حين خطف إلياس مريم العذراء

الطفل إلياس

 

في الوقت الّذي يُحْيي فيه المؤمنون بيسوع صلبه فداءً للإنسان، ويعيشون مع هذه القناعة محاولين تقديم القرابين والصلوات، علّها تخفّف من عذاب البشر، حيث تعلو ترانيم تمجّد الأمّ الحزينة الّتي كان موت ابنها حياة لطالبيها، يظهر إلياس الّذي لا يتجاوز عمره 7 سنوات مشكّكًا في كلّ ذلك، ويغامر محوّلًا تمثال الأمّ المقدّسة إلى رهينة، منفّذًا واحدة من أغرب عمليّات الخطف الّتي يمكن السينما أن تعرضها: خطف العذراء أملًا في تبادلها مع أسرى السماء!

 

في جوار يسوع

تبدأ حكاية إلياس الصغير، بطل الفيلم الروائيّ القصير «أمّي»، للمخرج اللبنانيّ وسيم جعجع، عندما يفقد والدته، ويفسّر له والده غيابها بأنّها صعدت إلى السماء، لتجاور يسوع الّذي يحتاج إليها أكثر من زوجها وابنها وسائر أهل الأرض، وعلى رأسهم قرية لبنانيّة صغيرة تميل إلى البساطة والبدائيّة.

إلياس حديث اليُتْم، يختار السِّلْمَ محاولًا إقناع يسوع المتجسّد تمثالًا دامي الجبين في صدر الكنيسة، راجيًا إيّاه استعادة والدته، مستخدمًا عبارات غارقة في الاستجداء: "بشرفك رجّعلي إمّي، أنا أصغر منّك بكتير وإنت إمّك معك، أنا عاوزها لإمّي وبحبها كثير، اشتقتلّا"!

 

 

لا يعي الطفل معنى الموت الحقيقيّ؛ إذ يبرّر له المحيطون أنّ الموت ما هو إلّا انتقال إلى عالم آخر بسيادة يسوع. ينتظر استجابة طلبه فيُرَدّ إليه، ممّا يثير لديه المعارضة حول جدوى كلّ ما يدور في فضاء الكنيسة، ويقرّر اتّخاذ خطوة عمليّة علّها تتيح له استرجاع والدته من الدار الأخرى.

يُلْقي إلياس أسئلته الصعبة على ثالوثه المقرّب: تمثال يسوع، ورجل الدين، ووالده حنّا، لكن ثلاثتهم لا يقدّمون له الإجابات الّتي ينتظر؛ فالتمثال لا يجيب، ورجل الدين منغمس في الإبقاء على الحال الدينيّ الّذي يغذّي الحال الاجتماعيّ، والأب حنّا – كغيره من الناس - يحتال في إجاباته مُجامِلًا نهم ابنه للمعرفة.

 

"رجّعلي إمّي"

بعد دفن والدته، وفقدان الأمل بقيامها من سباتها الأبديّ، يتوجّه إلياس ليلًا إلى الكنيسة ليخطف تمثال العذراء المنصوب إلى جانب تمثال يسوع، ويحذّر: "رجّعلي إمّي برجّعلك إمّك". على الرغم من كوميديّة المشهد إلّا أنّ أداء الطفل إلياس وحيثيّات فعلته لا يترك لنا مجالًا إلّا لنتعاطف معه. يُحْسِن الخاطف التعاطي مع رهينته، يتعامل بتقدير واحترام مع أمّ غريمه، فيغسلها بالماء ويرشّها بعطر والدته الّذي كان يزيّن عنقها في صلوات أيّام الأحد؛ يجتهد في حمل وزنها الثقيل، آخذًا إيّاها إلى سطح منزله لتستنشق هواء نظيفًا، يجلس قبالتها ويُعِدّ لها الشاي الّذي لا تقربه يداها، فيخفّف من روعها، سائلًا إذا كانت تمتنع عن شربه خجلًا أو عدم رغبة، ثمّ يعلّمها الوصايا العشر.

يواكب إلياس، كغيره من سكّان قريته القليلين، حالة التوتّر الّتي تسود الكنيسة والرعيّة إزاء سرقة تمثال العذراء، فيقف رجل الدين في حضرة الجمهور محذّرًا من أنّ الخطيّة تلحق السارق والعارف والسامع والرائي، متوعّدًا بلعنة قوامها أربعون عامًا على السارق والقرية بأكملها. في ما يلوذ إلياس بالصمت، يهبّ شكري – أحد أبناء الرعيّة – صارخًا متّهمًا أبا عليّ بعمليّة السرقة طمعًا في بيع التمثال - ذلك المسلم الوحيد الّذي يدخل القرية - ثمّ يتوعّد بانتقام لا يطول موعد تنفيذه، وهكذا يجرّ شكري وراءه عشرات الناس لتحطيم سيّارة أبي علي وضربه، وهو يبيع الحلوى للأطفال قرب الكنيسة. يشارك الجميع في التنكيل بالرجل دونما تردّد، يصبّون جام غضبهم على إنسان اعتقدوا أنّه الفاعل، إلّا إلياس الّذي يحاول حماية أبي عليّ بالتوجّه إلى تمثال يسوع؛ طالبًا إحقاق الحقّ: "شو خصّه أبو علي، مفكّر هيك رح رجّعلك إمّك، ما حزرت"!

بعد دفن والدته، وفقدان الأمل بقيامها من سباتها الأبديّ، يتوجّه إلياس ليلًا إلى الكنيسة ليخطف تمثال العذراء المنصوب إلى جانب تمثال يسوع، ويحذّر: "رجّعلي إمّي برجّعلك إمّك".

يتابع إلياس إصراره على استعادة والدته مقابل استعادة الكنيسة لتمثال والدة يسوع، ويقرّر توسيع رقعة عقابه لتشمل كلّ فرد في القرية فيحرق المحاصيل، لكن تباكي الرعيّة يزيد من إصرار رجل الدين على ضرورة التبرّع سريعًا، واقتناء تمثال يسدّ الفراغ الجاثم على قلب الكنيسة وروّادها. يُفاجَأ إلياس بمرور الأيّام من شراء تمثال جديد، ويستوعب بعفويّة طفلٍ أنّ غريمه تفوّق عليه بحصوله على أمّ تزيّن طرف الكنيسة الأيمن، يثير هذا لديه السؤال عن عدد أمّهات يسوع فلا يُجاب، فيخرج مسلّحًا برغبة الانتقام، ويكسر التمثال الموجود لديه، ويدفنه في التراب إلى جوار والدته، ثمّ يبكي على القبرين.

 

أسئلة إلياس

كما تحاكي القرية الصغيرة لبنان البلد، تتجسّد في شخصيّة إلياس شخصيّات ومواقف كثيرة، يسأل أسئلة ربّما أراد كثيرون سؤالها لكنّهم لم يجدوا فرصة أو شجاعة أو قدرة على ذلك، مهما كانت بسيطة وبديهيّة: هل يتكلّم يسوع العربيّة؟ هل يتكلّم الصينيّة؟ هل يدفئ الموتى في البرد؟ هل سرق في طفولته مثلنا؟ لماذا يأخذ الأمّهات؟ وما حاجته إليهنّ؟ لا يقتنع الطفل بكلام الكبار، ولا يجده منسجمًا مع منطقه البسيط، منطق طفل فقد أمّه، ويعايش وحدة أبيه من بعدها، طفل لا يعرف أنّ الجدال في العقائد الدينيّة فيه شذوذ عن خطّ الإيمان تتلوه الخطيئة، لا يعرف معنى الطائفة، ولا النزاع الدمويّ الّذي ولّدته التعصّبات الدينيّة في لبنان. طفل يعلّمه المجتمع أنّ الرجل لا يبكي، في ما يبكي والده سرًّا في فراشه، يعلّمه أنّ "أكرم أباك وأمّك" تفتتح سلسلة الوصايا العشر الّتي نحفظها دون أن نحفظها، وصايا نتعلّمها بالتكرار وليس بفَهْم المعنى والممارسة، وصايا نتعلّمها بمصاحبة العصا والعقاب.

وسيم جعجع اللبنانيّ لا يقدّم لنا هنا قصّة عن سذاجة طفل، وليست حكاية انتقام ولا ثأر اليتيم، بل يقدّم صورة مصغّرة عن رواية كبيرة لشعبه الّذي انساق – ولا يزال – وراء جشع القادة وأكاذيبهم في دروب الطائفيّة، دون أن تستوقفه أسئلة عن الجدوى، فعاد خاسرًا، عادوا خاسرين... جميعًا.

ينجح المخرج ضمن هذا الطرح في إثارة نقاش حول قضايا إنسانيّة مركّبة، من خلال مونولوجات محبوكة بإبداع، ومصوغة بذكاء وصدق، قصيرة الطول متعدّدة المعاني، بدءًا من وراثة الإيمان والعقائد، وزجّ الأطفال في الطقوس والممارسات واختيار أديانهم نيابة عنهم، مرورًا بكتم الأسئلة الّتي تُصَنَّف ضمن الخطايا، دون أن تجد لها مجيبًا مقنعًا يروي ظمأ الرغبة بالدراية، انتهاءً بحروب الطوائف الّتي لا تحمل أيّ مكسب. ومثل الدين كذلك السياسة والاندفاع وراء العقائد والمواقف الحزبيّة، والبحث عن عدوّ مشترك للحفاظ على وحدة الصفّ، كراهية المختلف ومهاجمته وتحميله أوزار الضعف وقلّة الحيلة.

وسيم جعجع اللبنانيّ لا يقدّم لنا هنا قصّة عن سذاجة طفل، وليست حكاية انتقام ولا ثأر اليتيم، بل يقدّم صورة مصغّرة عن رواية كبيرة لشعبه الّذي انساق – ولا يزال – وراء جشع القادة وأكاذيبهم في دروب الطائفيّة...

أجاد جعجع اختيار الطفل بطلًا؛ لأنّ له من القدرة والجرأة على طرح التساؤلات، لا يملكها معظم البالغين العاقلين، فتشكيكه في المنظومة الإيمانيّة يُعَدّ جهلًا، وليس سعيًا للإدراك والتحقّق؛ لأنّ تصرّفاته مدفوعة بالعاطفة الآنيّة الّتي لا مكان فيها للنوايا، وكلّ هذا يلقى التسامح والصفح والنصح والحثّ على الاستغفار، فأخطاؤه حجارة طريق المعرفة واليقين.

رغم وداعته في معاملة الرهينة إلّا أنّه يضعه حدًّا لحياتها، وما ذلك سوى محاولة لتخفيف نار الفقدان. يثور إلياس على كلّ المفاهيم والمعتقدات الأساسيّة، عندما يختار عدم ابتلاع قطعة الخبز يوم المُناوَلَة، يبقى تمرّده هذا سرًّا بيننا وبينه، بات كلّ ما يعرفه هذا الطفل هو أنّ حروبنا الشخصيّة لا تنتهي دومًا بالربح... لكنّ المقاومة تستمرّ!

 

 

سماح بصول

 

 

صحافيّة، محرّرة 'دوغري نت' بالعربيّة، ومركّزة مشروع الإعلام العربيّ في مركز 'إعلام'. حاصلة على البكالوريوس في اللغة العبريّة وأدبها، والماجستير في ثقافة السينما، وتدرس حاليًّا الماجستير في الأدب العربيّ.

 

 

تعليقات Facebook