كوميديا الاستقواء

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

"تابعونا في الموسم القادم"

إذا رجّحنا فرضيّة أنّ الجمهور الأردنيّ المستهدف في البرامج الكوميديّة، غير راضٍ عمّا يُطْرَح من نكات وألفاظ وإيحاءات جنسيّة متضمّنة فيها، فلماذا تظلّ القنوات مصرّة على إنتاجها؟

إنّ قنوات من مثل "رؤيا" و"عمّان تي في" تنتج ما يدرّ لها ربحًا عاليًا، ويساعدها في زيادة نسبة مشاهدة الجمهور تراكميًّا، الجمهور نفسه الّذي يعترض كلّ عام وفي نفس الوتيرة، على مسلسل مثل "وطن على وتر" أو "جلطة"، ويعبّر عن غضبه وسخريته في نفس المنهجيّة، لكنّه سيتابع في العام القادم هذه الأعمال، الّتي تنتهي حلقتها الأخيرة برسالة: "تابعونا في الموسم القادم". حالة الرفض لم تتغيّر منذ بداية عرض هذه الأعمال وما يشبهها، مثلما لم تتغيّر المواضيع الّتي تتناولها وطريقة طرحها، والأهمّ أنّ الجمهور لم يقل ماذا يريد بعد!

تجنّبًا لكلمة هدف، سأقول إنّ برامج الكوميديا الأردنيّة تطمح إلى إضحاك المشاهد من خلال لمسها لواقعه اليوميّ، وقضاياه الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة، إلّا أنّ العكس ما يحدث عند غالبيّة المشاهدين، وتستمرّ موجة التهكّم والاستياء طيلة عرضها.

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

تحقير المرأة

لنتناول مسلسل "وطن على وتر" نموذجًا، الّذي يُعرض على "رؤيا"؛ فهو من أكثر البرامج الكوميديّة الساخرة مشاهدةً على التلفاز ومنصّة يوتيوب. بطل العمل الممثّل الفلسطينيّ عماد فراجين، إلى جانب الممثّلين محمّد الطيطي ومعتصم الفحماوي. يكتب العمل فراجين، ويعزو ذلك إلى عدم وجود كاتب كوميديّ متخصّص، ما ينعكس على العمل تكرارًا وإعادة إنتاج للحلقات المكتوبة في مواسم سابقة؛ فالنكات والألفاظ لا تتغيّر على نحو جوهريّ، ولا يجري العمل على بنية العمل فنّيًّا من جديد لتصبح مختلفة عن سابقاتها، كما أنّ المادّة الأساسيّة في السخرية هي الفئات المهمّشة اجتماعيًّا وافتصاديًّا وحقوقيًّا؛ ومن ضمن ذلك المرأة والفئات المختلفة عن السائد، بأفكارها وتصرّفاتها ومنطقها.

الكثير من حلقات "وطن على وتر" يقوم على تحقير المرأة، وتصغير منجزها أو رفضه، ووضعها في قالب اجتماعيّ أكل عليه الدهر وشرب، واستغلال أحلامها ورؤيتها، لإضحاك المشاهد بطريقة فظّة.

الكثير من حلقات "وطن على وتر" يقوم على تحقير المرأة، وتصغير منجزها أو رفضه، ووضعها في قالب اجتماعيّ أكل عليه الدهر وشرب، واستغلال أحلامها ورؤيتها، لإضحاك المشاهد بطريقة فظّة.

في المجتمع الأردنيّ حركة نسويّة نشطة، وحديثًا أصبحت تنجز ما عجزت عنه في الماضي؛ فقد عُدِّل قانون 308، الّذي يتضمّن إزالة العقوبة عن المغتصب إذا عرض الزواج بالضحيّة، ثمّ إنّ الحركات التحرّريّة الّتي تقودها نسويّات أردنيّات، ما زالت تناضل لتحصل على حقّ الجنسيّة للأطفال من آباء غير أردنيّين، وتحاول هذه الحركات جاهدة الحصول على أجور متساوية وعدالة وظيفيّة، من شأنها أن تقصي نظام الواسطة والمحسوبيّة.

يمكن أيّ شخص مطّلع على المرأة الأردنيّة في عملها، وتشارُكها الاقتصاديّ مع الرجل، أن ينقد ويرفض شخصيّة المرأة المطروحة في "وطن على وتر" باستسهال؛ فالخصومة القائمة بين العريس ووالد العروس، حول المهر الّذي يُقَدَّر بالآلاف حسب العمل، قد تقلّصت كثيرًا جدًّا في المجتمع الأردنيّ، والكثير من النساء وعوائلهنّ قد تجاوزوا من فترة غير قصيرة هذه الإشكاليّة، وتصدّرت الشراكة الماليّة بين الرجل والمرأة مشهد العلاقة، أيًّا كان نوعها.

 

رجل بلا شنب!

بعض حلقات العمل احتوى سخرية من الرجال الّذين لا يشبهون القالب التنميطيّ للرجل العربيّ؛ فظهر الرجل المتنوّر، الساعي إلى التخلّص من القوالب السياسيّة والاجتماعيّة الّتي وُضِعَ فيها قديمًا، ظهر مرفوضًا لأنّه لا شنب لديه مثلًا، ويرتدي ملابس ملوّنة، ويستخدم العطر، ولا يصرخ ويشتم طيلة الوقت، ولا يبادر بالضرب.

مشاهدون كثر من فئة المراهقين ينظرون إلى فراجين على أنّه قدوة بصراخه الدائم، واستخدامه الآخر ليظهر قدراته المختلفة في الاستقواء والبلطجة.

مشاهدون كثر من فئة المراهقين ينظرون إلى فراجين على أنّه قدوة بصراخه الدائم، واستخدامه الآخر ليظهر قدراته المختلفة في الاستقواء والبلطجة.

ثمّة معركة طويلة خاضها المجتمع الأردنيّ نساء ورجالًا، ليتخلّصوا من عقد كثيرة، عاد هذا العمل ليطرحها ويكرّسها، ويعيدنا إلى نقاط بدئيّة؛ لذلك ليس بمقدوري التعامل مع رسائل عمل كهذا بطيبة وحسن نيّة، فهو يسقط مصطلحاته ونظرته إلى الآخر في الشارع العامّ، وهو من نوع الموادّ الإعلاميّة المساهمة في أن يصبح الخروج من البيت من دون التعرّض لتحرّش لفظيّ أو حسّيّ، حلمًا بعيدًا عن أيّ امرأة أردنيّة. تراجعت الحوارات بين الرجال والنساء، بسبب محاولات الرجل تكرار كلام فراجين حول المكياج وعمليّات التجميل، وعيوب المرأة الشكليّة إذا تقدّمت في السنّ، وغيره من الهراء المذيَّل بضحكة طويلة.

 

ليس المطلوب مستحيلًا

الكوميديا، ومن ضمنها النكات، مدخل أساسيّ لفهم المجتمعات، من حيث تركيبتها ونزاعاتها وتناقضاتها، وما هو ممنوع أو مسموح حسب العرف العامّ وغيره من منظومات مجتمعيّة. يقول الأديب التشيكيّ ميلان كونديرا في كتابه "الضحك والنسيان": "النكتة مثل قبّعة شخص تقع على التابوت في قبر قد حُفر للتوّ، فتفقد الجنازة معناها ويولد الضحك"، والنكتة بنت الثقافة، ويتغيّر مضمونها وموضوعها بتغيّر المجتمع وتطوّر ثقافته وأنماطه والفئات المكوّنة له.

إنّ وضع الأعمال الكوميديّة على الطاولة لمناقشة رسائلها وأثرها، يتطلّب الحديث عن شكل تقريبيّ للكوميديا البديلة أو المقابلة، الّتي ستحلّ محلّ ما يُعرض الآن، وقد يكون في الالتفات إلى الوراء ما هو مفيد وملهم لما نريده الآن وفي المستقبل.

مسلسل "العلم نور" مثلًا، تحدّث عن الأمّيّين من مختلف المناطق الأردنيّة واللهجات، وتناول العقبات الّتي تواجههم حسب مناطقهم، من دون الاستقواء عليهم، وكانت المعلّمة امرأة.

برزت الكوميديا الأردنيّة في سنوات الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، وكانت أعمالًا تلفزيونيّة ومسرحيّة حاورت المجتمع باختلاف أصوله ومناطق نشأته، ومن ثَمّ مشاكله الحياتيّة، بطريقة ساخرة، وبعضها ما زال يُذْكَر حتّى اليوم، وبوسعها أن تُضْحِك أيّ أردنيّ، وهي متفوّقة في مواضيع طرحها؛ فالسياسة كانت مادّة دسمة للسخرية، وكان الحديث فيها لا يحمل مخاوف مثل وقتنا الحاليّ؛ إذ كان لانتهاء الأحكام العرفيّة عام 1989 أثر كبير في إنتاج الكوميديا الساخرة الحرّة نسبيًّا، الّتي انتقدت السياسة وغيرها من التابوهات، وأثّرت في المزاج العامّ في تلك الفترة. كانت الأعمال الكوميديّة في تلك الفترة تواكب الحالة الاجتماعيّة بسرعة؛ فلا حاجة إلى نكتة السنوات الماضية ما دام المجتمع يواكب تغييرًا يوميًّا. مسلسل "العلم نور" مثلًا، تحدّث عن الأمّيّين من مختلف المناطق الأردنيّة واللهجات، وتناول العقبات الّتي تواجههم حسب مناطقهم، من دون الاستقواء عليهم، وكانت المعلّمة امرأة.

المطلوب ليس مستحيلًا؛ فالأردنيّ مطحون في جملة من القضايا، في وسعها أن تصنع أفضل كوميديا، وهو يواجه منظومة قمع واستغلال سياسيّة يمكنها أن تفجّر أهمّ السكيتشات، والمرأة الّتي اسْتُغِلّت حديثًا بصفتها مادّة سخرية، من الواجب الآن النظر إلى ما تعانيه جرّاء التمييز ضدّها، والاستعانة بها لبلوغ الكوميديا المرجوّة.

 

 

سنابل قنّو

 

 

شاعرة أردنيّة، درست نظم معلومات حاسوبيّة وعملت كاتبة ومجوّدة نصوص في "مسرح دمى العربة" في عمّان، تنشر نصوها ومقالاتها في عدد من المنابر العربيّة.

 

 

 

تعليقات Facebook