"Cuties"... الطيران داخل قفص من حديد

مشهد من فيلم «Cuties»

 

فيلم «Cuties» الحائز على جائزة «Sundance 2020» للمخرجة السنغاليّة ميمونة دوكوري، أثار جدلًا كبيرًا بين النقّاد، بل امتدّ هذا الجدل بين الجماهير، وصولًا إلى حملات تطالب بمنع عرضه على شبكة «نتفليكس». الفيلم يحكي اختلال المفاهيم والصراع، بين قناعة الماضي والتغيّر الطارئ على حياة الجماعات في العالم.

يبدأ الفيلم بحدث بريء، رسم الوجوه الّذي تتقنه إيمي، ومن ثَمّ جولة للكاميرا داخل المنزل المتناهي في البساطة، حيث تعيش الطفلة مع أمّها وأخ أصغر منها، في غياب تامّ للأب...

تدور الأحداث حول الطفلة إيمي (فتحيّة يوسف)، البالغة من العمر 11 عامًا، الّتي تنشأ في بيت بسيط، بجدران متقشّرة الدهان، وأثاث قديم، لا تحصل فيه الطفلة على الغرفة الّتي تريد، أو تتمنّى.

يبدأ الفيلم بحدث بريء، رسم الوجوه الّذي تتقنه إيمي، ومن ثَمّ جولة للكاميرا داخل المنزل المتناهي في البساطة، حيث تعيش الطفلة مع أمّها وأخ أصغر منها، في غياب تامّ للأب، وكلّ ما يمكن معرفته عنه أخبار متتابعة حول زواجه من امرأة أخرى، ينوي لاحقًا تسكينها في غرفة في نفس المنزل.  تبدو إيمي بعقليّة الطفولة في كثير من أفعالها، لكن ثمّة ما ينمو داخلها من أفكار، وما يرافقه من تغيّرات في جسدها، ينقلها إلى أماكن تفكير مختلفة.

 

رقص

لحظة احتكاك إيمي بمجموعة من البنات الراقصات، اللواتي يَفُقْنَها في الأفكار نحو مرحلة المراهقة والإحساس بالجسد، أسهمت في تخليق إطارها الجديد، أو ربّما هدم كلّ الأطر القديمة. وحين تسرق إيمي المتمرّدة على واقعها الهاتف النقّال من ابن العمّة، فإنّها بذلك تذيب المسافة الفاصلة بينها والفتيات، فتقنعهنّ بأنّ لديها ما يميّزها وسطهنّ، وهكذا تصبح مصوّرة الفريق الخاصّة، تحفظ رقصاتهنّ في جهازها.

لكنّ هدف إيمي يكبر، وتمدّ يدها خارج قضبان القفص، وتتعلّم رقصتهنّ المصوّرة على النقّال المسروق، وبهذا تقنعهنّ بدخولها الفريق، رغم التنمّر الّذي كانت تتعرّض له من قِبَلهنّ.

 

كان للطفلة طموح كبير في تمثيل الفريق في مسابقة الرقص النهائيّة، وخلاله تخلط في لحظة عاطفيّة بين الرقص والبكاء والهرب. إنّها تنجح في تحقيق هدف صغير، لكنّها في أثناء الرقص تتذكّر مشكلة أمّها الكبرى؛ فالحفل الراقص يتزامن مع حفل آخر، هو زواج الأب من المرأة الثانية، في المقابل الزوجة الأولى تفكّر في الرحيل. 

الهاتف النقّال الّذي سرقته إيمي، كان بمنزلة ملجأ لها، لتَعْبُرَ إلى العالم الوهميّ الّذي تطمح إليه، نوعًا من التقليد الأعمى للفتيات الراقصات، تحاول من خلاله أن تبدي تحرّرًا مطلقًا بعرض صور مثيرة عبر مواقع التواصل. لكن هل من المنطقيّ أن يكون لديها شبكة إنترنت دائمة على النقّال، في ظلّ حالة الفقر الّتي تعيشها؟

 

وهْم

يمرّر الفيلم إشكاليّة أخرى، ألا وهي المسّ الشيطانيّ والجنون؛ فلا تزال هذه الأفكار حاضرة في واقع المجتمعات البسيطة. وقد تناول ذلك ميشيل فوكو في كتاب «تاريخ الجنون»، حيث حالات كثيرة في القرن الـ 18، اعتُبرت خلالها الفتيات المتمرّدات على السياق الاجتماعيّ، أنّهنّ مجنونات أو ممسوسات.

هذه الأفكار الّتي يعتبرها البعض من الإرث الاجتماعيّ المتهالك، تقف كحجر زاوية لوعي المجتمعات في كثير من مناطق العالم.

إيمي لم تكن ممسوسة، ولا مقترنة بشيطان، بل كانت تحلم بحياة حرّة، لكنّها سلكت طرقًا غير مستساغة اجتماعيًّا للوصول إلى ذلك.

 

صندوق واحد

يُعَدّ الفيلم من أفلام الصندوق الواحد، فأحداثه تدور حول شخصيّة إيمي، تتابعها الكاميرا أينما ذهبت. معدّات الفيلم الإخراجيّة وأدواته لا تكلّف فيها، بسيطة بساطة المكان الّذي جرى فيه التصوير. 

يُعَدّ الفيلم من أفلام الصندوق الواحد، فأحداثه تدور حول شخصيّة إيمي، تتابعها الكاميرا أينما ذهبت. معدّات الفيلم الإخراجيّة وأدواته لا تكلّف فيها، بسيطة بساطة المكان الّذي جرى فيه التصوير...

 

ثمّة تشويق في طريقة العرض متعلّق بالقضيّة، لكنّ اقتصار الحدث حول نفس الشخصيّة، يولّد بعض الملل خلال المشاهدة، حتّى أنّ الأب الّذي تروي شخصيّته قصّة أخرى داخل الفيلم، اقتصر هيكله الدراميّ على الضمير الغائب.

الفيلم بما يمتلكه من فكرة مربكة، يُعَدّ توثيقيًّا أكثر ممّا هو دراميّ؛ فهذه القصّة ليست من الخيال، بل هي حقيقة لشخصيّة ما في منطقة إفريقيّة بسيطة، تعاني الفتيات فيها أقسى الظروف. 

في الجانب المهاريّ للشخصيّات، نجحت الطفلة السنغاليّة فتحيّة يوسف، في تقديم دور إيمي اللافت، من خلال الحركات المتقَنة في التمثيل، وإيماءات من الواضح التدريب الشاقّ عليها، وكذلك الرقصات الجماعيّة الّتي خاضتها مع الفريق. أمّا بقيّة الشخصيّات فلم تكن بذات القدرة في التجسيد.

كاتبة الفيلم هي نفسها مخرجته، ميمونة دوكوري، تحمل في فيلمها الكثير من التخطّيات عن المألوف في تناول مشاكل الطفولة؛ إذ تتعرّض لمناطق - لا بالتلميح بل بكامل الوضوح - بأفكار جنسيّة في حياة أطفال في سنّ 11 عامًا.

إيمي وأمّها

 

حملات مناهضة

قد يكون الفيلم غير متقبَّل عند بعض الأهالي، وهو بالفعل أثار ضجّة كبيرة بعد عرضه على شبكة «نتفليكس»، وواجه مطالبات كبيرة من الناشطين على مواقع التواصل، إمّا بحذف الفيلم، وإمّا مقاطعة المنصّة بالكامل. 

دوكوري كانت تعي جيّدًا أنّ هذا العرض سيثير أزمات متعدّدة؛ فالأهل لا يتقبّلون في أيّ حال هذه الجرأة في معالجة مرحلة حسّاسة في حياة الأبناء، لكنّ المخرجة - بغضّ النظر عن أنّها أصابت أو أخطأت - قد طرحت إشكاليّة تحتاج إلى المزيد من الوعي في تداركها.

الفتيات والفتيان في هذه السنّ تحديدًا يمرّون بتحوّلات فسيولوجيّة، حتمًا في حاجة إلى محاورة الأهل حولها، خاصّة أنّ أدوات طفولة الأبناء حاليًّا، وما قبل مرحلة المراهقة، تسير في مرافقة انفتاحهم على مواقع التواصل الاجتماعيّ، والخلوة بالهاتف النقّال، بحيث يكون من التعقيد متابعة الأهل لذلك.

الفتيات والفتيان في هذه السنّ تحديدًا يمرّون بتحوّلات فسيولوجيّة، حتمًا في حاجة إلى محاورة الأهل حولها، خاصّة أنّ أدوات طفولة الأبناء حاليًّا، وما قبل مرحلة المراهقة، تسير في مرافقة انفتاحهم على مواقع التواصل الاجتماعيّ...

الإعلان الّذي عرضته «نتفليكس» قبل انطلاق الفيلم على الشبكة العالميّة، كان يعرض الفتيات - بمن فيهنّ إيمي - وهنّ يمسكن بملابس داخليّة أنثويّة، اعتبرها البعض تلميحات جنسيّة. وأدّى شنّ متابعين وناشطين على مواقع التواصل الاجتماعيّ حملة ضدّ الإعلان إلى حذفه، واعتذار الشركة عن ذلك، لكنّ «نتفليكس» تصرّ على استمرار عرض الفيلم، رغم الحملة الكبيرة للمطالبة بحذفه.

في عصر تخترق التكنولوجيا كلّ لحظة فيه، من المؤكّد أنّ معايير التربية فيه ستختلف؛ فالكثير من أفكار الطفل صار من هذه المنصّات، وهو بالتأكيد سيكون له الأثر الكبير في وعيه لذاته وقت البلوغ، واكتشاف العالم الخارجيّ.

على الأهل أيضًا معرفة ذلك جيّدًا، والبحث عن آليّات جديدة في الحوار، بداية من هذه المرحلة.

 

 

حسام معروف

 

 

 

شاعر ومحرّر. حاصل على جائزة متحف محمود درويش عن قصيدة النثر (2015)، وجائزة مؤسّسة بدور التركي للتنمية الثقافيّة (2015) والتي صدرت في إطارها مجموعته الشعريّة، 'للموت رائحة الزجاج".
 

 

تعليقات Facebook