«Stalker» لتراكوفسكي... الفيلم الّذي قتل مخرجه

من فيلم «مطارد - Stalker» لآندريه تراكوفسكي

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

حاولت لأسابيع طويلة البدء بالكتابة عن آندريه تراكوفسكي Andrei Tarkovsky وفيلمه «مطارد - Stalker»أ(1979)، فأفشل في كلّ مرّة، مُحْبَطًا، أحاول مجدّدًا لأفشل من جديد، هنا تذكّرت ما قاله ‘الكاتب‘، أحد شخصيّات الفيلم: "يكتب الرجل لأنّه مُعذّب، لأنّه يشكّ، يحتاج دائمًا إلى أن يثبت لنفسه، ولكلّ واحد، أنّه يساوي قيمة ما. وإذا ما كنت أعلم بكلّ تأكيد أنّني عبقريّ، لماذا أكتب إذن؟ من أجل ماذا بحقّ الجحيم؟" وعلى هذا أكتب...


البائس الّذي يبحث في جثّة اللون

يصوّر الفيلم لنا عالمًا خاليًا من الألوان باهتًا بائسًا، يستيقظ فيه ‘المرشد‘ من نومه، تسأله زوجته ألّا يتركها هي وابنتهما مجدّدًا، تخشى أن يُسْجَن مرّة أخرى، يقول لها إنّه مسجون في كلّ مكان هنا، يترك زوجته باكية ويلتقي ‘بالكاتب’ و‘البروفيسور’ لتبدأ رحلتهم نحو المنطقة.

 

 

تدور أحداث الفيلم في المستقبل القريب، يصوّر تراكوفسكي عالمًا بلا إيمان على أنّه خراب ممتدّ بلا معنًى بلا ألوان، رماديًّا، ساكنوه بؤساء أصلاب، لم يعد يعني لهم الإيمان شيئًا. هكذا كان العالم حتّى ظهرت المنطقة قبل عشرين عامًا تقريبًا. يقول البعض إنّها معجزة، إنّها تجسيد لمبعوث الله من السماء، ويظنّ البعض الآخر أنّها لعنة، مُسَيَّجة بسياج شائك وجنود كثر، منطقة ممنوعة، مهيبة، إلى هناك يوجّه ‘المرشد‘ رفيقيه إلى الغرفة الّتي تُحَقِّق الأمنيات. 

في المنطقة، كلّ شيء مليء بالألوان، على عكس العالم الخارجيّ، إلّا أنّها قد تكون بيئة أكثر عدائيّة من العالم الواقعيّ. في المنطقة كلّ القوانين تتغيّر، لا شيء كما يبدو، ولا الطريق الأكثر مباشرة هو الأكثر أمانًا. يفهم ‘المرشد‘ قوانين المنطقة جيّدًا، فيها يشعر بأنّ له قيمة، كنبيّ يقود المشكّكين نحو الله.

لم يدخل ‘المرشد‘ الغرفة قطّ. خلال الفيلم تُذكر شخصيّة ‘النيص‘، معلّم المرشدين، وقد دخل الغرفة متمنّيًا بلسانه شيئًا مجهولًا، إلّا أنّ ما  تمنّاه حقًّا في قلبه كان المال، خرج من الغرفة ليصبح غنيًّا جدًّا، غير أنّه بعد أسبوع واحد فقط أزهق روحه. إنّ هذا تمامًا ما يخشاه ‘المرشد‘، أن يكون قلبه فاسدًا كما العالم، ألّا يكون ضعيفًا بل صلبًا فجًّا. إنّ ‘المرشد‘ يحتاج من غيره إلى أن يؤمن، أن يدخل الغرفة، أن يرى ما يعرف أنّه هناك يلغي إيمانه.

كيف للعارف أن يؤمن بما كُشِفَ عنه الحجاب؟ هذا أحد الأسئلة الّتي يطرحها تراكوفسكي، ماذا لو كان ما يتمنّاه الرحّالة غير كافٍ؟ ماذا لو كانت أمانيهم الدفينة غير ما يعتقدون؟ ألّا تمنحهم معناهم الّذي لا يجدون؟

خلال الثلث الأوّل من مدّة العرض، قد تكون صعبة بعض الشيء، إلّا أنّ العالم سرعان ما سيحبس أنفاسك، هذه الجماليّة المشوّهة المبعثرة بعناية تشكّك في مقولة "الأسلوب يعلو على الجوهر"...

 

الأسلوب هو الجوهر

لا يراهن تراكوفسكي على الحوار الشاعريّ، الّذي تلقيه الشخصيّات البسيطة للإجابة عن هذه الأسئلة، بل على الألوان والمشاهد الطويلة، والموسيقى التصويريّة المذهلة، يرسم المخرج لوحة غير منقطعة، ولا أشكّ في أنّ المشاهدة الأولى للفيلم، خلال الثلث الأوّل من مدّة العرض، قد تكون صعبة بعض الشيء، إلّا أنّ العالم سرعان ما سيحبس أنفاسك، هذه الجماليّة المشوّهة المبعثرة بعناية تشكّك في مقولة "الأسلوب يعلو على الجوهر"، الّتي تُقال نقدًا عادةً لما هو ممتلئ بذاته فارغ من الفحوى؛ المخرج في هذا العمل تحديدًا يُثْبِت أنّ الأسلوب هو الجوهر أحيانًا، أنّ الصورة والمشهد والتعبير تتكلّم بما يفوق قدرة اللغة.

لعلّ أحد أهمّ العناصر الّتي ترفع هذا الفيلم إلى مستوًى آخر، قدرة تراكوفسكي على تحويل حركة الممثّلين الّتي تكون أنيقة عادةً، إلى حركة أكثر واقعيّة وأكثر تبعثرًا. خلال الثلث الأوّل من الفيلم تحديدًا يظهر هذا جليًّا، تلحظ كيف أنّ الممثّلين يتبعثرون في المشهد، كيف أنّ سيّاراتهم تتخبّط بهم بينما يحاول ‘المرشد‘ أن يستقيم بها، وقد يُظَنّ أنّ هذا يعود إلى ضعف القدرة التقنيّة أو إلى خلل في الإخراج أو التمثيل، غير أنّ هذه الحجّة تزول تلقائيًّا إذا ما شاهدت أفلام المخرج السابقة مثل «Solaris» (1972)؛ وعلى هذا يظهر جليًّا أنّ هذه الإضافة مقصودة، تُظْهِر دون أن تُقال كلمة واحدة ماهيّة هذا العالم.

 

قتل النفس من أجل الفنّ

في أحد المشاهد الأكثر جمالًا في الفيلم والأكثر سرياليّة، يُظْهِر المخرج لقطة ممتدّة لبحيرة مغطّاة بما يشبه الورق الصناعيّ، يتساقط عليها رذاذ برّاق، ليُعْرَف لاحقًا أنّ هذا الرذاذ، والكثير من أماكن التصوير الواقعة بالقرب من مصنع كيميائيّ قديم، ملوّثة بالإشعاع؛ ولطول التعرّض لهذه الظروف، إذ إنّ الفيلم جرى تصويره ثلاث مرّات تقريبًا، بسبب مشاكل تقنيّة في تطوير الفيلم، وخلافات بين المخرج ومديري التصوير، قد أدّت في النهاية إلى موت الممثّل أناتولي سولونتسين، الّذي أدّى دور ‘الكاتب‘، وكذلك لاريسا تراكوفسكاي، زوجة المخرج آندريه، وآندريه تراكوفسكي نفسه، في شتاء عام 1986، وهو في الرابعة والخمسين من العمر.

يُظْهِر المخرج لقطة ممتدّة لبحيرة مغطّاة بما يشبه الورق الصناعيّ، يتساقط عليها رذاذ برّاق، ليُعْرَف لاحقًا أنّ هذا الرذاذ، والكثير من أماكن التصوير الواقعة بالقرب من مصنع كيميائيّ قديم، ملوّثة بالإشعاع...

خلال سعيه إلى الفيلم الكامل، خلال سعيه إلى الأمنية، قد قتل تراكوفسكي نفسه من أجل فنّه، وربّما يكون المعنى وتكون القيمة الموت من أجل ما هو فوق إنسانيّ، أن يخلع الرجل خوفه، وأن يغرق في ضعفه الكامل.


أخيرًا

يكاد عالم الفيلم أن يندمج في عالمنا من خلال هذه الصور، والأدوات البسيطة المستخدمة، والخيال البديع، يكاد لا يفصل بيننا وبين كابوس المخرج سوى لحظة وميض واحدة، نورًا كانت أو لهيبًا، حتّى تنطفئ الألوان. لا أجد طريقة مثاليّة لأن أنهي حديثي عن هذا الفيلم، لكن أظنّ أنّ القصيدة التالية كفيلة بذلك، الّتي كتبها والد المخرج، آرسني تراكوفسكي [ترجمة كاتب المقالة]:

إذن، فقد انتهى الصيف
دون أن يترك أثرًا.
لا يزال الدفء في الشمس
إلّا أنّ هذا ليس كافيًا.

كلّ ما هو حقيقيّ كان من الممكن أن يأتي
ككفّ الزغب
مطويٌّ في راحة يدي
إلّا أنّ هذا ليس كافيًا.

لم يهن أيّ شرّ
في ما بعد الكارثة الحسنة.
العالم كان مُضاءً محتفلًا
إلّا أنّ هذا ليس كافيًا.

كانت الحياة دائمًا لطيفة
راعية، تجعلني أضحك
كنت محظوظًا حقًّا
إلّا أنّ هذا ليس كافيًا.

لم تُحْرَق أوراق الشجر
لم تُكْسَر الضلوع بقسوة.
يومٌ، كالزجاج، يُغْسَل بلا شائبة
إلّا أنّ هذا ليس كافيًا.

 

 

حكيم خاطر

 

 

كاتب وروائيّ فلسطينيّ. صدرت له رواية "الفتاة" عام 2017، ورواية "كليشيه وديستوبيا" عام 2019، الحاصلة على جائزة تشجيعيّة وإشادة من مؤسّسة عبد المحسن القطّان في مسابقة الكاتب الشابّ - حقل الرواية.

 

 

تعليقات Facebook