظاهرة عالميّة.

عندما عرضت تريلير للفيلم (الفيديو التشويقيّ) على طلّاب شباب وشابّات في مدرسة تمثيل فرنسيّة - كنت أدرّس فيها التعبير من خلال حركة الجسم - الفتيات قلن لي: "نحن نحتاج إلى امرأة مثلك لتوثّق ما يحدث في باريس". الفرق بين دولنا العربيّة والدول الأخرى أنّ القانون هناك يحمي النساء، بينما لا تتوفّر لنا هذه الحماية في معظم الدول العربيّة والمجتمعات الشرقيّة.

من ناحية أخرى، نحن مجتمعات تخاف المواجهة، نؤمن بكنس العيوب تحت السجّادة. بالنسبة إليّ أنا اخترت النظر في المرآة ومواجهة مشاكلي؛ لأنّ هذا أساس حلّ أيّ مشكلة، وهو الاعتراف بوجودها أوّلًا، هذا ما سيحرّرني وكثيرات من دائرة الخطر الّتي نعيش فيها. أمّا التمويل فهذه قصّة تحتاج إلى مقابلة منفردة (تضحك).

تمويل الأفلام أمر معقّد وشائك ومحبط جدًّا في بعض الأحيان، كلّ صانعي الأفلام يعانون من أزمة التمويل، وبات من الصعب جدًّا إتمام الأفلام؛ ولهذا، معظم صانعي الأفلام يستغرقون سنوات لإنهاء فيلم، فكيف ستتمكّن من إنهاء تصوير الفيلم ومونتاجه، إذا لم تجد مَنْ يموّل مشروعك!

 

سماح: لمن تُعِدّ سماهر هذا الفيلم؟ أهو حالة علاجيّة أم مقولة؟

سماهر: كلاهما معًا. خلال العمل على الفيلم حملت بابني الثاني، رام، وأمّي توفّيت وكنت أتمنّى أن تكون على قيد الحياة لنناقش معًا مكانة المرأة كما تظهر في الفيلم؛ لأنّ أمّي كانت تؤمن بأنّ المرأة مكانها البيت! كنت أريد أن تراني أمّي اليوم، وأنا أوصل رسالة إلى كلّ فتاة عاشت طفولة ومراهَقة مثل طفولتي ومراهقتي.

الحمل والولادة منحاني الشعور بالقوّة، وجعلاني أفكّر مليًّا في أزمة تربيتنا للذكور، نحن نحملهم 9 أشهر ثمّ نلدهم بألم ونرضعهم، ونربّيهم بحبّ، وعندما يكبرون يصفعوننا!

لدى النساء مشكلة في التربية والتوعية وتفضيل الذكور على الإناث، جزء منهنّ غير واعيات لحقوقهنّ بشرًا، وأنّ لديهنّ قوّة لا يُستهان بها. فيلمي يمثّل مجموعة رسائل لأمّي أوّلًا، وكلّ ما أقوله في الفيلم هو ما لم أتمكّن من قوله أمامها مباشرة، وهو أيضًا تجربة شخصيّة جدًّا أطرحها لأتعمّق في ذاتي، وأضع قلبي بما فيه من حوادث شخصيّة أمام المشاهد، كمن يُعرّي نفسه أمام الناس؛ متأمّلًا أن يفتح هذا المجال لنساء أو حتّى لرجال يعانون من كبت وتصغير، ليرفعوا صوتهم عاليًا بلا خوف من العادات والتقاليد، لعلّ هذه التجربة تشجّع الآخرين على أن يكونوا ما يريدون حقًّا، وهذا طبعًا يأتي من الإيمان بما يريد الإنسان، وإيمان بالنفس بعد علاجها من كلّ ما رسخ فيها من شوائب.

هذا الفيلم جلسة علاج طويلة، هذا ابني الأوّل، عندما ألده سأكون إنسانًا آخر.

 

 

سماح بصول

 

 

تسكن في الرينة، شمال فلسطين. صحافيّة، محرّرة 'دوغري نت' بالعربيّة، ومركّزة مشروع الإعلام العربيّ في مركز 'إعلام'. حاصلة على البكالوريوس في اللغة العبريّة وأدبها، والماجستير في ثقافة السينما، وتدرس حاليًّا الماجستير في الأدب العربيّ.

 

 

 

تعليقات Facebook