صور لغسّان كنفاني

الخزّان

بدت ساحة مسرح الحرّيّة المتواضعة في جنين ملتقًى ثقافيًّا لعدد من الجنسيّات، الأحد الماضي، 28 آب (أغسطس) 2016. ألمان وهنود وفرنسيّون إلى جانب فلسطينيّين، قصدوا المسرح لمشاهدة 'صور من حياة غسّان كنفاني'.

أوحت بداية العرض أنّه سيكون صامتًا حتّى نهايته، فالقدرة التمثيليّة العالية لطلبة مدرسة التمثيل كانت جليّة وكافية لتبثّ الصمت والذهول بين الحاضرين. رسم الممثّلون خريطة فلسطين بشريط لاصق، دون إغلاق المساحات المائيّة في الخريطة؛ بحيرة طبريّا والبحر الميّت، وكأنّ هذه البقع المائيّة مفتوحة على العالم. هنا نزل الممثّل الذي يؤدّي دور غسّان كنفاني من بين الجمهور نحو خشبة المسرح ليجلس إلى مكتبه ويبدأ بالكتابة.

أمّ سعد دائمًا

قدّمت المسرحية ومضات من روايات وقصص لغسّان كنفاني؛ رجال في الشمس، وعائد إلى حيفا، والقميص المسروق، وذلك بإعادة صياغة أجزاء من تلك الأعمال الأدبيّة بأسلوب تعبيريّ يعتمد على الفعل والحركة أكثر من اعتماده على الحوار. وقد حرص المخرج أحمد الطوباسي على حضور شخصيّة أمّ سعد في تلك الومضات كافّة؛ تارة تراقب أبو سمير وهو يخبر أبو العبد بألّا يتفاجأ إن رأى أكياس الطحين تمشي ليلًا، وتارة أخرى تركب مع أبو قيس وأسعد ومروان في كيس نايلون بدلًا من خزّان الحديد ليسافروا إلى الكويت.

رافقت موسيقى مارسيل خليفة وأغانيه العرض، وقد أوضح الطوباسي أنّ موسيقى خليفة اختيرت 'للربط بين المرحلة الحاليّة وروايات غسّان كنفاني.'

اختتمت المسرحيّة بنصّ ارتجاليّ للطلبة وهم بين قصاصات من أوراق كُتبت عليها عبارات لغسّان كنفاني، فيقرؤونها ويؤكّدون على أنّها له دون أن يقرؤوا الاسم، مؤكّدين على أنّ أدب غسّان بصمة من السهل تمييزها عن غيرها.

خيمة الـ UN

في حديث لفُسْحَة – ثقافيّة فلسطينيّة مع أحمد الطوباسي، أكّد على أنّ المسرحيّة نتاج عمل وبحث طلبة مدرسة التمثيل على مدار شهر تقريبًا، تخلّلته عشرة أيّام من البحث في تاريخ وسيرة غسّان كنفاني وتحليل نصوصه، وقد استغرق التدرّب على المسرحيّة المدّة المتبقّية.

اختار الطوباسي أعمال غسّان كنفاني تلك 'لأنّها أساسيّة في حياة الفلسطينيّين ووعيهم،' وأضاف: 'مشكلتنا بدأت منذ أن قبلنا بخيمة الـ UN، وهذه من الأساسيّات التي كتب عنها غسّان ولم ننتبه لها.' وتابع: 'العرض مشروع لطلبة السنة الثالثة في مدرسة التمثيل، إذ خاضوا رحلة في تاريخ غسّان كنفاني وأدبه وحلّلوا نصوصه ضمن بحث موسّع استمرّ أسبوعين.'

في رأسنا

أكّد الطوباسي على أنّ العمل بمثابة دعوة للفلسطينيّين وغير الفلسطينيّين كي يقرؤوا غسّان كنفاني، وقال: 'لسنا بحاجة إلى أن نضع صورة غسّان في المقهى، بل نريده في رأسنا.' وأشار إلى أنّ العمل أُنْجِزَ بإمكانيّات ووقت قليلين، ودون تخصيص ميزانيّة، بل اعتمد على تعاون طاقم المسرح.

أدّى الممثلّون العرض بأزياء توحي بالعصريّة رغم قدم القصص التي يصوّرونها، فلبسوا ألوان العلم الفلسطينيّ بأسلوب شبابيّ.

وأوضح الطوباسي أنّ سبب الاعتماد على الحركة في المسرحيّة بدلًا من النصّ، يعود إلى أنّ العمل سينتقل ليُعرض أمام جمهور لا يتحدّث العربيّة، إذ سيكون العرض القادم في البرتغال. وتابع: 'الهدف ليس فهم القصّة بقدر ما هو إثارة الأسئلة لدى المشاهد ودفعه لاكتشاف المزيد عن غسّان كنفاني؛ فمثلًا في نهاية المسرحيّة نجد الممثّل معلّقًا بحبلين، في إشارة لقصّة البومة التي كتبها كنفاني، وكذلك طائرات الورق التي ألقيناها باتّجاه الجمهور، فهي تشير إلى مطار الثورة الذي تحدّث عنه الكاتب.'

'كلّ حياتي'

يُذْكَرُ أنّ مدرسة التمثيل التابعة لمسرح الحرّيّة بجنين هي المدرسة المحترفة الأولى في فلسطين، والتي تقدّم برنامج تمثيل مكثّف مدّته ثلاث سنوات. يهدف البرنامج إلى تأهيل ممثّلين ومدرّبي دراما للنهوض بالمسرح الفلسطينيّ، ويشمل البرنامج تعليم التمثيل وتمارين الصوت والرقص وكوميديا الأقنعة الإيطاليّة ومسرح الشباب وتحليل النصوص والارتجال وغيرها من المهارات. تخرّج في المدرسة فوجان من الممثّلين، والذين ساهموا في تقديم عروض في فلسطين والخارج. 

سماح أبو طبيخ إحدى طالبات مدرسة التمثيل، والتي اختارت الدراسة فيها لأنّها 'المكان الوحيد الذي أستطيع أن أتصرّف فيه كما أشاء دون قيود أو ضغوطات من أيّ كان،' وتابعت: 'المسرح ليس جزءًا من حياتي، بل صار كلّ حياتي، ومن دون الخشبة لا أستطيع أن أتنفّس.'

لا تنفي سماح وجود صعوبات في دراسة المسرح من قبل الأهل والأصحاب والجيران، وأوضحت: 'كان تحدّيًا كبيرًا لي، لكن يجوز أحيانًا أن نتّخذ قرارات مصيريّة من الممكن أن تغيّر حياتنا بالكامل.' وأكّدت سماح أنّ أهلها يحرصون الآن على حضور جميع عروضها، ويشجّعونها على الاستمرار ويمدّونها بطاقة إيجابيّة. تطمح سماح إلى أن يكون في جنين 'مسرح مثل العالم والناس، وأن ندعم بعضنا حتّى يتطوّر هذا المجال الضخم، وأن تنتشر هذه الثقافة ونكون أكثر وعيًا تجاهها'. 

تعليقات Facebook