رجاء الجدّاوي... دروس في الفنّ والأناقة والحياة

الفنّانة الراحلة رجاء الجدّاوي (1938 - 2020)

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

الفنّانون الّذين يحملون على عاتقهم رسائل متّصلة بقضايا المجتمع الكبرى أو الصغرى، وحدهم مَنْ يتركون آثارًا في الرمل، وحين يتركوننا تبقى أماكنهم فارغة لندرك حجمًا آخر لهم، غير ذاك الّذي اعتدنا عليه، وقد يأتي هذا الشعور من تتبّعنا المفاجئ لمسيرة أحدهم عندما نسمع خبر وفاته الصادم، وفي رحلة التتبّع تلك، يجد الواحد منّا ما يقرؤه أو يشاهده أو يكتبه عن هؤلاء.

ولعلّ الفنّانة الراحلة رجاء الجدّاوي واحدة من أجدر هؤلاء الفنّانين بالتتبّع والكتابة، ربّما لأنّها حجزت زاوية بعيدة وهادئة، تلقّت ثمّ ألقت فيها دروسًا في الفنّ والأناقة والحياة أيضًا.

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

الصدفة

والمثير في مشوار الجدّاوي أنّ الصدفة كانت قاسمًا مشتركًا في جميع محطّاتها، إلّا أنّ سنّة النجاح تقتضي الاستعداد الدائم لتلك الصدف؛ فالحظّ لا يحالف سوى المستعدّين.

انفصل والدا رجاء الجدّاوي وهي في سنّ مبكّرة، كانت واحدة بين خمسة أطفال، شهدوا مفاوضات طويلة بين الأب والأمّ، تتعلّق بعمل خالتها الفنّانة تحيّة كاريوكا، الممثّلة والراقصة المصريّة الشهيرة. عمل الخالة في الرقص كان عبئًا لم تحتمله حياة والديها الزوجيّة؛ وهذا ما أفضى في آخر الأمر إلى الانفصال، ورحيل الأب عن العائلة الّتي لم تجد معيلًا. أمّا الشعور بالذنب والتسبّب في الكارثة فدفع تحيّة كاريوكا إلى التكفّل بطفلين من الخمسة كانت رجاء الجدّاوي أحدهما، فتنتقل للعيش في بيت كاريوكا في القاهرة، بعد أن ترعرعت في الإسماعيليّة.

رغم أنّ المصادفات تستطيع أن تغيّر الواقع، إلّا أنّ المتتبّع لمشوار الجدّاوي، يلمس تفوّقًا جذب الأنظار إليها، ومنحها حقًّا في هذه الفرص...

الصدفة الأولى كانت عندما حصلت الجدّاوي على فرصة التعلّم في مدرسة "الفرنسيسكان" الفرنسيّة؛ فوفّر هذا فرصة لتعليم أكثر تطوّرًا، إلى جانب الاطّلاع على لغات أخرى مثل الفرنسيّة والإيطاليّة والإنجليزيّة وإتقانها، إضافة إلى تغيّر اسمها، فاسم الولادة كان "نجاة"، إلّا أنّ صعوبة نطقه على المدرّسات كانت سببًا في تحوّله إلى "رجاء".

الصدفة الثانية كانت محقّقة بفضل بيت كاريوكا وعملها، دخول حيّز الأضواء كان محتّمًا على رجاء، سواء اختارت ذلك وأعدّت له أو لم تفعل. تخرّجت الفتاة وعملت في الترجمة مع إحدى شركات الإعلان الكبرى، وفي أثناء حضورها حفلًا لاختيار فتاة تتقلّد لقب "سمراء القاهرة"، بما يوازي لقب "ملكة جمال مصر"، هبة القدر كانت بعجز اللجنة عن اختيار فتاة تستحقّ اللقب بين المتقدّمات، وكان الحلّ الوحيد البحث بين الحاضرين، فيقع الاختيار على فتاة سنّها 15 عامًا، وكانت رجاء الجدّاوي؛ فتَمَهّد الطريق أمامها لاحقًا لتحظى بلقب "ملكة جمال القطن المصريّ"، فمنحها هذا اللقب فرصة تمثيل بلادها في الخارج، في سبيل نقل الثقافة المصريّة حول العالم.

رغم أنّ المصادفات تستطيع أن تغيّر الواقع، إلّا أنّ المتتبّع لمشوار الجدّاوي، يلمس تفوّقًا جذب الأنظار إليها، ومنحها حقًّا في هذه الفرص، وفي تقديري فإنّ الجدّيّة الّتي تحلّت بها الفتاة آنذاك، شكّلت لاحقًا خطًّا سارت عليه نحو هدف واضح.

بعد ترشيحها لأوّل دور في فيلم "دعاء الكروان" (1959)، الّذي جرى في يوم تتويجها "ملكة جمال القطن المصريّ"؛ إذ كان المخرج هنري بركات ضمن أعضاء اللجنة، قد يبدو صدفة، إلّا أنّه في الواقع مستند على رؤية ثاقبة لبركات، الّذي ساهم مساهمة مركزيّة في صناعة شخصيّة رجاء السينمائيّة لاحقًا، فتاةً أرستقراطيّة أو ذات ثقافة فرانكفونيّة، وهذه هي الحقيقة الّتي وصلت إليها الجدّاوي بعد استكمالها دراستها.

 

الخالة تحيّة

رغم انغماس كاريوكا في الوسط الفنّيّ تمامًا، إلّا أنّها لم تشأ لابنة أختها أن تنغمس فيه مثلها. ربّما تعلّق الأمر حينذاك بتاريخ المشكلة العائليّ الّذي تسبّب في انفصال والديها. إنّ مشاركتها في "دعاء الكروان" في ظلّ سندريلّا الشاشة العربيّة فاتن حمامة، كانت سببًا في قطيعة استمرّت سنوات بين الفتاة وخالتها؛ بسبب الرفض المسبق لخوضها غمار الفنّ.

رغم انغماس كاريوكا في الوسط الفنّيّ تمامًا، إلّا أنّها لم تشأ لابنة أختها أن تنغمس فيه مثلها. ربّما تعلّق الأمر حينذاك بتاريخ المشكلة العائليّ الّذي تسبّب في انفصال والديها.

الخلاف الّذي حُلّ بعد سنوات، ترك على ما يبدو أثرًا مهمًّا في حياة رجاء الفنّيّة، لعلّ أبرز سماته اللمسة المحافظة الّتي تمتّعت بها الجدّاوي، على طول مشوارها الفنّيّ، والابتعاد الكلّيّ عن امتهان الجسد في سبيل الحصول على إضاءة أقوى، ثمّ إنّ انشغالها بعروض الأزياء تسبّب في وقوعها في خانة الممثّلة الثانويّة دائمًا؛ بسبب انشغالاتها وسفرها، بعد أن تعاقدت مع علامات تجاريّة عالميّة كبرى مثل "بيير كاردان" وغيرها.

فنّ الإتيكيت الّذي تحدّثت عنه الجدّاوي مرارًا في مقابلاتها التلفزيونيّة، كان على ما يبدو جزءًا أصيلًا في حياتها، إن لم تكن حياتها جزءًا منه، أسهم في صقل صورتها أمام الكاميرات وخلفها أيضًا. إنّ توازن علاقاتها الاجتماعيّة والعائليّة، يبدو دليلًا معتبرًا في هذا الصدد، فبرغم انشغالاتها الفنّيّة، تمكّنت مع زوجها اللاعب المصريّ حسن مختار، من تسطير أطول علاقة زواج في الوسط الفنّيّ المصريّ، استمرّت ستّة وأربعين عامًا، انتهت بوفاة مختار، الّذي التقت به وتزوّجته مصادفة أيضًا، بعد تأديتها دورًا كانت فيه بديلة عن نبيلة عبيد في مسرحيّة "روبابيكيا"، إلى جانب خالتها في السودان، حيث كان مختار يستعدّ لخوض مباراة هناك أيضًا.

 

عادل إمام... طاقة الحظّ

ثمّة بوّابة كبيرة في الوسط الفنّيّ المصريّ، يعبرها الصغار فيكبرون، ويعبرها الكبار فيثبّتون نجاحهم ويؤطّرونه، اسمها الزعيم عادل إمام، كأنّ الأمر مسحة سحريّة تمنح مَنْ يقف إلى جانبه إطارًا لامعًا، وهذا ما حدث مع فنّانين كثر، وقفوا إلى جانبه في أعمال مسرحيّة أو تلفزيونيّة أو سينمائيّة؛ فتسبّب لهم في انفتاح طاقة الحظّ، وكانت رجاء الجدّاوي واحدة من هؤلاء. المدهش أنّ العديد من هؤلاء النجوم قدّموا شهادة في حقّ الرجل تؤكّد اهتمامه بمناولتهم فرصًا جديدة دائمًا، وفسح المجال لأسماء جديدة دائمًا، كان يعبّر عن اعتزازه بهم لاحقًا، من خلال الإبقاء على التواصل، وتعزيز نجاحاتهم ومتابعة أعمالهم.

رجاء الجدّاوي لم تكن طريّة العظام، حين اختارها عادل إمام لتعمل معه في المسرح، لكنّ الفرصة الذهبيّة تجلّت في إخراجها من الإطار الأرستقراطيّ الجامد، إلى آخَر أكثر ليونة دونما مساس بطابعها...

رجاء الجدّاوي لم تكن طريّة العظام، حين اختارها عادل إمام لتعمل معه في المسرح، لكنّ الفرصة الذهبيّة تجلّت في إخراجها من الإطار الأرستقراطيّ الجامد، إلى آخَر أكثر ليونة دونما مساس بطابعها؛ وذلك من خلال مشاركتها في مسرحيّة "الواد سيّد الشغّال" (1985)، ثمّ مسرحيّة "الزعيم" (1993)، حين أظهرت الجدّاوي لاحقًا امتنانًا كبيرًا لعادل إمام، وأكّدت أنّ العمل معه نقلها إلى أفق أوسع.

أكثر من ستّين عامًا قضتها الجدّاوي في منابر الفنّ، قدّمت خلالها نحو 70 فيلمًا وأكثر من 40 مسلسلًا، والعديد من المسرحيّات، واختتمت مشوارها بمسلسل "لعبة النسيان" (2020)، والفيلم الّذي لمّا يُعرض بعد "توأم روحي"، وقد تركت من خلال الأعمال تلك كلّها إرثًا كبيرًا تؤطّره الرغبة في العيش، والإقبال على الحياة، وليس أدلّ عليه من قدرتها على صناعة حياة مستقرّة، بعد تلك المخلخلة الّتي نالتها في طفولتها، وقدرتها على المواءمة بين عملها واستمرار زواجها. أمّا إحجامها عن عمليّات التجميل بدوافع عجيبة، فعبّرت عنه في إحدى المقابلات التلفزيونيّة؛ إذ قالت إنّ كلّ تجعيد في وجهها يحكي قصّة نجاح أو فشل في حياتها.

 

 

سلطان القيسي

 

شاعر وكاتب فلسطينيّ من قضاء يافا،  يحمل الجنسيّة الأردنيّة ويقيم في عمّان، يكتب في الصحافة العربيّة. صدرت له مجموعتان شعريّتان؛ "بائع النبيّ" عن دار موزاييك - عمّان، و'أؤجّل موتي' عن دار فضاءات - عمّان، وترجمة 'الوطن - سيرة آل أوباما' لجورج أوباما، الأخ غير الشقيق للرئيس الأمريكيّ باراك أوباما، عن مؤسّسة العبيكان، الرياض.

 

 

تعليقات Facebook