دنزل واشنطن... هل يمكن لإنسان فاحش الثراء أن يكون ملتزمًا؟

دنزل واشنطن | مارتن دي بوبير

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

فكرة "الالتزام"

بدءًا من القرن التاسع عشر، غيّرت فكرة الالتزام طبيعة الوعي الثقافيّ والمجتمعيّ، إلى أن تعزّزت وشاعت مع الماركسيّة القرن العشرين، خاصّة في ظلّ وجود معسكرَين كبيرَين متصارعين، الاشتراكيّ والرأسماليّ. ويمكن القول إنّ الانخراط في الجمهور وقضاياه العامّة، كان معيارًا لتقييم مدى اكتمال صورة المثقّف وهويّته الذاتيّة والمجتمعيّة في آن؛ إذ بات عليه أن يعيد النظر في وظيفته، الّتي يدرك من خلالها ذاته وإمكانيّات التقائها مع الجمهور.

تشير أدبيّات الالتزام الّتي تطرّقت إلى الرعيل الأوّل من أصحاب “الفكر الملتزم”، من مثل هابرماس وألتوسير وبورديو وفوكو، إلى أنّ المثقّف لا بدّ من أن يتبنّى قضايا مجتمعه، في جانب الكشف عن مؤسّسات التهميش الاجتماعيّ والقمع، والمؤسّسات الدينيّة، وآليّات تنفيذ الديمقراطيّة والمركزيّة المجتمعيّة والنظرة العنصريّة...

تشير أدبيّات الالتزام الّتي تطرّقت إلى أبرز أصحاب “الفكر الملتزم”، من مثل هابرماس وألتوسير وبورديو وفوكو وغيرهم، إلى أنّ المثقّف لا بدّ من أن يتبنّى قضايا مجتمعه، في جانب الكشف عن مؤسّسات التهميش الاجتماعيّ والقمع، والمؤسّسات الدينيّة، وآليّات تنفيذ الديمقراطيّة، والمركزيّة المجتمعيّة، والنظرة العنصريّة، وغيرها من القضايا العادلة الّتي يسعى متبنّوها إلى تغيير مسبّباتها.

تؤدّي فكرة التزام المثقّف إلى وضعه - طبيعيًّا - وجهًا لوجه أمام قضايا المجتمع الّذي ينتمي إليه، وإن كان الالتزام في بداياته مفهومًا سياسيًّا، من خلال التزام المثقّف على اختلاف صوره، بقضايا العمل التحرّريّ، سواء أكان التحرّر من الاستعمار أم سطوة أيّ حزب أو أيّ جماعة أو سلطة، إلّا أنّ وعي المثقّف بالتغيير الحاصل في العالم ككلّ، يفرض عليه أن يتبنّى قضايا أعمق وأبعد من مجرّد فكرة الالتزام السياسيّ.

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

أيّ "التزام" يُراد؟

أورد المفكّر المغربيّ الراحل محمّد عابد الجابري، أنّ المثقّف إنسان امتاز عن غيره بقابليّة التفكير والنقد وإدراك التحدّيات، مدفوعًا نحو ذلك بخزّان فكريّ ومعرفيّ تجاه قضايا مجتمعيّة حسّاسة؛ وفي النتيجة فإنّ المثقّف يلتصق بهموم وطنه وجمهوره، ويشاركهم قضاياهم.

ويجب أن نفرّق بين التزام المثقّف بصفته حالة طبيعيّة لانتمائه إلى طبقة أو عرق أو دين أو مجتمع ما، وبين التزامه الّذي تفرضه عليه أسئلته وتأمّلاته في هذه المؤسّسات؛ على أنّ التزام المثقّف التزام فكريّ وأخلاقيّ فوق كلّ شيء.

يضع هذا النوع من الالتزام المثقّف أمام مجموعة من المسائل، تجعله يتميّز بطريقة طرحه للحلول أو حتّى تجسيدها ونقلها إلى الرأي العامّ، ليؤدّي هذا إلى انصهار فكره في المجتمع/ الطبقة/ الفئة الّتي ينتمي إليها، وتبنّي مشاكلها.

بالنسبة إلى كثيرين، ومنهم الصحافيّ والروائيّ الشيوعيّ بول نيزان، فإنّ المثقّف الّذي لا تطابق أفكاره عمله التحرّريّ - وهنا التحرّريّ تحتمل بعدًا أكثر من مجرّد بعد ثوريّ على السلطة - لا يمكنه أن يكوّن صداقة واندماجًا في البيئة الّتي ينتمي إليها.

بالنسبة إلى كثيرين، ومنهم الصحافيّ والروائيّ الشيوعيّ بول نيزان، فإنّ المثقّف الّذي لا تطابق أفكاره عمله التحرّريّ - وهنا التحرّريّ تحتمل بعدًا أكثر من مجرّد بعد ثوريّ على السلطة - لا يمكنه أن يحقّق اندماجًا في البيئة الّتي ينتمي إليها.

وفي الوقت الّذي يسعى فيه المثقّف إلى أن يكون ابن سياقه، يضعه آخرون في خانة المسؤوليّة المطلقة عن فشل قضيّة ما، عندما لا يمكنه أن يقدّم حلًّا لها أو أن يجسّدها في أعماله كما يرونها بأعينهم. هذا الضغط على المثقّف يولّد انفجارًا ينسف أعماله وإسهاماته السابقة، ويجعل تخوينه مثلًا، أسرع في حال لم تتطابق أعماله مع ميولهم.

 

المزيّف

يمكن أن نميّز بين المثقّف الملتزم والمثقّف المزيّف، المرتزق غالبًا، الّذي لا يشكّل موقفه سوى عبور من مرحلة إلى مرحلة فنّيّة أو ثقافيّة أخرى. في هذا الصدد، يرى الأكاديميّ الفرنسيّ باسكال بونيفاس، المؤسّس والمدير لـ "معهد العلاقات الدوليّة والإستراتيجيّة" في باريس، أنّ المزيّفين ليسوا فقط حكرًا على الحقل السياسيّ، ليجد أنّ ممثّلين ومغنّين وأدباء وإعلاميّين، وكثرًا من منتمي الحقل الفكريّ والإبداعيّ، هم من هذا النمط المزيّف. يشرح بونيفاس في "المثقّفون المزيّفون" كيف أنّ المزيّفين يعانون عطبًا أخلاقيًّا ونفسيًّا، إلى جانب ازدواجيّة في المعايير تحت مسمّى الديمقراطيّة، ويستدلّ بحوادث "مثقّفين" ينتقدون حالة سائدة في فرنسا مثلًا، بينما يغضّون الطرف عنها، أو يبلغون مبلغ التمجيد لذات الحالة في دولة أخرى.  

ليس هذا ببعيد عن رؤية سارتر للالتزام، الّتي انتقل في وضعها إلى النضال والتحرّر الاجتماعيّ معيارًا لالتزام المثقّف. شكّلت هذه الرؤية تطويرًا لمفهوم الالتزام، ليصبح أقرب إلى دعم حركات التحرّر الوطنيّ، والنضال ضدّ العنصريّة والتمييز العنصريّ، والمطالبة بحقوق الأقلّيّات، خاصّة في أوروبّا وأمريكا، لتكون بعدها مشاركات المثقّفين - مثل الفرنسيّ إدغار موران وتقييمه لحركة "السترات الصفراء" في فرنسا - حقيقيّة ومشاهَدة، سواء في أعمالهم أو على الأرض بين الجمهور في الحراك.

 

"بلا التزام، ليس لممثّل أن يستمرّ..."

في الاحتجاجات الّتي عمّت الولايات المتّحدة أخيرًا، انطلاقًا من ولاية مينيسوتا، تصدّر الممثّل والمخرج الأمريكيّ دنزل واشنطن حديث صفحات التواصل الاجتماعيّ والإعلام، وكان موضع احتفاء ومدح؛ وذلك بسبب فيديو يظهر فيه وهو يمنع أحد رجال الشرطة في لوس أنجلوس من اعتقال رجل أسود مشرّد.

قال واشنطن ذات مرّة في أحد تكريماته: "بلا التزام، ليس لممثّل أن يستمرّ"، وهو فعليًّا قد أدّى العديد من الأدوار الّتي ظهر فيها بمظهر المدافع عن المظلومين والمشرّدين، وأولئك الّذين يتعرّضون للتمييز العنصريّ.

 

لم تغب شخصيّة الرجل الدقيق والحريص على كلّ ما يملك من وقت وجهد ومال عن واشنطن، في حياته اليوميّة خارج أفلامه، وثمّة مَنْ يرى أنّ هذا الحرص، الحاضر أيضًا في بعض أعماله السينمائيّة، لا يعني بالضرورة انفكاكه عن أبناء جلدته وقضاياهم، لكن البعض يرى أيضًا أنّ واشنطن يمثّل في أغلب أعماله، الّتي كان أشهرها فيلم "The Equalizer" بجزأيه الأوّل والثاني، يمثّل الرجلَ الأسود الخارج عن القانون وأعراف المجتمع في سبيل تحقيق أهدافه الشخصيّة، ومع ذلك، فإنّ شعوره بالرغبة في الدفاع عن الطبقة البسيطة المهمَّشة في المجتمع الأمريكيّ، كان حاضرًا دائمًا لديه.

في الجزء الأوّل من "The Equalizer"، يبدو اندفاع روبرت ماكيل (دنزل واشنطن) نحو مساعدة كلّ شخوص الفيلم الّذين بدوا منهكين اجتماعيًّا واقتصاديًّا، بسبب قيود فُرِضَت عليهم بحكم انتمائهم إلى الطبقة الفقيرة في المجتمع الأمريكيّ، يبدو اندفاعًا عفويًّا، رغم أنّ الأداء يحتكم إلى النصّ والإخراج. في علاقة روبرت بفتاة تعمل في الجنس، تيري، يُظهر روبرت إحساسًا عاليًا بالمسؤوليّة تجاهها، إذ ظلمتها وأفسدتها مافيات الجنس والمخدّرات، ليكون قرار الوقوف إلى جانبها حتميًّا، بمجرّد أن رأى آثار التعنيف على وجهها.

يتحدّث واشنطن في مقابلاته عن فكرة الالتزام بقضايا المجتمع، ولا سيّما مجتمع السود، وقد نقلها في أفلامه بطريقة تؤدّي الهدف من الفيلم، أو من الشخصيّة الّتي يعمل على تطويرها، على حدّ سواء.

 

ملتزم فاحش الثراء!

انتمى واشنطن إلى الطبقة الوسطى من المجتمع الأمريكيّ، الّتي شكّلت السواد الأعظم قبل أن تبدأ بالتراجع، وربّما هو ما جعله قادرًا على تجسيد معاناة هذه الطبقة والطبقة الأدنى، وكذلك نقل معاناة السود في المجتمع الأمريكيّ في أعماله، ما يعبّر عن شعوره بالانتماء والمسؤوليّة.

نتحدّث عن شخصيّة شهيرة مثل واشنطن، تقدّر ثروتها بـ 250 مليون دولار أمريكيّ، ما يفتح بابًا واسعًا للسؤال عن معنى الالتزام في هذه الحالة، وصدقه وعمقه، وعن إمكانيّة شخص آخر لا يملك قوّة الشهرة والمال، بأن يؤدّي دورًا من هذا النوع بسهولة...

مساعدة رجل من "الهامش"، والوقوف أمام الشرطة الأمريكيّة وثنيهم عن اعتقاله، ليسا أمرًا سهلًا في ظلّ حركة احتجاجيّة أساسها التمييز العنصريّ، وفي حالة عصيبة من العنف وعدم الاستقرار الأمنيّ، لكنّنا أيضًا نتحدّث عن شخصيّة شهيرة مثل واشنطن، لم تعد تنتمي للطبقة الوسطى، فثروتها تُقَدّر بـ 250 مليون دولار أمريكيّ، ما يفتح بابًا واسعًا للسؤال عن معنى الالتزام في هذه الحالة، وصدقه وعمقه، وعن إمكانيّة شخص آخر لا يملك قوّة الشهرة والمال، بأن يؤدّي دورًا من هذا النوع بسهولة، محاولًا منع شرطيّ من اعتقال أحدهم في ظروف كهذه؛ فيفوز بكلّ هذا المدح والاحتفاء بسبب فيديو يوثّق هذه الحادثة.

هل يمكن لإنسان فاحش الثراء على هذا النحو، أن يناصر قضايا المستضعفين والمهمّشين بصدق حقًّا؟

 

 

مهيب الرفاعي

 

 

كاتب وصحافيّ وباحث سوريّ في "معهد الدوحة للدراسات العليا"، حائز على ماجستير "الترجمة التحريريّة" من "جامعة دمشق". عمل مترجمًا في "مجلّة جامعة دمشق"، ومدرّسًا للغة الإنجليزيّة لغير المتخصّصين في كلّيّات "جامعة دمشق"، وتنصبّ اهتماماته البحثيّة في قضايا الإعلام، والسياسة، والصحافة العربيّة.

 

 

تعليقات Facebook