سمير صبري... وفاء الفنّان لنفسه

الفنّان سمير صبري

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

يُكَرَّم المبدع بعد وفاته عادةً في أوطاننا وغير أوطاننا، نادرًا ما يُقَدَّر الفنّانون، وتحديدًا في المنطقة العربيّة. كما يقول المثل "لا نبيّ في وطنه". ثمّة العديد من الفنّانين الّذين رحلوا، وعرفناهم عن كثب وبعمق فقط بعد ذلك. أيمن صفيّة مثلًا، شهرته أصبحت على كلّ لسان، وفي كلّ بيت فلسطينيّ، فقط بعد وفاته الدراميّة، لكنّما في حياته اقتصرت شهرته على أوساط الفنّانين ومحبّي الفنّ. فلسطينيًّا، نحن لا نقدّر مبدعينا في حياتهم، لربّما محمود درويش الوحيد الّذي قُدِّر في حياته ومماته.

في تمّوز (يوليو) الماضي، رحلت الفنّانة المصريّة رجاء الجدّاوي، بعد أن أُصيبَت بفايروس كورونا (Covid-19)، خلال تصوير المسلسل الأخير «لعبة النسيان»، الّذي بُثّ في شهر رمضان الأخير، بعد معاناة دامت 43 يومًا، وعن عمر يناهز 82 عامًا. قادني رحيلها إلى مشاهدة مقابلات مع سيّدة الأناقة، ومن خلالها اكتشفت الكثير عن حياة الفنّانين المصريّين، وقد أثارني تحديدًا الفنّان سمير صبري، حيث قالت الجدّاوي إنّ سمير صبري هو مَنْ تكفّل في دفع مصاريف المستشفى لعلاج خالتها الفنّانة والراقصة تحيّة كاريوكا.

حين سألته لماذا يقوم بزيارة الفنّانين المعتزلين والمرضى، ويقف بجانب جميع زملائه في أفراحهم وأتراحهم، قال: "تكريم الفنّان وهو عايش أهمّ من تكريمه بعد رحيله"...

في لقاء سمير صبري مع راغدة شلهوب في برنامج «فحص شامل» (2017)، عندما طلبت منه أن يعرّف نفسه أجابها: "عاشق الفنّ"، ولم يعرّف نفسه ممثّلًا أو فنّانًا كغيره من الضيوف، على الرغم من أنّه ممثّل، ومذيع، ومقدّم برامج، ومنتج، وإذاعيّ، ومغنٍّ، واستعراضيّ. وحين سألته لماذا يقوم بزيارة الفنّانين المعتزلين والمرضى، ويقف بجانب جميع زملائه في أفراحهم وأتراحهم، قال: "تكريم الفنّان وهو عايش أهمّ من تكريمه بعد رحيله"، وأضاف: "الفنّان اللّي بتنحسر عنّه الأضواء بْيِبْقى بحاجة لسؤال إزايّك، عشان يحسّ إنّه عايش".

 

أرشيف من التفاصيل والقصص

المثير في صبري، عدا كمّ الأفلام الّتي شارك فيها، أنّه رائد في إدخال ما يُعْرَف ببرامج الـ «Talk Show» إلى التلفزيونات العربيّة؛ فبرنامجه «النادي الدوليّ» الّذي بُثّ على التلفزيون المصريّ كان علامة فارقة في تاريخ البرامج التلفزيونيّة. من خلال برنامجه استطاع أن يوثّق حقبة تاريخيّة مهمّة في حياة المصريّين، وفي تاريخ الفنّ؛ فاستضاف في البرنامج عبد الحليم حافظ، ومحمّد عبد الوهّاب، ورشدي أباظة، وتحيّة كاريوكا، وغيرهم من عمالقة الفنّ، عدا الرياضيّين والأطبّاء والكتّاب، منهم إحسان عبد القدّوس ويوسف إدريس، وشخصيّات سياسيّة عربيّة، منهم قابوس بن سعيد، وغيرهم.

لربّما جعله البرنامج محيطًا بتفاصيل صغيرة وشديدة الخصوصيّة عن زملائه، فأصبح أرشيفًا حيًّا من المعلومات والقصص. مثلًا، عندما قابل الطبيب عوض إبراهيم الّذي عالج أمّ كلثوم وعبد الوهّاب، اهتمّ بأن يسأل الطبيب عمّا أحبّت أمّ كلثوم، وتبيّن أنّها كانت تحبّ البيض، على الرغم من أنّه كان يُتْعِبُها، فكانت لا تتناوله قبل عروضها، وتكافئ نفسها بعد العروض بأكل البيض. تفصيل آخر عن عبد الوهّاب وممارسته لرياضة المشي داخل المنزل، وعدّ خطواته حتّى يبلغ الكيلومتر، وتفصيل آخر، وهو وسوسة عبد الوهّاب وشدّة خوفه من المرض؛ فكان يتّصل بطبيبه 3 مرّات خلال اليوم فقط إذا عطس.

 

"ابني"

ما لفت نظري في شخصيّة سمير صبري، عدا ثقافته الواسعة وإتقانه لغات عدّة، سمير الإنسان. عند موت أيّ فنّان مصريّ، نراه واقفًا في بيوت عزائهم، مثل أهل البيت، لكنّه حتّى في حياتهم كان وفيًّا ومخلصًا لهم.

في لقاءات عديدة معه، وعند سؤاله عن علاقته بكاريوكا، كان يجيب بتواضع بأنّها مثل والدته، وأنّ صداقة قويّة ربطته بها. لكنّ زملاءه والمسلسل الّذي أُنْتِج عن حياة العملاقة كاريوكا، بيّنوا أنّه رافقها بشكل شبه يوميّ. في سنواتها الأخيرة كانت تناديه "ابني"، وقالت إنّها لو أنجبت ابنًا لما كان بمثل هذا الحنان. وتبيّن أنّه أيضًا ساعدها مادّيًّا دون أن يجرح كرامتها؛ لأنّها كانت معروفة بكرمها وعزّة نفسها. رافقها حتّى لحظة موتها، ماتت فقيرة شبه معدمة، رغم أنّها شاركت في أكثر من 150 فيلمًا، عدا المسرح والرقص.

في لقاء مع هالة سرحان، اشترك فيه صبري والراحل نور الشريف الّذي كان مريضًا آنذاك، قال الشريف إنّ في أزمته حين أنتج فيلم «ناجي العلي»، هاجمه الفنّانون والنقّاد واتّهموه بالخيانة، قال إنّ الوحيد الّذي وقف معه في أزمته صبري...

قصّة مشابهة أيضًا حدثت مع عبد الحليم؛ فقد رافقه صبري في مرضه حتّى موته. الراحل محمود عبد العزيز، عندما ذهب للعلاج في فرنسا، رافقه صبري خلال رحلة العلاج، ورافق أيضًا نادية لطفي والعديد العديد من الفنّانين.

في لقاء مع هالة سرحان، اشترك فيه صبري والراحل نور الشريف الّذي كان مريضًا آنذاك، قال الشريف إنّ في أزمته حين أنتج فيلم «ناجي العلي»، هاجمه الفنّانون والنقّاد واتّهموه بالخيانة، قال إنّ الوحيد الّذي وقف معه في أزمته صبري، وكان يتّصل به يوميًّا، بكى نور الشريف من الألم والوفاء، وقد رافقه صبري هو كذلك في أزمة مرضه حتّى موته.

الأمثلة لا تنتهي من دعم صبري لزملائه، ومواساتهم في ضعفهم ومرضهم واعتزالهم وانحسار الأضواء عنهم، بل وتبرّعه لهم ولمصر؛ فقد أقام حفلات عدّة خصّص ريعها لمساعدة الشعب المصريّ، عدا زيارته وتبرّعه لدور الأيتام والجمعيّات الخيريّة.

 

من الحميميّة إلى الافتراضيّة

اليوم يبلغ سمير صبري 84 من العمر، وما زال يمثّل ذاكرة الزمن الجميل، ويحمل في جعبته قصصًا وحكايات جيل يجب أن توثَّق؛ لأنّ صبري ذاكرتنا الجماعيّة الجميلة. أسعدني جدًّا تكريمه وهو حيّ يُرزق في «مهرجان القاهرة» عام 2018. تأثّر صبري جدًّا بالتكريم، ودمعت عيناه، فمن النادر أن يُكَرَّم الفنّان في حياته.

من المقابلات واللقاءات الّتي شاهدتها في الآونة الأخيرة، تبيّن أنّ الجيل الذهبيّ وفنّ الزمن الجميل، كانوا يتقاضون مبالغ شحيحة على أدوارهم، بينما اليوم ارتفعت أسعار الممثّلين؛ من جهة هذا مؤشّر إيجابيّ ومفرح، لكن من جهة أخرى لا نجد مثل هذه العلاقات والوفاء بين فنّانينا اليوم. الجيل القديم كان يشعر بمسؤوليّة أخلاقيّة تجاه بعضهم بعضًا، كانت صداقات حقيقيّة تربطهم، بالطبع لا تخلو من منافسة وبعض المشاكل، لكن كانت ثمّة علاقات حقيقيّة ربطت أواصرهم، لربّما المصير المشترك هو الفقر الّذي عاشوا فيه وصعوبة الإنتاج. 

المثير في صبري، عدا كمّ الأفلام الّتي شارك فيها، أنّه رائد في إدخال ما يُعْرَف ببرامج الـ «Talk Show» إلى التلفزيونات العربيّة؛ فبرنامجه «النادي الدوليّ» الّذي بُثّ على التلفزيون المصريّ كان علامة فارقة في تاريخ البرامج التلفزيونيّة...

من جهة، حياتنا صارت أسهل كثيرًا، نتيجة توفّر جميع وسائل الراحة ودخول الإنترنت والحواسيب والهواتف الذكيّة، من جهة أخرى أصبحنا متفرّدين، تقطّعت أواصر العلاقات الاجتماعيّة الحقيقيّة. أمّا الصداقات الحقيقيّة داخل الأوساط الفنّيّة فشحيحة جدًّا؛ لا نجد الدعم الكافي أو المشاركة، فكلٌّ يخاف على فكرته وفنّه من السرقة!

اليوم يعيش الفنّان افتراضيًّا من خلال وسائل التواصل الاجتماعيّ؛ فيعرض نجاحاته وأعماله وملابسه وكلبه وبيته وأولاده وحديقته، ماذا طبخ وماذا أكل، كلّ ذلك لجمهور افتراضيّ، لربّما نتيجة عدم وجود مسارح وقاعات حقيقيّة ليعرض أعماله، ولربّما لأنّه من الأساس لا يوجد الكثير من الأعمال لتُعْرَض.

 

 

سها عرّاف

 

 

كاتبة ومخرجة وصحافيّة فلسطينيّة. كتبت سيناريو وأخرجت عددًا من الأفلام، من ضمنها "نساء حماس" و"فيلا توما"، وقد حصلت على عدّة جوائز عربيّة وعالميّة، أبرزها جائزة أفضل مخرجة امرأة في "مهرجان المرأة الدوليّ للسينما والتلفزيون - لوس أنجلوس" لعام 2014.

 

 

تعليقات Facebook