"موتى يافا"... فلسطينيّ واحد وتوابيت كثر

الفتى طلال، من فيلم "موتى يافا"

 

يبدأ فيلم "موتى يافا" بنقل طلال (الممثّل الفتى جهاد باباي) في صندوق، وينتهي الفيلم به ومعه في صندوق آخر! ينضمّ هذا الفتى الفلسطينيّ الجَسور المتمرّد إلى تعداد أموات يافا، في ظروف تُحاكي ظروف كثيرين ممّن سبقوه. ليس الأموات وحدهم مَنْ يُحْمَلون في توابيت هنا، ثمّة أحياء أيضًا، تلفّهم مساحات ضيّقة تشبه في حصارها عتمة التابوت! ربّما تكون هذه مساحات الكينونة الشخصيّة، أو مساحات الذكريات، أو الصراعات القوميّة، أو المعاناة الاجتماعيّة.

 

رغبة ريتا وخشية جورج

يُنقل ثلاثة أولاد تهريبًا من قرية في الضفّة الغربيّة إلى آخر بيوت أقاربهم في يافا، زوجان لم يُرزقا بأطفال تحطّ عليهما هديّة سماويّة، ثلاثة أولاد لأمّ غابت وأب أسير. تفرح ريتا (الممثّلة ربى بلال) بهذه العطيّة من الله، على عكس زوجها جورج (الممثّل يوسف أبو وردة)، صاحب الدكّان البسيط الّذي تلاحقه أطياف الماكثين بلا تصاريح من فلسطينيّي الضفّة الغربيّة في مدينته. يعي جورج تمامًا كيف تنظر الشرطة إلى هؤلاء، كيف تطاردهم وتؤذيهم، وتؤذي كلّ مَنْ يقدّم لهم المساعدة. يختبر جورج بنفسه لحظة انكسار عندما يعجز عن احتواء محاولة جندب، وهو شابّ فلسطينيّ، آثر الاحتماء في دكّانه هربًا من أصفاد الشرطة.

 

 

يترنّح جورج بين رغبة ريتا في تربية الأولاد الثلاثة، وبين قناعته المبطّنة بعدم أهليّتها النفسيّة لذلك، ناهيك عن عدم امتلاك تصاريح لوجود الأولاد في يافا. يُعارض بقاءهم كثيرًا، لكنّه في نهاية الأمر ينصاع لقدرة التحدّي في جورج الإنسان الفلسطينيّ، ورابط الدم بينه والأولاد الثلاثة، مقابل المنظومة الّتي تقتل وتحتمي بالقانون.

ربّما يومان وربّما ثلاثة، يمكث أولاد في بيت عائلة، يأكلون ويشربون ويزورون البحر، دون أن يلتفت أحد إلى حاجة هؤلاء للاستحمام وتغيير الملابس! إنّ الإنسان الطبيعيّ، مهما كان معارضًا لوجود طفل غريب في بيته، إلّا أنّ الغريزة الإنسانيّة تدفع به إلى اقتراح أبسط الأمور لتحسين جودة حياة هذا الطفل: النظافة الشخصيّة.

 

القتل خدمة لسيناريو المخرج

ربّما يكون المخرج الإسرائيليّ رام ليفي قد تحدّى المؤسّسة الإسرائيليّة عام 1978، عندما أخرج فيلمه "خربة خزعة" عن رواية للكاتب س. يزهار. وضع ذلك الفيلم المرآة أمام المجتمع الإسرائيليّ، والجيش والقيادات السياسيّة حول فظائع الاحتلال، وارتكاب المجازر، وجمع الفلسطينيّين العُزّل وتكديسهم في شاحنات، ترمي بهم على الحدود مع الدول العربيّة المجاورة.

لكن ليفي في فيلمه هذا، المقتبس عن رواية جلعاد عفرون، لم يعُد إلى عام 1948 فحسب، بل تعمّق في الرواية الفلسطينيّة عائدًا بنا إلى فترة الانتداب البريطانيّ، من خلال عرض قصّة مخرج إنجليزيّ، جاء يصوّر فيلمًا في يافا عن والده المجنّد، ووالدته، وطبيبها الفلسطينيّ الّذي قتله زوجها. يعود المخرج إلى يافا ظانًّا منه أنّ الدراما كفيلة بمعالجته من الشعور بالذنب والإنكار، لكنّه في حقيقة الأمر يضيف طبقة عازلة على تاريخ لم يُكتب.

ليفي في فيلمه هذا، المقتبس عن رواية جلعاد عفرون، لم يعُد إلى عام 1948 فحسب، بل تعمّق في الرواية الفلسطينيّة عائدًا بنا إلى فترة الانتداب البريطانيّ

تتداخل قصّة جورج والأولاد الثلاثة، بفيلم المخرج الإنجليزيّ الّذي يتّخذ من جورج ممثّلًا لأداء دور الطبيب – ضحيّة رصاصة والده – يقتل المخرج جورج مجازًا من خلال السيناريو، ويُقتل طلال فعليًّا خدمةً لنفس السيناريو!

 

حكايات متشابكة

تشارك الشرطة الإسرائيليّة في مقتل طلال، وتسعى – كما تفعل دائمًا – إلى حماية أفرادها من العقاب، بذرائع الخوف والمباغتة والصدفة! لكن هناك، في مقرّ الشرطة الإسرائيليّة، لا تزال أرواح موتى يافا حاضرة في رمزيّة مثيرة لطيف الفلسطينيّ، الّذي يلاحق جلّاده أينما حلّ.

يُثقل علينا ليفي بعرضه مجموعة متشابكة من الحكايات، الّتي تعكس مراحل العبث بمصير الفلسطينيّين، بدءًا بالإنجليز الّذين فتحوا الطريق لاحتلال الأرض، والإسرائيليّين الّذين هَجّروا وقتلوا وشرّدوا، ولا تزال تنهكهم مطاردة أشباح الفلسطينيّين، وحكاية ذاك الفلسطينيّ المنتفع الراغب في إرضاء الأطراف الأقوى، مرورًا بحكاية ريتا وجورج الشخصيّة، ورغبة ريتا في أن تكون أمًّا، وحكاية النسيج المتداعي في علاقات الفلسطينيّين على طرفَي الخطّ الأخضر!

ينسج ليفي واقعًا مركّبًا متبَّلًا بعيّنات متنوّعة من الناس، لها أهمّيّتها في التطوّر الدراميّ وفي الواقع المطروح؛ فالمحامي رمزي (الممثّل سليم ضوّ) نموذج لعربيّ جيّد أفرزته السياسات الإسرائيليّة، مواطن هُلاميّ يتكيّف مع الظرف الآنيّ، يرى في المنفعة الفرديّة طريقًا، يناور ويراوغ ويدحر المشاعر جانبًا، لا موقف سياسيًّا لديه ولا مبادئ؛ فالمصلحة صاحبة الرأي والقرار.

 

طلال... الرواية الأبقى

لكنّ الرواية الأبقى رواية طلال، فتًى عاش 13 سنة من حياته في ظلّ الاحتلال. طلال مُقاوم بالفطرة ومتمرّد حتّى الشهادة. وصل طلال في صندوق سيّارة إلى يافا، وخرج منها على سقف ذات السيّارة في صندوق آخر أكثر عتمة. يتحدّى طلال كلّ المنظومات، يتحدّى أوامر جورج الساعي إلى إخفائه عن عيون الجيران، ويتحدّى محاولات طمس حكايات النكبة والتهجير، عندما اختار صُحبة الموتى الّذين تعيش أرواحهم في بيوت شُرِّدوا منها، يراهم وهم يعيشون حياة زاخرة بالمتعة، يراقبهم وهم يرحلون، ثمّ ينضمّ إليهم على يد القاتل نفسه.

الرواية الأبقى رواية طلال، فتًى عاش 13 سنة من حياته في ظلّ الاحتلال. طلال مُقاوم بالفطرة ومتمرّد حتّى الشهادة. وصل طلال في صندوق سيّارة إلى يافا، وخرج منها على سقف ذات السيّارة في صندوق آخر أكثر عتمة.

لا يخشى هذا الفتى التعبير عن رأيه – ولو أنّ في ذلك بعض المبالغة الدراميّة – ينضمّ إلى مظاهرة متخيَّلة، ثمّ يتحوّل قائدًا لها، ثمّ شهيدًا لتفاقمها وتحوّلها بين مسرحين: مسرح الفيلم السينمائيّ ومسرح الواقع الفلسطينيّ. هنا، ومع موت طلال تتضافر من جديد حكايات جورج وريتا، والفيلم الإنجليزيّ والسيطرة الإسرائيليّة!

 

التحدّي

لا شكّ في أنّ لهذا الفيلم وقعًا خاصًّا نظرًا إلى رسالته السياسيّة، لكن يُؤخذ عليه عدد كبير من الحوارات الّتي لم تُضف إلى الحبكة ولا إلى الشخصيّات، فضلًا عن أداء بعض الممثّلين فيه؛ ذلك الأداء الّذي لم يرتقِ ليعبّر عن الشخصيّات الّتي يجسّدونها.

تُبشّر نهاية الفيلم بولادة جديدة تتحدّى الموت، تتحدّى المكانة السياسيّة، تتحدّى الحلقة الأقوى في الصراع، تقف بالمرصاد لمحاولات شقّ الفلسطينيّين إلى شقّين جغرافيّين يَحولان دون الشعور بالانتماء إلى ذات الشعب. تقف ريتا مراقِبةً نقل جثمان طلال عائدًا إلى الضفّة الغربيّة، تركض نحوها شقيقة طلال الصغيرة مندفعة من سيّارة الشرطة الإسرائيليّة، في لحظة تحدٍّ للنظام الشرطيّ والقانون الإسرائيليّ، تختبئ تحت فستان ريتا لحظات، تفاديًا ما سيحدث، ثمّ تُولد من جديد، من تحت فستان ريتا، تظهر يدها الصغيرة قبل وجهها، وتلامس يد جورج علّه ينطلق في مغامرة أبوّة أبديّة.

 

"موتى يافا" (2020)، إخراج: رام ليفي، سيناريو: جلعاد عفرون وعلاء حليحل، بطولة: يوسف أبو وردة، وربى بلال، وسليم ضوّ.

 

 

سماح بصول

 

تسكن في الرينة، شمال فلسطين. صحافيّة، محرّرة 'دوغري نت' بالعربيّة، ومركّزة مشروع الإعلام العربيّ في مركز 'إعلام'. حاصلة على البكالوريوس في اللغة العبريّة وأدبها، والماجستير في ثقافة السينما، وتدرس حاليًّا الماجستير في الأدب العربيّ.

 

 

 

تعليقات Facebook