بحثًا عن يسرا... الكرمليّة الّتي اكتشفت أنثى «النياندرتال»

دوروثي جارود ويسرا عام 1934

 

"فلسطين ليست مكانًا لأناس في عجلة من أمرهم"، وردت هذه الجملة في يوميّات دوروثي جارود، عالمة الآثار البريطانيّة، الّتي عملت في مغائر جبل الكرمل، في عمليّات التنقيب عن إنسان العصر الحجريّ. في أرشيفها الّذي كان مفقودًا لأكثر من خمسة وعشرين عامًا، وثّقت جارود أسماء العاملين معها من أبناء قرى جبل الكرمل الّتي تهجّرت في النكبة، جبع وإجزم وعين غزال. وقد أوردت هذه الوثائق واليوميّات الّتي عثرتُ عليها خلال عملي في فيلم وثائقيّ، قصصهم وصورهم خلال العمل في التنقيب على مدار ستّة أعوام. "لقد ضاق بنا الأمر من هذا العجوز المجنون"، جملة أخرى تصف يوميّات رجل من قرية جبع، كان يتردّد على موقع الحفريّات.

 

مُنَقِّبات

وصلت جارود إلى فلسطين لأوّل مرّة عام 1928، للتنقيب في «مغارة شقبا»، شمال غرب رام الله، وبعد سنتين من العمل وضعت يدها على دلائل بداية الزراعة والاستقرار، وتشكّل التجمّعات السكنيّة الأولى للإنسان الأوّل، وأطلقت عليها اسم «الحضارة النطوفيّة»، نسبة إلى وادي الناطوف الممتدّ أسفل المغارة، وبذلك أصبح «العصر النطوفيّ» اسمًا مؤسِّسًا في علم الآثار. ولعلّ أكثر ما يلفت الانتباه بما قامت به دوروثي جارود خلال عملها في «مغارة شقبا»، استعانتها بنساء قرية شقبا المجاورة في أعمال الغربلة والتصنيف.

 

دوروثي جارود خلال عملها في جبل الكرمل

 

كانت وجهة جارود الجديدة مغائر جبل الكرمل، وهي مغائر عدّة تطلّ على البحر المتوسّط، كانت مسكنًا لتجمّعات سكنيّة في العصر الحجريّ الوسيط، وكما في شقبا، فقد اعتمدت على سكّان القرى المحيطة، فأعمال الحفر للرجال، وأعمال التنقيب والغربلة والتصنيف للنساء. كان فريقها مكوّنًا من أكثر من 50 عاملًا، شكّلت النساء النسبة الكبرى منهم.

 

«النياندرتال» الفلسطينيّ

حين بدأتُ البحث عن حملة التنقيب الّتي قامت بها دوروثي جارود في جبل الكرمل، وجدتُ صورة تجمعها بإحدى العاملات الفلسطينيّات في فريقها: "دوروثي جارود ويسرا من قرية إجزم"، وتعود الصورة إلى عام 1934، صورة واحدة كانت كفيلة بدفعي إلى البحث عن أرشيف جارود. ومع مرور الوقت، بدأت فكرة صناعة الفيلم الّذي سيوثّق هذه المرحلة تتشكّل لديّ، خاصّة حين تبيّن أنّ يسرا كانت ذات أثر كبير في عمل دوروثي جارود باكتشاف مهمّ قامت به، إضافة إلى ترؤّسها فريق العمل الفلسطينيّ.

غادرت دوروثي جارود فلسطين عام 1936، لتتولّى رئاسة قسم «علم الآثار» في «جامعة نيوهام»، أوّل امرأة ترأس قسمًا أكاديميًّا في جامعة بريطانيّة. أمّا يسرا فقد بقيت في قريتها حتّى نكبة عام 1948، تهجّرت قريتها وباقي قرى جبل الكرمل، واختفت آثارها، ونكاد لا نجد لها ذكرًا. ولاستعادة قصّتها لا بدّ من معرفة اسمها الكامل وتتبّع مسارها وسيرة حياتها بعد النكبة. لم تذكر المصادر المهنيّة المنتشرة على الإنترنت إلّا اسمها الأوّل، وأنّها صاحبة الاكتشاف الأهمّ خلال فترة عمل دوروثي جارود في فلسطين.

غادرت دوروثي جارود فلسطين عام 1936، لتتولّى رئاسة قسم «علم الآثار» في «جامعة نيوهام»، أوّل امرأة ترأس قسمًا أكاديميًّا في جامعة بريطانيّة. أمّا يسرا فقد بقيت في قريتها حتّى نكبة عام 1948...

انضمّت يسرا إلى فريق جارود عام 1930، وبمرور الوقت تميّزت في البحث والتنقيب إلى أن وجدت هيكلًا عظميًّا متحجّرًا لأنثى إنسان «النياندرتال»، نوع بشريّ عاش جنبًا إلى جنب معنا «الهوموسابينس» حتّى انقراضه قبل 30 ألف سنة، كان هذا الاكتشاف على درجة من الأهمّيّة؛ إذ غيّر النظريّات السائدة حول إنسان «النياندرتال»، الّتي حصرتْ نشأته ووجوده في أوروبّا فقط، لكن هذا الاكتشاف أكّد خروجه من أفريقيا قبل خروج «الهوموسابينس»، وأثبت اكتشاف يسرا أنّ إنسان «النياندرتال» عاش في فلسطين، الّتي كانت جسر البشريّة إلى بقيّة العالم، وهو ذات المسار الّذي سلكه «الهوموسابينس» فيما بعد.

 

الأرشيف

تشكّلت لديّ ملامح وخطوط الفيلم الأولى، وبات عليّ أن أبحث عن الأرشيف الّذي خلّفته دوروثي جارود بعد وفاتها في فرنسا عام 1968؛ إذ كانت تعيش مع صديقتها ولم تتزوّج قطّ. حين بدأتُ البحث عن أرشيفها كانت الشائعات تقول إنّها أحرقته كاملًا، لكنّ باحثة كنديّة وجدته خلال عملها على تحضير رسالة الدكتوراة حول التنقيبات الأثريّة عن العصر الحجريّ في فلسطين.

أخبرتني الباحثة بأنّ الأرشيف موجود في فرنسا، هناك فتح الأرشيف أمامي الفرصة؛ لاكتشاف تفاصيل تلك المرحلة من تاريخ قرى جبل الكرمل ومكانتها الأثريّة، من خلال الوثائق ومجلّدات التدوين لنتائج الحفريّات، إضافة إلى الصور وبكرات التصوير السينمائيّ والرسومات واليوميّات. في جزء من الأرشيف تدوين مشوّق إلى أجواء العلاقات الّتي سادت بين الفريق البريطانيّ والعمّال الفلسطينيّين، فقد احتوى أحد دفاتر اليوميّات على الكثير من هذه التفاصيل، الّذي خُصِّص لهذا الغرض، فلغة الكاتب تحمل أساليب كتابة مختلفة، ويبدو أنّ غير شخص من فريق دوروثي جارود سجّل أحداثًا يوميّة بصيغة مذكّرات.

 

نساء فلسطينيّات عاملات في فريق جارود

 

من الشخصيّات الّتي تظهر في اليوميّات «Old Majnoun»، أي العجوز المجنون، ويأتي ذكره على أنّه رجل من قرية جبع، كان يأتي إلى موقع التنقيب ليحكي قصصًا طويلة، ثمّ جاء في يوم ما يطلب مقابلة طبيب، على أمل مساعدته في تطبيب ساقه، في أيّار (مايو) 1934. تطوّعت إليانور من فريق جارود البريطانيّ، بنقله إلى المستشفى الحكوميّ في حيفا، لكنّها لم تتمكّن من الدخول بسبب وباء التيفوئيد، فاصطحبته لرؤية طبيب يهوديّ في عتليت، وبعد فحصه تبيّن أنّه يعاني من الغرغرينا ويحتاج إلى جراحة. في الأيّام اللاحقة استدعت جارود الطبيب من عتليت لتلقيح فريقها وأفراد القرى المجاورة ضدّ وباء التيفوئيد.

 

قصّة مبتورة

في الوثائق أيضًا رسالة كتبها معلّم من قرية جبع إلى دوروثي جارود، يطلب فيها توظيف يسرا في فريقها، فهل هي ذاتها يسرا الّتي يبحث عنها الفيلم؟ تلك المرأة الفلسطينيّة من قرية إجزم في جبل الكرمل، الّتي عملت إلى جانب جارود في أهمّ عمليّة تنقيب جرت في فلسطين، دون أن تعلم أنّها تدخل التاريخ.

العثور على الأرشيف ألقى الضوء على مساهمة يسرا البالغة الأهمّيّة، ولولا الصورة الّتي جمعتها مع دوروثي جارود ما عادت إلى الحياة، وما عرفنا أنّها حقّقت إنجازًا كبيرًا في تاريخ علم الآثار! ربّما التقطت هذه الصورة في يوم الاستراحة من العمل في التنقيب، أو ربّما يكون هذا هو اليوم الّذي حقّقت فيه اكتشافها في «مغارة الطابون».

توطّدت الصداقة بين يسرا ودوروثي جارود، وكما تروي إحدى صديقات جارود الّتي أتت لزيارتها في موقع التنقيب: "لقد كانت جارود جادّة حين اقترحت على يسرا الالتحاق بـ ‘جامعة كامبردج‘، والدراسة في قسم الآثار بعد الخبرة الكبيرة الّتي اكتسبتها".

مع الوقت، توطّدت الصداقة بين يسرا ودوروثي جارود، وكما تروي إحدى صديقات جارود الّتي أتت لزيارتها في موقع التنقيب: "لقد كانت جارود جادّة حين اقترحت على يسرا الالتحاق بـ ‘جامعة كامبردج‘، والدراسة في قسم الآثار بعد الخبرة الكبيرة الّتي اكتسبتها". لا نعرف ماذا كان ردّ يسرا! هل وافقت؟ لكنّنا نعرف جيّدًا أنّها هُجِّرت من قريتها إثر النكبة، وتركت لنا قصّة غير مكتملة.

 

سوزانا

اختارت جارود النساء الفلسطينيّات في فريقها عن سابق قصد، وكانت علاقتها بهنّ متينة، ورغم ما يشوب كتابة اليوميّات من لهجة استعلائيّة، إلّا أنّنا نلاحظ مجموعة من الأحداث اليوميّة المثيرة، فقد كانت دوروثي جارود تملك سيّارة «كاديلاك»، أطلقت عليها اسم «سوزانا». كانت سوزانا غالبًا ما تتعطّل، وكانت تأخذها باستمرار إلى الكراج في حيفا للصيانة، كانت سوزانا عنصرًا محوريًّا في العلاقة بين فريق جارود وسكّان القرى المجاورة؛ ففي إحدى المرّات نُقِلَت بها امرأة فلسطينيّة تلد ولادة عسيرة إلى المستشفى، وفي حالة أخرى سقطت إحدى النساء وجُرِحَت رِجلها، فأقلّتْها دوروثي ومرافقتها إليانور لعيادة الدكتور هوفمان في «المستشفى الألمانيّ» في حيفا، حيث خُيِّطَتْ خمس غُرَز.

في 26 حزيران (يونيو) 1934 كُتِبَ في اليوميّات: "دهست سوزانا رجلًا فلسطينيًّا أعمى فكسرت ساقه. بعد خمس دقائق من مجيدو، تعرّضنا لحادث سير مع رجل اكتشفنا بعد ذلك أنّه أعمى، فنُقل إلى المستشفى"، وفي تمّوز (يوليو) 1934 ورد في اليوميّات: "بعد أسبوعين من الحادث، ذهبت دوروثي جارود وإليانور للإدلاء بأقوالهما في مركز شرطة عتليت، وأُهْدِرَ معظم الصباح في الإدلاء بتصريح حول حادث الرجل الأعمى. فلسطين ليست مكانًا لأناس في عجلة من أمرهم".

 

موقع التنقيب في جبل الكرمل

 

لغة استشراقيّة

الشخصيّات اليهوديّة ليست غائبة عن وثائق أرشيف دوروثي جارود، فتظهر من خلال المراسلات والزيارات وأسماء الموظّفين في حكومة الانتداب. تزخر اليوميّات بالتفاصيل الّتي تعطينا فكرة عن أجواء تلك السنوات، وتزخر باللغة الاستشراقيّة في مواضع عدّة، مثل وصف أطفال العرب مقابل الأطفال اليهود، أو عند الحديث عن موت أرنب جرى تبنّيه مقابل موت عاملة من قرية جبع.

غالبًا ما دُعِيت مجموعة دوروثي جارود البريطانيّة للمشاركة في العديد من المناسبات الاجتماعيّة، بما في ذلك الرقصات الّتي كان يقيمها المندوب الساميّ في حيفا، والاجتماعات وسباقات الخيول، ففي 24 حزيران (يونيو) 1934، دُعي الفريق إلى سباقات الخيل في عكّا، لمناسبة عيد المولد النبويّ الّذي يحتفل به الفلسطينيّون، وكانوا يُدْعون إلى تناول العشاء في منازل شخصيّات بارزة، بما في ذلك المندوب الساميّ آرثر جرينفيل واشوب.

فتح الأرشيف أمامي الفرصة؛ لاكتشاف تفاصيل تلك المرحلة من تاريخ قرى جبل الكرمل ومكانتها الأثريّة، من خلال الوثائق ومجلّدات التدوين لنتائج الحفريّات، إضافة إلى الصور وبكرات التصوير السينمائيّ والرسومات واليوميّات...

 

صورة لشخصيّات مهمّشة

لا يزال العمل على الفيلم جاريًا، جنبًا إلى جنب مع عمليّة البحث المستمرّ عن يسرا، الّتي ربّما لم نكن لنعرف عن وجودها، لولا عثور الباحثة على تلك الصورة ضمن مئات الصور في صندوق منسيّ في زاوية من زوايا مكتبة فرنسيّة. وعلى الرغم من أنّ عدم اكتشاف ملامح يسرا بشكل كامل بعد، فإنّ هذه الفترة من تاريخ قرى جبل الكرمل المهجَّرة، جديرة بأخذ مساحة مهمّة عبر تقديم قصص تلك الفترة، الّتي ساد فيها الترقّب في ظلّ ازدياد الهجرات اليهوديّة.

يسعى الفيلم، وهو الآن في مراحل عمل متقدّمة، إلى رصد هذه القصّة بما توفّر، وقد يتوفّر من موادّ أرشيفيّة مسلّطًا الضوء على عمل مجموعة من القرويّين الفلسطينيّين في فريق بحثيّ بريطانيّ برعاية سلطة الانتداب، ورغم قلّة القصص الّتي احتفظ بها الأرشيف، إلّا أنّها تُعَدّ كافية لإعطائنا صورة عن تلك الفترة، صورة لشخصيّات مهمّشة لكنّها مثيرة.

 

دوروثي جارود تصلح سيّارتها «سوزانا»

 

 

تُنْشَر هذه المادّة ضمن ملفّ «الساحل الفلسطينيّ»، بالتعاون بين جمعيّة الثقافة العربيّة وفُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة ورمّان الثقافيّة، في إطار «مهرجان المدينة للثقافة والفنون» 2020.

 

 

 

سليم أبو جبل

 

 

مصوّر ومخرج ومؤلّف سوريّ، جولانيّ المولد والنشأة. درس المسرح والأدب العربيّ في «جامعة حيفا». عمل في العديد من الأفلام السينمائيّة الدوليّة والفلسطينيّة، في اختصاصات متعدّدة، كما أنتج برامج تلفزيونيّة، وأخرج أفلامًا وثائقية لصالح قنوات تلفزيونيّة. من أفلامه مخرجًا «لغة اللوز» (2011)، و«مفكّرة الرحيل» (2012)، و«روشميا» 2014)).

 

 

تعليقات Facebook