رند طه... أن تكوني راقصةً من القدس وفيها | حوار

عدسة وائل أبو جبل

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

على الرغم من عمر تجربتها القصير، تبدو نظرة الراقصة المقدسيّة رند طه شموليّة وناضجة، تجاه فكرها الّذي يقف وراء أعمالها الراقصة، وتجاه العلاقة الجدليّة بالمجتمع المتلقّي، وتجاه انشغالات جيلها من الراقصين الفلسطينيّين. مدفوعةً بالطموح والحرّيّة، لكن متفهّمة لقصور ثقافة تلقّي الرقص، تلتقي رند بجمهورها، معتبرة إيّاه حجر الأساس في عملها راقصة. حاصلة على البكالوريوس من «أكاديميّة القدس للموسيقى والرقص»، ودرست في «مدرسة الرقص المعاصر» في العاصمة الدنماركيّة كوبنهاغن، وشاركت في ورشات عمل عديدة في فلسطين وألمانيا وهولندا وغيرها، ذلك قبل أن تشقّ طريقها فنّانةً مستقلّة لتقدّم أعمالها الّتي تصمّمها شكلًا وثيمة.

في هذا الحوار الّذي أجريناه في فُسْحَة – ثقافيّة فلسطينيّة معها، نستكشف أفكارها عن الجسد وقيوده، وعن مدينة القدس وجمهورها، وعن أن تكون المرأة راقصة في مجتمع عربيّ.

 

فُسْحَة: حدّثينا عن تركيزك على أعمال تتناول قضايا المرأة، هل تُشغلك أكثر من غيرها؟

رند: منذ أن بدأت مسيرتي الفنّيّة، قبل نحو ثلاث سنوات، في انشغالي في تصميم أعمال وتقديمها، بإمكاني القول إنّ هذه المسألة تثير اهتمامي كثيرًا. قدّمت عملَين، أحدهما يتناول موضوع القتل في الوقت الّذي تتكثّف فيه جرائم القتل بحقّ النساء. كم أصبح دم النساء المراق شيئًا طبيعيًّا! كأنّه ليس دمًا، أو كأنّه دم إنسان مختلف. لا أدري إن كان سيشغلني على نحو أكبر، لكنّي أشعر بأنّي لا أتناوله وأنا خارجه، لا أتطلّع إليه كمتفرّجة. أنا أنثى أيضًا، أتعرّض لأمور نفسيّة لا تقلّ صعوبة عن تلك الجسديّة. جميعنا نحن النساء نتعرّض للعنف، ربّما لا نعاني جميعًا من القتل والاغتصاب، لكنّا نعاني، بنسب مختلفة، وعلى اختلاف خلفيّاتنا ومجالاتنا، من العنف النفسيّ، ومن الضروريّ أن نتحدّث عن ذلك. ينبغي ألّا يصغّر أحد من شأن العنف النفسيّ، فقد لا يظهر أمام الآخر، لكنّه معيش عند المرأة.

 

فُسْحَة: مثير كيف أنّ ثمّة علاقة مباشرة بين كونك امرأة تستخدم جسدها أداة تعبير، وبين المضمون الّذي يتناول جسد المرأة، فللفكرة هنا مجال تحقّق عالٍ.

رند: كثيرًا ما أفكّر في مسألة أنّ جسدي ليس أداة مفهومة ضمنيًّا. كلّ راقصة أو راقص ينظر بعين القدسيّة إلى جسده، فإن تضرّر توقّف عمله. نمرّ في مراحل كثيرة نتعلّم من خلاله كيف نحترمه ونحترم حساسيّته الخارجيّة والداخليّة. إذا كان التعاطي معه محفوفًا بهذه الحساسيّة، فكيف بجسد يتعرّض للعنف أو القتل؟ تعلّمت أن أحتويه وأتعامل معه بتقبّل وصراحة، فليس من السهل أن يتعامل الإنسان مع جسده بهذه الصراحة، تجاه نفسه وتجاه الآخرين. أشعر بغصّة حين أستخدمه مدركةً أنّي أملك القدرة على استخدامه كي أتحدّث عن تعنيفه. وفي نفس الوقت، أشعر بقوّة كبيرة لأنّي في نهاية الأمر أستخدم أداة حسّاسة عند المجتمع، الجسد. يتملّكني أحيانًا على المسرح شعور غريب لدى قيامي بحركات حسّاسة، لكنّي أقوم بها وأحاول أن أنفذ إلى ردود أفعال الجمهور.

 

فُسْحَة: لكن هل تشعرين بحرّيّة حقيقيّة؟ وكيف تنظرين إلى استخدامك جسدك كامرأة في بيئة عربيّة؟

رند: حين أتحدّث عن حركات جسديّة حسّاسة لا أقصد حركات متطرّفة، لكن أن تكوني جزءًا من هذا المجتمع يعني أن تعرفي ما المتطرّف بالنسبة إليه. يختلف متلقٍّ عن آخر وفق مكانه، ثمّ إنّ تهيئة الجسد والنفسيّة تختلفان بين مكان عرض وآخر. أمّا عن تغيير حركة ما في العمل بسبب المكان، فيعود الأمر إلى الفنّان إن كان يريد القيام بذلك. بالنسبة إليّ، أنا أعمل من أجل مجتمعي، أعني أنّي أريد أن أقترب منه... لا أريد أن أنفّره منّي، بل أحاول أن أصله وأن أجد معه لغة تفاهم. تهمّني مسألة تلقّي هذا الفنّ عن قرب.

 

 

فُسْحَة: كيف خرجت بأعمالك إلى جمهور القدس؟ وهل واجهتِ تعقيدات معيّنة معه؟  

رند: مرّ وقت قبل أن أرى أنّ ثمّة أشياء تواجهني مع المجتمع. بدأت الرقص في سنّ صغيرة، وبتشجيع من الأهل، ومن المدرسة الّتي تعلّمت فيها؛ «راهبات الورديّة»، حيث كان الأمر في غاية الطبيعيّة. ثمّ بعد انتهاء دراستي تقدّمت للأكاديميّة ولم أشعر آنذاك بأنّ ثمّة ما يحدّدني أو يحدّ من طموحي. أمّا حين بدأت انطلاقتي فنّانة مستقلّة تقدّم أعمالها الخاصّة، أصبحت عندي رسالة وأمامي أهداف أعمل من أجل تحقيقها، وليس من أجل تحقيق التعلّم فحسب. عندئذٍ قد تشعرين بما يقيّدك. لم تواجهني مواقف بعينها، لكنّي أتحدّث بعامّة عن شحّ المساحات الّتي تستوعب إنتاجاتي.

 

فُسْحَة: إذن، ما الأمور الّتي تقيّدك؟

رند: أنا - الأنثى - أشعر بهذه القيود، أشعر بالحدود دون أن يشير إليها أحد. حين أتحدّث عن القتل أدرك كم أنّ ثمّة أمورًا تحدّ حياتنا! وكم أنّي أحمل مسؤوليّة أمام نفسي وأمام نساء أخريات! ثمّة ما ينبغي لي إيصاله من خلال تجربتي وتجربتهنّ. لم أتعرّض للرفض بصفتي راقصة، لكن معلّمة تتعرّض لأسئلة مستهجنة، مثلًا: هل سيكون مستقبل طالباتنا كمستقبلك؟

 

فُسْحَة: كيف تشعرين تجاه هذا الجيل الجديد، ولا سيّما في مدينة كالقدس، يُصار إلى تضييق آفاقها؟

رند: في الحقيقة، نحن نتحدّث عن فنّ لا يألفه أو يعتاد تلقّيه الآباء والأمّهات أنفسهم. أنا لا أقول إنّ الرقص غير مرحّب به في القدس أو رام الله، لكنّي بشكل فعليّ أنتج وأعرض بشكل محدود، وهذه المحدوديّة بالغة التأثير. ثمّة طالبات تدعمهنّ عائلاتهنّ. أنا لا أعمّم، لكن حين تعرّضت للمساءلة حول مستقبل الطالبات فكّرت: كيف بإمكاني أن أجذب الأهل؟ وما الّذي عليّ أن أطرحه من خلال جسدي حتّى أحقّق هذه المسؤوليّة وهذا التوازن؟ فأنا أسعى إلى التماشي مع المجتمع، لكنّي في نفس الوقت لا أريد تقييد نفسي، هذه هي المعادلة.

 

فُسْحَة: فالخطّ بين طرفَي المعادلة رفيع، صحيح؟

رند: رفيع جدًّا. ينطبق ذلك أيضًا على منصّات كالإنستغرام، حيث يتعرّض لها كثيرون. أفكّر بيني وبين نفسي بشكل المسؤوليّة الّتي تقف وراء طرح ما أطرحه هناك. أنا لا أريد أن أناطح المجتمع، لكنّي لا أريد أحدًا يقيّد عملي.

 

فُسْحَة: أوقفت «جامعة النجاح» العام الماضي عملًا للراقصة عشتار معلّم؛ كيف تنظرين إلى قمع المؤسّسة بعامّة؟ وكيف تنظرين إلى مستقبلك، في ظلّ هذه العقليّة، خاصّة في مدينة القدس؟

رند: بدايةً، يؤسفني أنّ عشتار تعرّضت لمنع كهذا، بعد أن دُعيت لتقديم فنّها. ثمّة وجهات نظر متعدّدة في الموضوع، ترمي إلى السؤال حول مراضاة الجمهور وما هو ملائم لمدينة كنابلس. ثمّة مناطق جغرافيّة محافظة أكثر من غيرها. نحن نعرف ذلك، لكنّ هذا القمع يؤثّر فيّ بصفتي فنّانة. قد أتعرّض له في أيّ مكان، ودون أن أتلقّى الدعم الكافي. أنا ألقي اللائمة على المؤسّسات؛ فهي في النهاية تدعو الفنّانين بعد أن تطَّلع على موادّهم أو أعمالهم الّتي ينوون عرضها. ربّما تعرّضت لموقف على مستوًى آخر، حين كنت سأقدّم عرضًا صوفيًّا في أريحا، ثمّ أُلغي العرض في اليوم نفسه لأنّ مَنْ سيرقص هنّ نساء. وعلى الرغم من أنّ الملابس محتشمة والرقص محتشم في العرض الصوفيّ، إلّا أنّ مجرّد أنّنا نساء تسبّب في إلغاء العرض. صحيح أنّ الأمر قد يبعث على الإحباط، لكنّي لا أدع أحداثًا كهذه تحبطني، على العكس، أشعر كم أنّنا في حاجة إلى أن نغيّر في نواحٍ كثيرة في البلد! فالرقص على سبيل المثال، موجود في مناطق معيّنة، وفي أخرى غائب. في حيفا الرقص مقبول وتوجد شرائح تستهلكه، أمّا في نابلس أو القدس، فربّما ترتبط المسألة بعدم تعرّض الناس لهذا الفنّ، وليس برفضهم الجوهريّ.

 

فُسْحَة: ذلك على الرغم من أنّ المجتمع الفلسطينيّ بعامّة يتعامل بتقبّل مع راقصات يقدّمن رقصًا فلكلوريًّا كالدبكة؛ هل لأنّ الرقص المعاصر بعيد عن ذائقة الناس يصعب تقبّله؟

رند: نعم، تمامًا، قد يكون الرقص المعاصر بعيدًا عن الناس، الّذين لم يعتادوه كما أسلفت. ثمّة فرق رقص مثل «سرّيّة رام الله» على سبيل المثال، أنجزت في مسألة التقرّب من الناس، لكنّي لا أقول إنّ ثمّة إنجازًا على مستوى المجتمع نفسه. لدينا في القدس مساحات ومؤسّسات مثل «يبوس» و«الحكواتي»، لكنّ المجتمع ليس جاهزًا في رأيي. والجمهور الّذي تستقطبه العروض الراقصة قليل، ومن ثَمّ لا تلاحظين دعمًا من الناس. لكن هؤلاء مستعدّون لدفع ثمن تذكرة من أجل حضور عرض موسيقيّ. نحن الراقصين نحمل على أكتافنا مسؤوليّة بناء قاعدة جماهيريّة لنسير معها ونرى إلى أين نصل. لا يتحقّق فنّي دون الجمهور؛ لذلك ينبغي لي أن أعمل معه، وأن أجتهد في ذلك.

 

فُسْحَة: لفت نظري في فترة الحجر الصحّيّ في ظلّ كورونا عملك مع «مجموعة راقصي فلسطين»، ألا تعتقدين أنّ مجموعة كهذه قادرة على إحداث تغيير؟

رند: نحن راقصون، نعمل في مشاريع مشتركة، أو نشجّع بعضنا بعضًا في الأقلّ. لديّ علاقات طيّبة جدًّا براقصين من جيلي، لكنّا نفتقر إلى تشجيع من راقصين أو أشخاص لهم باعهم الطويل في هذا المجال. اللّحمة في حقل الرقص تعود بفائدة كبيرة على صنّاعه. اشتركنا في مخيّم صيفيّ مع فريق من شباب نابلس، «ستيريو 48»، تجمّعنا من مناطق مختلفة، وقرّرنا إنشاء منصّة تجمعنا راقصاتٍ وراقصين، نستطيع من خلالها أن نوصل ما يحدث في المشهد الراقص إلى الجمهور. أسّس الصفحة على موقع إنستغرام كلّ من حلا سالم وإبراهيم فينو. نأمل في أن تتحوّل هذه المنصّة إلى حراك يتمكّن من توفير فرص ومساحات يلجأ إليها الراقصات والراقصون، من أجل تسهيل طرقهم في إنتاج العروض والحصول على الدعم المادّيّ. لمّا نصل بعد إلى هناك، فالطريق طويل.

 

فُسْحَة: هل ننهي الحوار بأن تحدّثينا عن مشاريعك القريبة، أو الأفكار الّتي تختمر عندك؟

رند: أقضي معظم وقتي ضمن «فرقة شادن للرقص المعاصر» في الناصرة، وأنا سعيدة بانضمامي إليها. لأوّل مرّة أشعر بأنّ في استطاعتي في هذا البلد أن أرقص في ظروف مهنيّة. أمّا عن الأعمال فلا أفكّر في مشاريع خاصّة؛ بسبب الأوضاع الّتي تفرضها جائحة كورونا، لكن تشغلني بعض الأفكار الّتي ترتبط بجذب الناس إلى مجال الرقص، كأنْ أمرّر ورشات عمل لأناس لا يملكون أيّ خبرة في مجال الرقص. أتمنّى أن أتمكّن من تحقيق هذا المشروع؛ فأنا أحبّ أن أعمل بشكل مباشر مع الناس الّذين لا يجيئون من هذه الخلفيّة، وقد لا يملكون الجرأة أيضًا، أو ربّما يعتقدون أنّ أجسادهم غير قادرة على التعامل مع هذا النوع من الفنّ، لكنّهم يرغبون في تذوّق الشعور الّذي يجلبه الرقص. الهدف من هذه الورشات أن يدرك المشارك الأبعاد الّتي تحقّقها حركة الجسد، وأنّ علاقة الشخص بجسده المتحرّك ستعود بمدارك ومعانٍ لشخصه ولنفسه، قبل أن تكون فنًّا.

 

 

تُنْشَر هذه المادّة ضمن ملفّ «العاصمة»، الّذي تخصّصه فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة لتسليط الضوء على الفعل الثقافيّ في مدينة القدس، والمتعلّق بها، وذلك بالتزامن مع الذكرى العشرين «لانتفاضة القدس والأقصى»، وفي ظلّ السياسات الحثيثة والمتزايدة لنزع فلسطينيّة وعروبة المدينة.

 

 

أسماء عزايزة

 

شاعرة وصحافيّة. حاصلة على البكالوريوس في الصحافة والأدب الإنجليزيّ من جامعة حيفا. لها ثلاث مجموعات شعريّة؛ "ليوا" (2010)، و"كما ولدتني اللدّيّة" (2015)، و"لا تصدّقوني إن حدّثتكم عن الحرب" (2019). تشارك في أنطولوجيّات ومهرجانات شعريّة في العالم. تُرجمت قصائدها إلى لغات عدّة. عملت لسنوات في الصحافة المكتوبة وفي التلفزة. تدير حاليًّا "فناء الشعر"، وهي مبادرة مستقلّة أسّستها عام 2017. تكتب في عدد من المنابر العربيّة.

 

 

تعليقات Facebook