مجد الجسد وأزمة الإله

للفنّان حسن حوراني

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

ناحية المطلق

موت الفنّان أيمن هاشم صفيّة التراجيديّ وجنازته يشكّلان باعتبارهما حدثًا ممتدًّا، من فقدان أثره يوم الأحد 24 أيّار (مايو) حتّى كتابة هذه السطور، فرصة كافية نسبيًّا لقراءة تأمّليّة في الثقافة العربيّة في فلسطين؛ فالحدث نصّ طويل مليء بالدلالات ألّفه المشاركون في البحث عنه، والمتحدّثون عن الحالة، والمشيّعون، والصديقات والأصدقاء الّذين ودّعوه بطقوس افترضوا أنّه كان سيطلبها، لو قُيّض له أن يقول لهم كيف يحبّ أن تكون جنازته، وما أنتجته شبكات التواصل من قِطع تؤلّف صورة بازل الثقافة العربيّة هنا، ولا أقصد بـ "الثقافة" ذاك الإنتاج الفنّيّ الجميل للجماعة العربيّة هنا اتّصالًا بكون أيمن فنّانًا مبدعًا، بل مجمل ما تعيشه وتُنتجه، من أنماط تفكير وسلوك وخطاب وسجالات وصراعات متعدّدة المستويات، ظاهرة أو خفيّة.

ثقافة فيها أناس مثل أيمن هي ثقافة ولّادة للجميل وللأمل في الوقت ذاته، علمًا بوجود كلّ أسباب اليأس والقنوط في شرط سياسيّ اجتماعيّ كالّذي نحن فيه؛ فأيمن الّذي استمدّ طاقته من ذاته ووعيه وإنسانيّته هو، وبثّها في كلّ مكان وطأته قدماه وروحه، مثال للقدرة الكامنة فينا على إعادة إنتاج أنفسنا ومعانينا

كان أيمن أيقونة ثقافيّة محبّبة لدى عارفيه ولدى فئات واسعة، ولا سيّما طبقة المبدعين في مجتمعنا، ليس بسبب وفاته في ظروف كهذه، بل بفضل شخصه وفنّه وسيرته الشخصيّة والفنّيّة؛ فقد جسّد في فنّه وسلوكه وقِيَمه وروحه ووجهه الواسع كمرْج، كلّ ما هو جميل ورائع متمنَّى في الحياة. فنّان يُنتج بشغف ويحقّق النجاح في حقل الرقص، وما فيه من حركة شاعريّة موحية. أُضيفَ إلى كلّ هذا طبقة أخرى من المعنى الجميل، في أنّ أيمن اختار بوعي أن يعيش حقيقته وهويّته الشخصيّة والجنسيّة كما هي؛ وهو الأمر الّذي عمّده إنسانًا صادقًا مع نفسه ومع غيره، مصرًّا على ألّا يعيش إلّا حياته هو وليكن ما يكون، وهذا ما رسم له صورة المبدع الأصيل الجذريّ، الّذي يذهب مع الإبداع ناحية المطلق، ويُرقص الكون إلى آخره.

لقد أضافت الظروف التراجيديّة إلى رحيله بعدًا أسطوريًّا، خاصّة أنّ غرقه ارتبط بمحاولته إنقاذ صديقة عاشت هي وغرق هو؛ وهو ما فتح شبّاكًا واسعًا على مزاياه شخصًا معطاء بلا حدود كما هو في فنّه، وهذا ما استدعى كلّ هذا التعاطف، وكلّ هذا التنادي الجماعيّ للبحث عنه، وهو البحث الّذي جسّد رغبة جماعيّة في أن تُكتب له الحياة، رغم إدراك أنّ البحر يفتننا بزرقته ليخطفنا بموجه. رغبة انطلقت من محبّيه ومعارفه وزملائه في الفنّ والحياة الإبداعيّة، وعمّت مجتمعنا كلّه.

أيّام عصيبة مرّت تجلّت فيها رغبة جماعيّة في أن يظلّ بيننا يُرقص الحياة ويُبدعها؛ فهو الجريء في مواجهة الحياة والأعراف و"النسق" الاجتماعيّ، كان جريئًا في مواجهة البحر أيضًا. وإذا كان مستعدًّا في حياته لدفع كلّ ثمن في سبيل هويّته وحقيقته وفنّه، فقد رأيناه مستعدًّا لأن يدفع كامل الثمن في سبيل إنقاذ غيره، إنّه العطاء اللامتناهي. قصّة حقيقيّة جسّدت الرائع والجميل والقيميّ المأمول، كأنّه أسطورة النبل الإنسانيّ والإيثار.

ثقافة فيها أناس مثل أيمن هي ثقافة ولّادة للجميل وللأمل في الوقت ذاته، علمًا بوجود كلّ أسباب اليأس والقنوط في شرط سياسيّ اجتماعيّ كالّذي نحن فيه؛ فأيمن الّذي استمدّ طاقته من ذاته ووعيه وإنسانيّته هو، وبثّها في كلّ مكان وطأته قدماه وروحه، مثال للقدرة الكامنة فينا على إعادة إنتاج أنفسنا ومعانينا، فوق سقف الزجاج وفوق سقوف السلطات على اختلافها. وهو في هذا رسول جيل من العرب الفلسطينيّين بعد النكبة، مصرّ على مواجهة سياسات كيّ الوعي، لمصادرة قدرته على تحقيق مدًى واسع من إنسانيّته وذاته، في حقول الحياة كافّة. في هذا الجيل مَنْ اختار الفنون الإبداعيّة - الرقص الحديث لدى أيمن - وسيلة مواجهة ورسالة إصرار على حياة كريمة وحرّة في مستويين: في مستوى العلاقة بالذات داخليًّا، وفي مستوى العلاقة بالآخر والعالم. هو جيل ثائر على نسقه هو وعلى سلطة الآخر في آن، يحقّق ذاته رغم كلّ شيء، وهو مدرك أنّ الشروط ليست مثاليّة، لا في "بيته" ولا في الحيّز العامّ.

 

أسطورة تُلمس

لو أنّ الأسطورة لم تكن حقيقيّة، من لحم ودم ووجه ضاحك، وجسد طائر في الهواء بألق، لاعتبرها الناس "قصّة" أخرى يحكونها لأبنائهم قبل النوم أو لا يحكونها، تِبعًا لطبيعة الأسرة. إلّا أنّ كونها أسطورة حقيقة واقعيّة مليئة بالتفاصيل؛ فقد استدعت التماهي والتعاطف والتماثل غير المسبوق، عبّر عنها الناس بأشكال عديدة، منذ إعلان فقدان أثره في البحر حتّى تشييع جثمانه، وحتّى هذه اللحظات الّتي تتناسل فيها المنشورات من اسمه وصورته.

وفي كيان موازٍ، أدخلت القصّة ذاتها الهلع عند أناس في المجتمع والثقافة ذاتها، يسعون من سنين لترسيخ الأساطير الماضويّة، واستحضار أبطال زمن مضى وانقضى إلى غير رجعة. انقسام يجسّد أحد الصراعات في الثقافة العربيّة في فلسطين بين نزعتَين: نزعة تدرك وجود طاقات في الذات، الفرديّة والجماعيّة، وتستمدّها من هناك لتصنع حياتها وسرديّتها بثقة وأمل واقتدار، سعيًا إلى مجد في الحاضر أو في المستقبل، ونزعة فيها نكوص إلى ذروة ومجد في الماضي؛ فأيمن الّذي من لحم ودمّ، وله اسم وسيرة ومعارف ومجتمع ومحبّون، وله هويّة وخيارات عمليّة وفنّ وإبداع وتمثيلات وضحكات وجسد، هو نموذج حيّ فاعل مؤثّر، وحقيقة ناجزة هنا والآن، ذاهبة في مسارها نحو الأفق. أسطورة ملموسة غطّت على أسطورة متخيَّلة أخرى، رُسمت دينيًّا واجتماعيًّا عبر التاريخ، بطلها ليس الإنسان العلمانيّ الّذي يجاهر بحقيقته "الإشكاليّة"، بالنسبة إلى العُرف وإلى أصحاب النزعة الماضويّة، بل الإله المتخيّل، أو الإنسان الّذي يخرّ عند قدمَي الإله بخشوع وغياب، بطل يستمدّ بطولته من الإله، و"وحيه" الوارد في نصوص موروثة.

لم يستطع الغيبيّون ومنهم أصوليّون ومحافظون، أن يستوعبوا كيف لهذا الّذي اعتبروه "شاذًّا" و"ساقطًا" - كما عقّب أحدهم في صفحتي على فيسبوك - "يروّج صورة مشوّهة عن الشباب العرب"، أن يكون بطلًا مثاليًّا حدّ الأسطورة، يشيّعه الناس بتعاطف وأسًى، وبهذا الحبّ له ولفنّه ولِما مثّله من صدق...

لم يستطع الغيبيّون ومنهم أصوليّون ومحافظون، أن يستوعبوا كيف لهذا الّذي اعتبروه "شاذًّا" و"ساقطًا" - كما عقّب أحدهم في صفحتي على فيسبوك - "يروّج صورة مشوّهة عن الشباب العرب"، أن يكون بطلًا مثاليًّا حدّ الأسطورة، يشيّعه الناس بتعاطف وأسًى، وبهذا الحبّ له ولفنّه ولِما مثّله من صدق. هذه هي أزمتهم مع اللاهوت، وهذا هو مجده مع الحقيقة! مع كلّ "تقواهم" و"إيمانهم" ونصوصهم؛ لم تتحقّق لهم ولنماذجهم، لا في الحياة ولا في الموت، مثل هذه الروحانيّة الّتي تحقّقت لأيمن في الفنّ.

 

شدّ الهويّة

كانت رحلة أيمن الشخصيّة والإبداعيّة تجربة خلّاقة للفرد في صياغة الهويّة وبنائها، وهي هنا مختلفة في العمق عن الهويّة المتخيّلة عند سدَنَة الهويّات البائدة للعربيّ؛ فبقدر ما يشدّها اللاهوتيّون إلى الماضي، شدّها هو إلى المستقبل، بقدر ما أرادوها واحدة للجميع أرادها هو متعدّدة للواحد، بقدر ما أعدّوها معاني غيبيّة سماويّة، منحها هو حقيقته الجميلة فأحبّه وأحبّها الناس؛ فهو في شخصيّته وفنّه ومسيرته وخصاله بديل إنسانيّ واقعيّ جميل، لهويّة متخيّلة ماضويّة وغير ممكنة لـ "الشباب العرب".

ليس هذا فحسب؛ فهو المتواضع مقابل تبجّحهم، وهو الإنسانيّ حتّى النخاع مقابل تجهّمهم وقسوتهم، وهو المبدع في لغته ومفرداته وجماليّاته وهم الجامدون في نصّ شائخ، يكرّرون المفردات ذاتها واللغة ذاتها الفاقدة لمعناها من مئات السنين. وهو المانح الناس نفسه ومعناه مؤشّرًا على الذات مصدرًا للطاقة والحياة، مقابل ما يُنتجونه من قيود وضوابط وسقوف تحت سقف سلطة الآخر. هو العلمانيّ الروحانيّ الصوفيّ النبيل مقابل ادّعائهم التديّن والحرص على سلامة المجتمع و"أمنه المعنويّ"، هو صانع الجميل من الصور والحقائق، وصانع الخير حدّ الفناء فيه، مقابل حروبهم المفتوحة على مجتمعهم، ولا سيّما على مواضع الإشراق والأمل والفرح والخيال والإبداع، وعلى الّذين يمنحون حياته المعنى.

لعلّ أوّل ما يسعى إليه الأصوليّون في كلّ مكان إحكام السيطرة على المجتمع؛ وهو ما فعلوه في مجتمعاتنا العربيّة من الخليج إلى المحيط، وفي غالبيّة الأحيان من خلال دعم خفيّ أو معلن من السلطة المركزيّة الّتي تشاركهم هذا السعي والأهداف. بل كثيرًا ما أوكلت إليهم مهمّة قمع المجتمع وإخضاعه بالكامل، و"تهذيبه" و"ضبط أخلاقه"، وقمع جسده وطاقاته على الحياة والإبداع. انظر مثلًا الأشكال المختلفة لـ "هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" هنا أو هناك. الأصوليّون من أشدّ أدوات قمع الإبداع على حقوله في المجتمعات العربيّة؛ ينقضّون على كلّ واحة وكلّ رمز ثوريّ في الغناء والشعر وفنون المسرح وغيرها، وإن لم يكن بمحاكم الأنظمة الّتي تستعملهم، فبالعنف الّذي تتساهل معه السلطة وتغضّ عنه النظر. وهنا أيضًا تحوّل هؤلاء إلى وكيل لقمع الإبداع وأشكاله الفنّيّة المختلفة، من خلال إكراه دينيّ واضح وخطاب تكفيريّ أوضح، كما في حالة أيمن صفيّة؛ فموت أيمن كان بالنسبة إليهم فرصة ذهبيّة للانقضاض عليه وعلى ما يمثّله من جيل ومعنًى جديد للحياة والهويّة والوجود، يجسّدها هذا الجيل في فنّه.

 

النصّ الحيّ

يمثّل أيمن جيلًا جديدًا يبدع هويّته الفرديّة والجماعيّة بقواه، من غير أن يستعير شيئًا من أحد؛ فليس صدفة أن يطال جيله وأصدقاءه وصديقاته ما طاله من تقريع يستند إلى اللاهوت الأصوليّ ذاته، الدينيّ والاجتماعيّ، بخطاب يعتمد المعجم المتجهّم والمأزوم ذاته، الّذي يريد أن يُخضع الاجتماع البشريّ وطبيعته المتحوّلة إلى نصّ يابس. زادت الهجمة شراسة عندما رأينا رفاقه في الفنّ ذاته يشيّعونه على طريقتهم، طريقته الجميلة الصوفيّة. هنا، أيضًا، حصل التصادم بين الطقوس الموروثة والطقوس الخلّاقة الّتي يبدعها الناس بالفطرة، ويرتجلونها في المصائب كما في المناسبات السعيدة. من عادة المؤسّستين الاجتماعيّة والدينيّة أن تسعيا إلى رسم حدود الممنوع والمسموح في الحيّز العامّ، وإخضاع السلوك فيه إلى رؤاها وعُرفها، خاصّة عندما يكون الأمر بشأن شعائر وطقوس تشرفان عليها بالكامل؛ طقوس العرس والمأتم وما بينهما. اتّضح أنّ الرقص الإيحائيّ الصوفيّ يهدّد احتكاره المؤسّستين للشعائر؛ لأنّه يطرح بديلًا فنّيًّا لما هو معمول به من بروتوكول مقصوص على الشفرة.

مع الرقص في حالتنا، والشعر والكلام الفتيّ، يصير النصّ الدينيّ واحدًا من مجموعة "نصوص" يُكَفَّن بها أيمن في دربه الأخير، بل بدا أنّ الغلبة كانت للنصّ الحيّ الدافئ الوليد هنا والآن، لا وليد الموروث المتقادم المكرور، الّذي أتى به الناس من دمّ قلوبهم، وعلى طريقتهم يجسّدون به أساهم على صديق صدوق، أخلص لهم ولنفسه وللحياة كما رآها ورأوها.

أمّا الأكثر إثارة لحفيظة جماعة اللاهوت، فكان أنّ هذا التحدّي لم يأتِ هتافًا وغناء فقط، بل بلغة الجسد؛ جسد الرجل والمرأة في ساحة واحدة في لحظة الموت، وهي اللغة الّتي تحدّث بها أيمن وعمّمها، متحدّيًا في إنتاج ذاته ومعناه. أفلت الجسد من قبضة البروتوكول، وانطلق يزاحم نصّهم الجامد المكرور.

 

أمّا الأكثر إثارة لحفيظة جماعة اللاهوت، فكان أنّ هذا التحدّي لم يأتِ هتافًا وغناء فقط، بل بلغة الجسد؛ جسد الرجل والمرأة في ساحة واحدة في لحظة الموت، وهي اللغة الّتي تحدّث بها أيمن وعمّمها، متحدّيًا في إنتاج ذاته ومعناه. أفلت الجسد من قبضة البروتوكول، وانطلق يزاحم نصّهم الجامد المكرور.

لسبب من التوتّر البنيويّ بين الأصوليّة كمنظومة متكاملة تدّعي الطهارة والتقوى والروحيّ، في وجه المادّيّ والجسديّ، والمعنويّ السامي في وجه الغريزيّ؛ يشنّ الأصوليّون معاركهم المتتالية ضدّ الجسد الّذي يفضحهم، ويكشف الغشّ الذهنيّ في مدوّنتهم وأطروحاتهم، ضدّ كلّ جسد وما يعنيه من احتياجات طبيعيّة؛ فما بالك إذا جاء أيمن وأصدقاؤه ووضعوا الجسد في المركز، بصفته تمثيلًا ولغة كاملة الشرعيّة في الفرح والترح، في الحيّز الخاصّ وفي الحيّز العامّ.

إنّ "طهرانيّة" الأصوليّين المدّعاة تأخذ أشكالًا عديدة في "ستر" الجسد الفضيحة، باعتباره تهديدًا وجوديًّا لنظامهم، وشرًّا مستطيرًا يخافون منه ويرجمونه كلّما تجلّى، وبدل أن يعترفوا بوجوده الموجود وطبيعته ونداءاته، يتكلّمون كأنّهم أرواح شفيفة أو أثير روحانيّ هائم في الفضاء، بغير أجساد لها احتياجاتها ونداءاتها وتباريحها، مثلما ينكرون اللحظة الراهنة وتحدّياتها فإنّهم ينكرون الجسد وتحدّياته؛ لأنّه كالحاضر الّذي يهربون منه إلى ماضٍ متخيّل.

 

الحرب على الجسد المغاير

أمّا أنّ أيمن مثليّ مغاير في هويّته، وهو شأنه هو وحده، فهو فرصة القنص الذهبيّة عند الأصوليّين، أو عند شبابهم المستنفر دائمًا للحرب على الجسد وروايته، أيًّا كانت. ورأيناهم في حالة أيمن يراهنون في لعبة مكشوفة على "الهوموفوبيا"، تزوّدهم بجنود مرتزقة في حربهم "المقدّسة"، كلّ حروبهم مقدّسة! فلا تكون المعركة معركة أصوليّين متديّنين، بل تكتسب بُعْدًا "اجتماعيًّا" قوامه التحشيد الّذي يستند إلى "عُرف" و"تقاليد" و"مفاهيم" و"هويّة" اجتماعيّة. أظنّهم يفترضون أنّ إستراتيجيّة كهذه، وإعادة تموضعهم اجتماعيًّا في الحرب على الجسد المغاير - إذا صحّ التعبير - ستمنحهم شرعيّة، توازي الشرعيّة الّتي حظي بها أيمن الرمز ذو الهويّة المغايرة أو تزيد عليها، أو اعتقدوا أنّهم يستطيعون كتابة فصل الخاتمة لذروة قصّته، من تشويه صورته كأسطورة، عبر الإشارة إلى جانب في شخصيّته وتمثيلاته، يعتبرونه "ثغرة" ينفذون منها لهدم مجده الّذي تعاطف الناس معه.

قد تكون فرضيّتهم تحقّقت في جزء منها، في تجنيد جنود اجتماعيّين في جيشهم وخطابهم الّذي يعادي الجسد؛ جسد الفرد وجسد المجتمع، وهو عداء يندرج في عداء أوسع للمختلف عنهم ولـ "الوطنيّ" العلمانيّ بخاصّة، أو لكلّ شيء أو شخص أو تجربة أو فكرة تتحدّى نزعتهم الماضويّة، أو اجتهادهم في الاستحواذ على المجتمع والحيّز بكلّ وسيلة ممكنة. ولنعترف لهم بقدرتهم على تحريك "وحداتهم" و"قوّاتهم الضاربة" على الجبهات الداخليّة تحديدًا، وبميلهم إلى اعتماد إستراتيجيّات "اغتيال" الشخصيّات والرموز حيّة أو ميّتة، ولنقرّ لهم أيضًا بأنّهم قادرون، بدرجة كبيرة نسبيًّا، على مشاغلتنا وتشويش جدول أعمالنا جماعةً مُضْطَهَدة ومحرومة، وهدر طاقاتنا بـقضاياهم "المقدّسة" ضدّ مربٍّ أراد لتلاميذه مشاهدة فيلم، أو ضدّ فنّانة تغنّي للحياة، أو ضدّ مسرح أو نشاط جماهيريّ ألقوا عليه زجاجاتهم الحارقة، "لغة" لا تتردّد في حرق الحياة كلّها عندما تستعصي عليهم!

ما من جسد - ولا جسد المجتمع - قادر على مواجهة الحياة وأسئلتها ويداه مربوطتان إلى الخلف، أو لو كان ملفوفًا بما يعيق الخطو ويحجز الروح، وهي المحرّك الأساسيّ للجسد، أو في حال تحنيطه. في أحسن حال كنّا سنبدو - على طريقتهم - مثل مومياءات منسوخة عن بعضها بعضًا، تتحرّك بغير روح...

يبدون لي أنّهم في خطابهم وأساليبهم أضعف من ذي قبل، وغير مقنعين في الحرب الكلاميّة الّتي أعلنوها في كلّ مكان على الجسد، باعتباره الحاضر الّذي يشعرون حياله بالعجز. هذا عِلمًا بأنّ لهم مَنْ يصغي ويعيد من ورائهم. وفي حالة أيمن، أرى أنّ نصيبهم من الخسارة كان واضحًا؛ لأنّ الناس الّذين يعرفون أيمن والّذين لا يعرفونه، رأته تجسيدًا لقيم إيجابيّة في معناها، كالجمال والنجاح والعطاء والإبداع والإنسانيّة، وهي معانٍ مشرّفة ومستحبّة ومرتجاة. كأنّه فراشة، وللفراشة أثر ملوّن لا يضرّ ولا يهدّد، ولا يتوعّد الحياة بطقّ عنقها كما يفعلون.

ما من جسد - ولا جسد المجتمع - قادر على مواجهة الحياة وأسئلتها ويداه مربوطتان إلى الخلف، أو لو كان ملفوفًا بما يعيق الخطو ويحجز الروح، وهي المحرّك الأساسيّ للجسد، أو في حال تحنيطه. في أحسن حال كنّا سنبدو - على طريقتهم - مثل مومياءات منسوخة عن بعضها بعضًا، تتحرّك بغير روح؛ وهو النموذج الّذي رفضه أيمن ويرفضه جيله قولًا وفعلًا، بالممارسة وإنتاج النموذج المستحبّ.

أيمن ومعه الّذين شيّعوه يحبّون الحياة ما استطاعوا إليها طيرانًا وتحليقًا، وقد يسقط الطائر مرّة، لكن لا يمكن أبدًا شطب فكرة الطيران!

لروح أيمن السلام.

 

 

مرزوق الحلبي

 

 

شاعر وناقد من فلسطين، يكتب في عدد من المنابر الفلسطينيّة والعربيّة. يعمل وينشط في الجانب الحقوقيّ والمجتمع المدنيّ. له مجموعة شعريّة بعنوان "في مديح الوقت".

 

 

 

تعليقات Facebook