حنان عوّاد: أصوّر فلسطين وناسها لأملأها بأشجار الزيتون

المصوّرة الفلسطينيّة حنان عوّاد

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

"ثمّة بطولة غير مألوفة في أرجاء العالم منذ اختراع الكاميرا، هي بطولة الرؤية".

لعلّ هذه المقولة للمخرجة والروائيّة الأمريكيّة الراحلة سوزان سونتاغ، تلخّص مسيرة الفلسطينيّة الأمريكيّة حنان عوّاد في التصوير الفوتوغرافيّ، الميدان الأثير لديها بعد أن مزجت في تجربتها رغبتها في نقل الحقيقة وانتمائها الوطنيّ، مشكِّلةً صورًا تحفر عميقًا في الذاكرة الشعبيّة والواقع الفلسطينيّين.

تأتي قوّة منجز حنان عوّاد البصريّ من تركيزها على الجانب الإنسانيّ لأبطال من الحياة اليوميّة، بكلّ ما في حيواتهم من فرح وحزن، في بلاد ترزح تحت احتلال استيطانيّ اقتلاعيّ. أمّا أهمّيّة عمل ضيفتنا وخصوصيّته فتكمنان في رصد ريع أعمالها الفوتوغرافيّة لصالح قضيّتها الوطنيّة، عبر إطلاق مشروعها الخاصّ "شجرة زيتون"، لدعم المزارعين الفلسطينيّين وتعزيز صمودهم في أراضيهم، وهي تردّد على الدوام مقولة الفنّان الفلسطينيّ العالميّ ناصر سومي: "الزيتون مرادف لفلسطين، وفلسطين مرادفة للزيتون".

تواصلت فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة مع المصوّرة الفلسطينيّة حنان عوّاد، فكان هذا الحوار.

مزارعان فلسطينيّان | عدسة حنان عوّاد

 

فُسْحَة: بدايةً، كيف تقدّم حنان عوّاد نفسها إلى قرّاء فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة؟

حنان: من أصعب الأمور إليّ الإجابة عن هذا السؤال، أن يقدّم الإنسان نفسه أو يتحدّث عن ذاته، لكن إن شئت فلتقل إنّني فلسطينيّة أمريكيّة مهمومة بوطني الأمّ فلسطين، وجدت في التصوير هواية جميلة، ثمّ تحوّلت إلى أداة ممتازة لعمل تطوّعيّ أعتزّ به.

بدأت بالتصوير والتوثيق لرحلات عدّة قمت بها إلى فلسطين، ومن خلال هذه اللقطات أقمت معارض مختلفة، خاصّة في أبو ظبي في دولة الإمارات العربيّة المتّحدة، في الفترة بين عامي 2012 و2017، وانضممت إلى "جمعيّة المصوّرين العرب المحترفين". وبعد عودتي للحياة في أوكلاهوما، شاركت في عدد آخر من المعارض في هيوستن - تكساس خلال 2018 و2019، وفي واشنطن العاصمة عام 2019، ودينتون - تكساس عام 2020.

وجدت أنّ التصوير أداة مهمّة جدًّا في الاحتفاء بالأماكن والتقاليد والموروثات، وكذلك توثيق مأساة النزوح القسريّ، والمقاومة الفلسطينيّة ضدّ الاحتلال الاستعماريّ لفلسطين. مع المَشاهد الّتي رأيتها في فلسطين للنزوح القسريّ للبدو، قرّرت ألّا يقتصر الاهتمام على توثيق هذه الممارسات بالصور فقط، بل قرّرت أن أدعمها بالدراسة التاريخيّة أيضًا؛ كرّست سنوات عدّة من البحث والعمل الميدانيّ مع بدو منطقة الجهالين، ونلت درجة الماجستير حول محنتهم، ومن ثَمّ بات توثيق المأساة ذا شقّين: الصورة الّتي تنقل المأساة، والحكاية التاريخيّة بالمعلومات الدقيقة الّتي توثّق تاريخ المأساة؛ لذلك تجد في معارضي الآن جزءًا مهمًّا يعرض الصور ضمن نصّ تأريخيّ مكتوب بدقّة وأكاديميّة، ليسهل على زوّار المعرض تعرّف حقيقة معاناة الشعب الفلسطينيّ.

من جانب آخر، ومنذ انطلاقة مشروع "شجرة زيتون" عام 2012، الّذي يهدف إلى زراعة ألف شجرة زيتون في فلسطين سنويًّا، تحوّلت معارضي إلى أن تكون آليّة لتساعد مادّيًّا في هذا المشروع، ولتكون وسيلة للإنفاق عليه؛ إذ يذهب ريع كلّ مبيعاتي من الصور إلى هذا المشروع.

لطالما أحببت أشجار الزيتون؛ فقد نشأت في منزل محاط بمئات منها، وأتذكّر موسم قطف الزيتون وما يعنيه لجدّتي، أذكرها دائمًا تقول إنّه "موسم الأعراس واحتفال الفلّاحين بحصادهم". ومن ثَمّ كانت الفكرة "الأرض"؛ فالأرض هي الأساس، وجزء من الحفاظ على الأرض يكمن في الحفاظ على زراعة الزيتون في أراضينا في فلسطين، من ناحية استمراريّة دعم الفلّاح اقتصاديًّا، لكن من ناحية أخرى قد تكون لبّ الهدف الأساسيّ للمشروع؛ ألا وهو دعم المقاومة الفلسطينيّة ضدّ الاحتلال الصهيونيّ، الّذي هدفه الأوّل أن يصادر أراضي الفلّاحين، وأن يفرّغ الأرض من أصحابها، لتوسيع بقعة المستوطنات غير الشرعيّة على أراضٍ فلسطينيّة.

من هنا كانت الفكرة، في أثناء زياراتي إلى فلسطين، أحرص على التقاط الصور الفوتوغرافيّة الّتي تُظهر جمال بلادي وطبيعتها، وحياتها الاجتماعيّة، وتسرد جزءًا من معاناة الفلسطينيّين، وعندما أعود إلى الولايات المتّحدة أنظّم الكثير من المعارض الشخصيّة، وأعرض هذه الصور، أو أشارك في العديد من المعارض، أو أطبع العديد من البطاقات الّتي يوجد عليها صور من فلسطين. وفي هذه الفعاليّات وجدت اهتمامًا من الأمريكيّين أنفسهم، ومن غير الأمريكيّين أيضًا؛ أبيع الصور، وأرصد عائدات هذه المبيعات لمشروعي في فلسطين، وكأنّها حلقات متواصلة تساند إحداها الأخرى.

أحد أنشطة حملة "أشجار زيتون في فلسطين"

 

فُسْحَة: التعاون مع "هيئة الإغاثة الزراعيّة الفلسطينيّة" (PARC)؛ كيف وُلِدت الفكرة؟ وكيف كانت الخطوات الأولى على أرض الواقع؟ وما أبرز نشاطات الهيئة؟

حنان: كان من أبرز التحدّيات وجود مؤسّسة قانونيّة يمكنني الاعتماد عليها بصورة موثوقة في تلقّي الدعم المادّيّ من قِبَلي، وهو عبارة عن ريع مبيعاتي من الصور الّتي يشتريها الناس من أجل دعم زراعة الزيتون؛ فأنا أعلن في معارضي أنّ ريع كلّ هذه المبيعات يذهب إلى زراعة الزيتون، وكان التحدّي في إمكانيّة تنفيذ ذلك على أرض الواقع، بطريقة منضبطة ومؤسّسيّة في فلسطين. وهنا كان دور "الإغاثة الزراعيّة"، وقد هداني الصديق العزيز السيّد ضرار أبو عمر، وهو شخصيّة مميّزة جدًّا في الهيئة، وكان له دور أساسيّ في التواصل معي وتسهيل العديد من الخطوات، هداني إلى التعرّف على هذه الهيئة؛ وفعلًا هي الآن تتلقّى ريع مبيعاتي، وتنفّذ عمليّة زراعة الزيتون.

أمّا عن الهيئة فتعود نشأتها إلى عام 1983، بمبادرة من قِبَل مجموعة من المهندسين الزراعيّين، عملوا متطوّعين لمساعدة المزارعين ودعمهم، بتقديم الإرشاد الزراعيّ لهم في ظلّ غياب أيّ هيئة فلسطينيّة تقوم بهذا الدور المهمّ، في ظلّ الاحتلال الإسرائيليّ، وكانت الانطلاقة من أريحا في الأغوار، حيث تنقّلوا بين القرى والمزارع مستخدمين درّاجاتهم الهوائيّة، معتمدين على قدراتهم وخبراتهم في هذا المجال الإرشاديّ، بلا انتظار أيّ دعم أو مساعدة من أيّ جهة، واستمرّوا سنوات عدّة مستندين إلى لجان العمل التطوّعيّ الّتي كانت منتشرة في الأرياف الفلسطينيّة.

بعد هذا المشوار الّذي استمرّ سنوات عدّة، سُجّلت الهيئة باعتبارها جمعيّة خيريّة غير ربحيّة، تختصّ بالقطاع الزراعيّ وتنميته، ودعم صمود المزارعين وحقوقهم في استغلال أراضيهم، وتنمية سبل عيشهم والحفاظ عليها في مواجهة الاستيطان، وكان أن سُجّلت الجمعيّة باسم "جمعيّة التنمية الزراعيّة - الإغاثة الزراعيّة".

أسّست "الإغاثة الزراعيّة" في بداية التسعينات، العديد من الدوائر لإدارة عملها بنجاح وتخصّصيّة، مثل "دائرة المشاريع"، و"إدارة المصادر الطبيعيّة"، و"الدائرة الماليّة"، و"الدائرة الفنّيّة"، و"دائرة العلاقات الدوليّة"، و"دائرة المرأة"، و"دائرة الشباب"، و"برنامج التوفير والتسليف للنساء الريفيّات"، و"دائرة العمل التطوّعيّ". ولاحقًا، قامت "الإغاثة الزراعيّة" بتأسيس العديد من الجمعيّات الّتي انبثقت عن هذه الدوائر، مثل "جمعيّة تنمية الشباب"، و"جمعيّة التوفير والتسليف النسويّة التعاونيّة لدعم المشاريع الصغيرة"، و"شركة ريف للتجارة"، و"شركة ريف للتمويل".

طفلة فلسطينيّة من بدو الهياجين | عدسة حنان عوّاد

 

فُسْحَة: حبّذا لو تعطينا فكرة عن نشاطك الوطنيّ في الولايات المتّحدة؟

حنان: مع استقراري في الولايات المتّحدة، بدأت التفكير في أمرين: الأوّل استمرار المعارض الخاصّة بي الّتي يمكن من خلالها توفير الموارد الماليّة للمشروع، والأمر الآخر الدراسة التاريخيّة الأكاديميّة الّتي تدعم أفكاري، وتمكّنني من الدفاع عن الحقّ الفلسطينيّ المشروع بالحجّة والدليل والبرهان. وبالفعل، تمكّنت من عمل غير معرض، ودُعيت للمشاركة أيضًا في غير معرض وفعاليّة فلسطينيّة، ضمن نشاطات الجالية الفلسطينيّة هنا في الولايات المتّحدة، ومن جانب آخر، نلت درجة الماجستير كما سبق أن أشرت.

على صعيد آخر، تعرّفت على عدد من الشخصيّات الّتي لم أكن أتصوّر وجودها هنا في الولايات المتّحدة، وتحمل أيضًا مهمّة الدفاع عن الفلسطينيّين في وجه الاحتلال الصهيونيّ، ومن هؤلاء القسّ جريج هانتر، الّذي يهدف من خلال المجموعة الّتي أسّسها في الكنيسة باسم "أناس من أجل العدالة"، منذ سبع سنوات، إلى تأكيد أنّ السياسة الإسرائيليّة تنتهك بشكل منهجيّ حقوق الفلسطينيّين. القسّ هانتر يحاول توصيل هذا الصوت في الولايات المتّحدة؛ لإيمانه بصعوبة قيام العديد من الأمريكيّين والمسيحيّين بمهاجمة إسرائيل، خوفًا من الاتّهام بمعاداة الساميّة وتاريخ النازيّة، ويقوم مع جماعته برحلات إلى فلسطين، ويقدّم محاضرات توعية وحلقات نقاش حول عدالة القضيّة الفلسطينيّة في الأوساط الأمريكيّة، من خلال فعاليّات مختلفة، منها "مهرجان أفلام فلسطينيّة - Palestinian Film Festival"، وكنت من ضمن الفاعلين في هذا المهرجان في دورته السابعة، الّتي انعقدت على مدار يومَي 30/01 و01/02 من العام الحاليّ، في مدينة دينتون في ولاية تكساس، بدعم من "صندوق القدس". الحقيقة أنّي شعرت بأنّ الكثير من الأمريكيّين ممّن حضروا فعاليّات المهرجان، كان إيمانهم كبيرًا بالقضيّة الفلسطينيّة، وبأنّهم ضدّ الصهيونيّة. 

حنان مع د. صبحي علي، رئيس "صندوق القدس"، في أحد معارضها

 

فُسْحَة: كيف تصفين علاقتك بمؤسّسة "صندوق القدس" في واشنطن، وماهيّة أنشطته في الولايات المتّحدة...

حنان: كما ذكرت من قبل، ‎مع استقراري في الولايات المتّحدة بدأت التفكير في أمرين اثنين: الأوّل استمرار المعارض الخاصّة بي، الّتي يمكن من خلالها توفير الموارد الماليّة لمشروع "شجرة زيتون"، ‎وأيضًا لأكون صوتًا للّذين لا صوت لهم، من خلال صورهم وتوثيق معاناتهم، وتوعية المجتمع من خلال هذه المعارض. وكان أن دُعيت للمشاركة في معرض وفعاليّة فلسطينيّة ضمن نشاطات يقوم بها "صندوق القدس/ مركز فلسطين".

"صندوق القدس" الّذي يرأسه الطبيب الفلسطينيّ الأمريكيّ الدكتور صبحي علي، يقوم على إنجاز أبحاث وتنظيم ندوات ومحاضرات، هدفها نشر الحقائق عن القضيّة الفلسطينيّة، لمواجهة تيّار قويّ ومتأصّل في وسائل الإعلام، يزيّف التاريخ ويخدع الشعب الأمريكيّ.

وينظّم الصندوق أيضًا عروضًا فنّيّة وثقافيّة منوّعة، ليُظهر الجانب الإنسانيّ وعمق الحضارة العربيّة والإسلاميّة. أمّا مقرّه ففي وسط العاصمة الأمريكيّة واشنطن، ليكون قريبًا من أصحاب القرار ومراكز الفكر والإعلام.

 

 

أوس يعقوب

 

صحافيّ وباحث فلسطينيّ من مواليد دمشق، يتخصّص في الشؤون الفلسطينيّة والصهيونيّة. درس الصحافة وعلوم الأخبار في جامعة تونس، ويعمل مراسلًا صحافيًّا ومحرّرًا في عدد من المنابر العربيّة منذ عام 1993. له عدّة إصدارات، من ضمنها دراسات منشورة في 'أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين' الصادرة عن المنظّمة العربيّة للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو).

 

 

 

تعليقات Facebook