فرناندو سولانس... أبو السينما الثالثة

فرناندو سولانس عام 1968

 

عام 1976 أعلنت «مؤسّسة السينما الفلسطينيّة» عن «جائزة هاني جواهريّة السينمائيّة للأفلام الثوريّة»، سُمّيت هذه الجائزة تيمّنًا بالمخرج الفلسطينيّ الراحل هاني جواهريّة، الّذي قُتل في لبنان عام 1976 في أثناء تصوير إحدى جبهات الحرب هناك. في عام 1978 كان العالم الفنّان الأرجنتينيّ فرناندو سولانس، المعروف أيضًا باسم بينو سولانس، ثاني مَنْ حاز على هذه الجائزة عن فيلم «أبناء الحديد - Los Hijos de Fierro» (1972)، وقد سُلِّمت هذه الجائزة لزوجة سولانس في أثناء «مهرجان قرطاج الدوليّ».

في السادس من الشهر الماضي، تشرين الثاني (نوفمبر) 2020، ودّع العالم سولانس عن عمر يناهز 84، وذلك نتيجة لإصابته بفايروس كورونا (Covid-19)، وقد ترك وراءه إرثًا ثقافيًّا وسينمائيًّا غنيًّا للأرجنتين ولأمريكا اللاتينيّة وللعالم أجمع.

سَيُعْرَف سولانس دائمًا بسبب مسيرة من النشاط السياسيّ والأعمال السينمائيّة ذات النقد اللاذع للسلطة والدكتاتوريّة وللاستعمار. أمّا أفلامه، فقد أعادت كتابة دور السينما الثقافيّ في ثورات التحرّر من الدكتاتوريّة والاستعمار...

سَيُعْرَف سولانس دائمًا بسبب مسيرة من النشاط السياسيّ والأعمال السينمائيّة ذات النقد اللاذع للسلطة والدكتاتوريّة وللاستعمار. أمّا أفلامه، فقد أعادت كتابة دور السينما الثقافيّ في ثورات التحرّر من الدكتاتوريّة والاستعمار، الّتي لا تزال تُعْرَض في أمريكا اللاتينيّة والعالم أجمع إلى اليوم.

 

«ساعة الأفران»

بدأ سولانس نشاطه السينمائيّ عام 1962، عندما أخرج أوّل أفلامه «الاستمرار بالسير - Seguir andando»، إلّا أنّ دور سولانس الثقافيّ المركزيّ في كتابة السينما اللاتينيّة وتشكيلها بدأ عام 1966، وذلك بعد أن أطاح الانقلاب العسكريّ المدعوم من قِبَل الولايات المتّحدة بنظام الحكم الديمقراطيّ الأرجنتينيّ، الّذي كان يحكم البلاد آنذاك. كانت النتيجة الاستبدال بالديمقراطيّة الأرجنتينيّة واحدة من أكثر الأنظمة الدكتاتوريّة إجرامًا في التاريخ الحديث.

ما إن قام هذا الانقلاب حتّى بدأ سولانس بالعمل مع أوكتافيو جيتينو على فيلم «ساعة الأفران - La hora de los hornos» (1968). مدّة هذا الفيلم أربع ساعات و20 دقيقة، من خلاله أدان سولانس وجيتينو الاستعمار الجديد (Neocolonialism) الّذي كان - ولا يزال - مفروضًا على معظم دول القارّة اللاتينيّة. ووثّق هذا الفيلم أيضًا الكفاح العمّاليّ والمقاومة الّتي خُلِقَت لأجل مواجهة حركة الاستعمار هذه في الأرجنتين.

 

 

خطّ هذا الفيلم نموذجًا ثقافيًّا للسينما الناشطة سياسيًّا، الّتي تسخّر في سبيل الثورة وإحداث التغيّر السياسيّ. ويُعتبر هذا الفيلم حجر الأساس في تعريف الحركة، الّتي ستُعرف لاحقًا باسم «السينما الثالثة» الّتي أسهمت بشكل كبير في تشكيل الدور الثقافيّ والسياسيّ لسينما الثورة الفلسطينيّة، من عام  1967 إلى عام 1982.

جرى العمل على تصوير فيلم «ساعة الأفران» بشكل سرّيّ، لتُهَرَّب بعد ذلك موادّه من بوينس أيرس إلى روما من أجل إعدادها. مُنِعَ الفيلم من العرض حتّى عام 1973، حين عُرِضَ لأوّل مرّة في الأرجنتين بعد عودة اليسار السياسيّ إلى الحكم بقيادة جون بيرون.

بعد أربعة أشهر من الربيع الثوريّ، وفي عام 1974، دعمت الولايات المتّحدة انقلابًا عسكريًّا آخر في الأرجنتين للإطاحة بنظام الحكم الأرجنتينيّ مرّة أخرى. ما إن عادت الدكتاتوريّة إلى حكم الأرجنتين حتّى بدأت حملة أسمتها بـ «الحرب القذرة» الّتي قامت من خلالها القوّات العسكريّة والأمنيّة، وفرق الموت اليمينيّة بمطاردة أيّ معارض سياسيّ، وأيّ شخص يعتقد أنّه ارتبط بالاشتراكيّة أو اليساريّة البيرونيّة أو حركة «مونتونيروس». تسبّبت هذه الحملة في اختفاء ما يقارب 30000 شخص لا تزال مصائرهم مجهولة حتّى يومنا هذا. يشمل هذا عددًا كبيرًا من الفنّانين الأرجنتينيّين الّذين ارتبطت أسماؤهم باليسار السياسيّ، وخاصّة اليسار البيرونيّ مثل رايموندو غلايزر. شمل هذا أيضًا اختفاء معظم أولئك الّذين ظهروا أو عملوا مع سولانس على فيلم «ساعة الأفران» وقتلهم.

كانت أفلام سولانس وكتاباته ملهمة لصانعي الأفلام الثوريّين، الّذين عملوا في جنوب أفريقيا وأنغولا والموزمبيق والجزائر وفيتنام وفنزويلا وتشيلي وغيرها، وكانت ملهمة لكلّ العاملين بالسينما والمخرجين الفلسطينيّين والعرب...

أمّا سولانس، فقد عاش في منفًى قسريّ في فرنسا لسنين عديدة قبل عودته إلى الأرجنتين عام 1986، ليخدم في «مجلس الشيوخ» الأرجنتينيّ حتّى وفاته. أمّا اليوم فيُعتبر فيلم «ساعة الأفران» من الكلاسيكيّات السينما، ويشكّل بداية لظهور الأفلام الوثائقيّة بشكل عامّ، و«أفلام النضال» (Militant Cinema) بشكل خاصّ.

 

السينما الثالثة

إضافة إلى أفلامه، أسهمت كتابات سولانس في تغيّر مسار الدراسات السينمائيّة في سياق ما يُعْرَف بـ «العالم الثالث»، خاصّة بعد أن نشر مقالته الشهيرة «نحو السينما الثالثة» عام 1969، وتحدّث فيها عن اللحظة الثقافيّة والتاريخيّة العالميّة، الّتي أعقبت الثورة الكوبيّة وحرب فيتنام، وظهور حركات التحرّر العالميّة في آسيا وأفريقيا ودول أمريكا اللاتينيّة.

جادل سولانس في مقالته بأنّ قبل هذه الثورات اكتسبت العلوم والفنون مستويين من المعنى: واحد يتماشى مع القوّة أو الطبقة الحاكمة، وآخر يتماشى مع الجماهير أو الأمّة. يدرك سولانس أنّ الاستعمار بعد الطبقيّ يجعل من الثقافة قضيّة اجتماعيّة طبقيّة، حيث تقوم القوّة الاستعماريّة بوضع مفاهيم الثقافة والجماليّات بما يتناسب مع مفاهيمها للحفاظ على سلطويّتها ومشروعها الاستعماريّ.

أمّا بعد أن قدّمت الثورة الكوبيّة نموذجها السينمائيّ الّذي سُخِّرَ من أجل تحقيق العدالة الاجتماعيّة، أصبحت الثورة المفتاح للتغلّب على الثنائيّة الثقافيّة من أجل تحقيق مفهوم ثقافيّ واحد يتماشى مع الجماهير والأمّة؛ فالثورة إذن هي التجلّي الأكبر للثقافة والسينما، هي أهمّ المظاهر الثقافيّة للثورة وأكبرها في عصرنا هذا. السينما الثالثة هي السينما الّتي ارتبط وجودها بهذه الثورات، وتشكّل إمكانيّة مهمّة في إعادة بناء شخصيّة الشعوب بعد تحرّرها، في سبيل إنهاء مظاهر الاستعمار الثقافيّة أو الاستعمار الثقافيّ في بلادها.

 

 

 

كانت أفلام سولانس وكتاباته ملهمة لصانعي الأفلام الثوريّين، الّذين عملوا في جنوب أفريقيا وأنغولا والموزمبيق والجزائر وفيتنام وفنزويلا وتشيلي وغيرها، وكانت ملهمة لكلّ العاملين بالسينما والمخرجين الفلسطينيّين والعرب، الّذين ارتبطت أسماؤهم وأعمالهم بسينما الثورة الفلسطينيّة في الأردنّ وفي لبنان.

بعد نشر مقال «نحو السينما الثالثة»، أصبح سولانس يُلَقَّب بـ «أبو السينما الثالثة»، هذا اللقب الّذي رافقه حتّى وفاته، حيث كان رحيل سولانس شبيهًا برحيل بطل فيلمه غارديل في فيلم «تانغو: رحيل غارديل» في باريس، بعيدًا عن وطنه وعمّن أحبّ.

 

 

لبنى طه

 

 

طالبة وباحثة في مجال الدراسات الثقافيّة في "جامعة كوينز" في كندا، حيث يتنوّع عملها البحثيّ بين الدراسات السينمائيّة الفلسطينيّة ودراسات تعليم الموسيقى. تعمل حاليًّا على دراسة أرشيفيّة في موضوع صناعة الأفلام، وسيلةً للتضامن بين فنّاني العالم الثالث والثورة الفلسطينيّة في سبعينات القرن الماضي.

 

 

تعليقات Facebook