"مناورة الملكة": لماذا لم تنجح الإناث بالشطرنج؟

إليزابيث هارمون، الشخصيّة المركزيّة في «مناورة الملكة»

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

القدرة الطبيعيّة على التنافس

يثير المسلسل الجديد «مناورة الملكة - Queens Gambit» الّذي يُبَثّ عبر «نتفليكس»، تساؤلات عديدة عن قضيّة مشاركة الإناث ونجاحهنّ في الرياضات المختلفة، وعلى رأسها لعبة الشطرنج. بطلة المسلسل شخصيّة باسم إليزابيث هارمون، تيتّمت من والديها في جيل مبكّر، تعلّمت لعبة الشطرنج وأدمنت عليها حتّى أتقنتها وبدأت بالتنافس الاحترافيّ بها؛ فلماذا اختار المؤلّفون امرأة أميركيّة بيضاء لتكون البطلة، رغم سيطرة الذكور المطلقة في هذا المجال؟ والسؤال الأهمّ: لماذا لم تستطع الإناث وصول درجات عالية في لعبة الشطرنج منذ بدايتها بصفتها رياضة معتمدة وعالميّة؟

وقد يثير التفكير في قضيّة إذا ما كان المسلسل فعلًا مشجّعًا للإناث ويقوّي عزيمتهنّ، بأنّ الأنثى قادرة على كسر السقف الزجاجيّ التاريخيّ للتنافس مع الذكور بقواهنّ الذاتيّة، أم أنّه في الواقع يقوّي فكرة عدم قدرتهنّ الطبيعيّة على التنافس...

أوّلًا، لنبدأ بمواصفات بطلة المسلسل لفهم الصورة المتخيّلة للأنثى، الّتي تستطيع مجابهة الرجال ومواجهتهم في لعبة التخطيط والتفكير، الشطرنج. إليزابيث هارمون طفلة أميركيّة بيضاء، ابنة لباحثة وأب ناجح جدًّا، تذكّر بالصورة النمطيّة للأميرة المحاربة ابنة الملوك الّتي دفعها الدهر والظروف إلى النزول إلى ساحة المعركة. هذه المشاهدة ترمز إلى أهمّيّة وجود بيئة جينيّة واجتماعيّة وتربويّة مثاليّة عند هذه الأنثى، الّتي تريد أن تنافس على المراتب الأولى بين الذكور. عامِل آخر مهمّ جدًّا في سيرورة تطوّر شخصيّة إليزابيث، تناولها السموم المخدّرة وإدمانها عليها، الّتي صُوِّرَت في المسلسل منشّطة ومفيدة للنجاعة في لعبة الشطرنج. ووجود هذا العامل قد يقدّم للمشاهد التفكير في إمكانيّة التفضيل المصحّح للإناث، ليصلن إلى ما يصله الذكور بدون أيّ مساعدة، وقد يثير التفكير في قضيّة إذا ما كان المسلسل فعلًا مشجّعًا للإناث ويقوّي عزيمتهنّ، بأنّ الأنثى قادرة على كسر السقف الزجاجيّ التاريخيّ للتنافس مع الذكور بقواهنّ الذاتيّة، أم أنّه في الواقع يقوّي فكرة عدم قدرتهنّ الطبيعيّة على التنافس، إلّا مع مساعدات و«إنقاد» خارجيّ.

 

السؤال المخيف

وهنا يُطْرَح سؤال مهمّ: هل فعلًا لا تستطيع النساء إجادة لعب الشطرنج كالذكور؟ حتّى الشطرنج! تلك اللعبة الّتي تستوجب قدرات تفكير، وتخطيطًا، وتمرّنًا ذهنيًّا، ولا علاقة لها بالقدرات الجسمانيّة الّتي دائمًا كانت الحجّة الأساسيّة، لعدم تنافس الإناث مع الذكور في جميع أنواع الرياضات التقليديّة. سؤال مخيف، تحديدًا بالنسبة إليّ، إنسانًا لا يحبّ الفلسفات السياسيّة اليمينيّة المتطرّفة، القائلة إنّ ثمّة فضلًا لعِرق على آخر، أو فضلًا لجنس على آخر.

لذلك، فلنعُد إلى سرد تاريخيّ للبطولات في لعبة الشطرنج. منذ سنة 1866 تُقام بطولات الشطرنج سنويًّا، وبشكل منظَّم ومُمَأْسَس على قوانين ومن قِبَل أجسام عالميّة. معطًى مفاجئ أنّ كلّ أبطال العالم السابقين والحاليّين رجال – الغالبيّة الساحقة منهم بيض من روسيا (الاتّحاد السوفييتيّ سابقًا) أساسًا، وأوروبّا، والولايات المتّحدة - في حين أنّ البطل الحاليّ، ماجنوس كارلسين، نرويجيّ.

مع الأخذ بعين الاعتبار شيوع اللعبة في كلّ زوايا العالم، وأنّ نصف المجتمعات هنّ إناث، فمن المتوقّع، مع افتراض أنْ لا فرق بين القدرات الذهنيّة بين الجنسين، أن يكون على الأقلّ بطلة عالم واحدة من بين عشرات الأبطال السابقين...

مع الأخذ بعين الاعتبار شيوع اللعبة في كلّ زوايا العالم، وأنّ نصف المجتمعات هنّ إناث، فمن المتوقّع، مع افتراض أنْ لا فرق بين القدرات الذهنيّة بين الجنسين، أن يكون على الأقلّ بطلة عالم واحدة من بين عشرات الأبطال السابقين. لكن ليس هذه هي الحال. خلال آخر عقدين برزت لاعبات شطرنج واعدات مثل الأخوات بولغار البلغاريّات، ومثل ييفان الصينيّة، لكنّهنّ لم يصلن عرش البطولة العالميّة.

 

العباقرة يُصْنَعون...

«العباقرة يُصْنَعون، لا يُولدون»، يقول لازلو بولغار، الأب للأخوات بوغار لاعبات الشطرنج البلغاريّات. واللاعبة الأكثر إنجازًا من بين هذه الأخوات جوديث بولغار، الّتي يُقال إنّها أعظم لاعبة شطرنج أنثى عرفها التاريخ. فلسفة عائلة بولغار في التربية للبنات فلسفة تستحقّ التأمّل. دفع الأب لازلو بناته إلى تعلّم الشطرنج والتنافس مع الذكور بأعلى المستويات، على الرغم من أصوات كثيرة معارِضة له في «اتّحاد الشطرنج البلغاريّ»، كانت تدّعي أنّ لازلو «يُحْرِم» بناته من طفولة طبيعيّة ومقبولة.

ربّما هنا مربط الفرس، أنّه إضافة إلى وجود العامل الجينيّ للذكاء، المتوفّر عند الجنسين، ثمّة العامل التربويّ المتعلّق بمدى دفع الوالدين، والبيئة، إلى استنفاد قدرات الأطفال، ووصولهم أقصى حدّ من العمل والكدّ. هذه الدافعيّة تتحقّق عادةً في الأصل في منظومة التنافس، والتنافس مصطلح يشير إلى فحص مَنْ يملك المعادلة الأنجع والأقوى في المجال المحدّد. هنا، بهذه النقطة تحديدًا، أي في التأمّل بفلسفة عائلة بولغار الرافضة للتفضيلات المصحّحة، والدافعة للبنات إلى التنافس الحقيقيّ، قد يكمن تفسير ممكن لظاهرة تفوّق الذكور في لعبة الشطرنج، أو تفوّقهم في أيّ هرميّة تنافسيّة أخرى، وهو التفسير القائل إنّ الأهل التقليديّين في كلّ المجتمعات لا يدفعون بناتهم إلى التنافس من جيل صغير، ولا يكرّسون الطاقات العاطفيّة لتثمين هذه الإنجازات.

يقول بيلاليك ورفاقه إنّ السبب الحقيقيّ لهذا الفرق يأتي من عالَم الإحصاء: نسبة اللاعبين الذكور أكبر 16 مرّة من الإناث؛ ففي عام 2019 وصلت نسبة اللاعبات الإناث لأوّل مرّة 14.6% من مجمل اللاعبين...

مُعطًى آخر يستحقّ الوقوف، أنّه رغم وجود مناليّة عالية للعبة الشطرنج في جميع طبقات المجتمع وأنواعها، ثمّة أقلّ من 1% من مجمل الأساتذة الكبار (Grandmasters) هنّ إناث.

هل يستطيع عامل التربية المذكور أعلاه أن يفسّر هذا الفرق الكبير جدًّا بين الجنسين؟ طَرَح هذا السؤال العديد من الباحثين، ومنذ فترة وجيزة اقترح باحث اسمه بيلاليك من «جامعة مانشستر» تفسيرًا جديدًا للظاهرة. يقول بيلاليك ورفاقه إنّ السبب الحقيقيّ لهذا الفرق يأتي من عالَم الإحصاء: نسبة اللاعبين الذكور أكبر 16 مرّة من الإناث؛ ففي عام 2019 وصلت نسبة اللاعبات الإناث لأوّل مرّة 14.6% من مجمل اللاعبين. هذا الشحّ في اللاعبات الإناث في حدّ ذاته يفسّر ندرة البطلات منهنّ؛ فمن أجل الحصول على بطل واحد - وهو أمر نادر - نحتاج إلى عشرات الآلاف من اللاعبين. ومن هنا، حين لا تتوجّه النساء إلى لعبة الشطرنج، ولا تجذبهنّ بقدر ما تجذب الرجال، فمن الصعب جدًّا إيجاد تلك الأنثى صاحبة المعطيات المثاليّة، الّتي اجتمعت بها وبحياتها كلّ الظروف اللازمة لوصولها عرش الشطرنج العالميّ.

 

لماذا لا تنجذب الإناث؟

قد يُطْرَح سؤال آخر مثير، إن كانت هذه هي الحال، فلماذا لا تنجذب الإناث إلى لعبة الشطرنج مثل الذكور؟

لهذا السؤال تفرّعات كثيرة... هل من أمرٍ ما غريزيّ يجعل الإناث أقلّ تنافسيّة من الذكور؟ أم أنّ الظروف الاجتماعيّة والثقافيّة تجعلهنّ كذلك؟ هل ثمّة مفهوم آخر للتنافس خارج الهرميّات التقليديّة، مثل النجاح في العمل أو في جني المدخول المادّيّ أو القوّة الجسديّة؟

قد يكون هذا التقسيم الجندريّ هو التقسيم الطبيعيّ والأكثر ملاءمة لبنيتنا البشريّة، وقد يكون العكس تمامًا. سنعرف الإجابة عن هذه الأسئلة حين ندرس تجربة بعض الدول الأكثر مساواة بين الجنسين بعد عشرات السنين أو حتّى المئات...

أعتقد أنّنا لا نستطيع الحسم في هذه المرحلة من التاريخ؛ لأنّنا ما زلنا داخل ذات البنية الاجتماعيّة الّتي تتوقّع من الإناث تفضيل الحياة العائليّة على حياة العمل، وأقول هذا بدون أيّ حكم إيجابيّ أو سلبيّ. قد يكون هذا التقسيم الجندريّ هو التقسيم الطبيعيّ والأكثر ملاءمة لبنيتنا البشريّة، وقد يكون العكس تمامًا. سنعرف الإجابة عن هذه الأسئلة حين ندرس تجربة بعض الدول الأكثر مساواة بين الجنسين (مثل الدول الإسكندنافيّة)، بعد عشرات السنين أو حتّى المئات.

هذا التناقض بين التنافس وحياة العائلة، يمكن أن يظهر حتّى في الحديث مع جوديث بولغار المذكورة أعلاه، الّتي قد تكون أفضل لاعبة شطرنج أنثى في التاريخ؛ فهي تقول في مقابلة عام 2012 في صحيفة «التيليغراف» البريطانيّة: "الاحترافيّة في الشطرنج أمر متناقض مع الحياة العائليّة؛ لأنّني قد أكون في السفر إلى مباريات في أحيان متقاربة، أحيانًا لـ 12 ساعة في اليوم. أسمع أخبار جوستاف (زوجها) في كلّ يوم على السكايب والبريد الإلكترونيّ، ورغم أنّني أشتاق إليهم كثيرًا، لا أتّصل بأطفالي كلّ ليلة".

 

 

جاد قعدان

 

 

باحث ومدرّب وناشط. متخصّص في علوم الدماغ (بيولوجيا وعلم نفس)، وعلم النفس الإدراكيّ اللسانيّ. يدرس حاليًّا ضمن برنامج الدكتوراه في الدراسات الإدراكيّة اللسانيّة، في "جامعة تل أبيب". معلّم بسيخومتري منذ 2007، ومدرّب للدبكة التراثيّة الفلسطينيّة.

 

 

تعليقات Facebook