سياسات الحيّز العامّ وأشكال تفاعلات الدولة: حالة مسرح الميدان نموذجًا

 

المصدر: تدوين.

ترجمة : فريق التحرير.

يكشف تاريخ إسرائيل وتأسيس الدولة عن أفهام معقّدة للحيّز العامّ. عام 1948، طردت القوّات الصهيونيّة نحو 750,000 فلسطينيّ من بيوتهم؛ لكنّ نحو 15% من الفلسطينيّين بقوا في أراضيهم ليصبحوا سكّانًا في البلاد التي أصبحت دولة إسرائيل[1]. في كثير من الأحيان، أُجبرت هذه شرائح السكّان الفلسطينيّين هذه على الانتقال إلى القرى المجاورة ذات الغالبيّة العربيّة، أو طُوّقوا في أحياء معيّنة في "المدن المختلطة"، مثل حيفا ويافا، وهو ما يستدعي نقاشًا جدّيًّا حول مدى "اختلاط" هذه المدن فعلًا.

نتيجة لذلك، فإنّ داخل إسرائيل عدّة أحياز عامّة؛ حيّز لجميع المواطنين الإسرائيليّين، وحيّز للمواطنين اليهود، وحيّز للمواطنين الفلسطينيّين[2]. مع كلّ هذه التقسيمات داخل الحيّز العام، يصبح السؤال: ما هو الحيّز العامّ على وجه التحديد؟ كيف يمكننا فهم تعريف يورغن هابرماس للحيّز العامّ الذي يقوم على "نوعيّة الحوار وعلى كمّيّة المشاركة" في ضوء العلاقة مع فلسطينيّي 48، وكيف واجهت دولة إسرائيل خلق الحيّز العامّ لفلسطينيّي 48؟[3]

للبحث عميقًا في هذه القضيّة، تحاول هذه المقالة تفحّص حالة "مسرح الميدان" في حيفا: المدينة المختلطة، التي تجمع في أحيائها بين جميع الأفهام المختلفة عن الحيّز العامّ في الوقت نفسه.

مسرحيّة "الزمن الموازي

يقف "مسرح الميدان"، مثل العديد من المسارح التي تستهدف الجمهور الفلسطينيّ في إسرائيل، وجهًا لوجه مع سؤال موقعه في الحيّز العامّ. فبصفته مسرحًا، تُطرح مجموعة من الأسئلة بشأن مدى كونه متاحًا وفقًا للتراتبات الطبقيّة؛ بالإضافة إلى هذه التحليل الطبقيّ لموقع "مسرح الميدان" داخل الحيّز العامّ، لا بدّ أن ننظر إلى تاريخه وموقعه بعين الاعتبار، والأهمّ من ذلك، النظر إلى تفاعلاته مع الحكومة الإسرائيليّة.

افتُتح المسرح عام 1995 بدعم من الحكومة، على أمل أن يكون مسرحًا لـ "التعايش"، لكنّ الميدان نهاية المطاف تحوّل بعيداً عن هذا الهدف[4]. بموقعه في وادي النسناس، الحيّ ذي الغالبيّة الفلسطينيّة في حيفا، كان الميدان يُنتج حصرًا مسرحيّات باللغة العربيّة لخدمة جمهوره، الذي عليه في كثير من الأحيان مشاهدة المسرحيّات، والأفلام، وغير ذلك من وسائل الترفيه، بغير لغته الأمّ، أي باللغة العبريّة، ذلك أنّ صناعة الترفيه المحلّيّة موجّهة في الغالب لتلبية احتياجات هذه الشريحة من الجمهور. تمكّن "مسرح الميدان" من جسر هذه الفجوة لفلسطينيّي 48، على المستوى اللغويّ، عبر توفير مساحة للجمهور الفلسطينيّ لسماع لغتهم الأمّ في الدولة، والأهمّ من ذلك، على المستوى السياسيّ؛ فالإنتاجات التي يستضيفها "الميدان" تعمل على زحزحة ما يُعَدّ مقبولًا سياسيًّا للعرض في الحيّز العامّ، وهنا بات التفاعل مع الدولة يؤدّي إلى التواء، وتعقيد، وتقليص في مفهوم الحيّز العامّ.

استضاف "مسرح الميدان" مسرحيّات سياسيّة مثل "1945"، التي تحكي عن قرية فلسطينيّة منسيّة في الفترة ما بين انتهاء الحرب العالميّة الثانية والنكبة. على أنّ مسرحيّة "الزمن الموازي" للكاتب بشّار مرقص، كانت المسرحيّة التي حصدت أعنف ردّات الفعل من الحكومة الإسرائيليّة. فالمسرحيّة التي تدور حول سجين فلسطينيّ [وهو وليد دقّة] متّهم بقتل جنديّ إسرائيليّ عام 1984، نجحت وعُرضت بالعربيّة عدّة مرّات. بعد ذلك، قرّر مرقص ترجمة المسرحيّة إلى العبريّة لنقل النقاش من الحيّز الفلسطينيّ المغلق إلى الحيّز العامّ لجميع المواطنين الإسرائيليّين. بعد الترجمة، انهالت التهم من المسؤولين الإسرائيليّين، لتربط المسرحيّة بالمنظّمات الإرهابيّة، وتتّهمها بتقويض الديمقراطيّة. في النهاية، جُمّد الدعم الحكوميّ لـ "مسرح الميدان"[5].

وزيرة الثقافة والرياضة الإسرائيليّة، ميري ريغيف

تُعيدنا هذه القصّة إلى "مسرح ميدان" اليوم، فبعد وعود بإيقاف تجميد الدعم والتمويل، استمرّت وزارة الثقافة بتأجيل تحويل الميزانيّة، ونتيجة لذلك، أعلن "الميدان" عن إضراب مفتوح بدأ في 24 آذار (مارس) 2017.

بهذا الاختيار للمسرحيّات والعروض التي يقدّمها، يشتبك "مسرح الميدان" مع تعريف هابرماس للحيّز العامّ، إذا فهمنا هذا الحيّز على أنّه يشمل فلسطينيّي 48 فقط. فالنقاشات التي يدفع "الميدان" باتّجاهها، عبر اختياراته للأعمال المعروضة، تتحدّى مجتمع فلسطينيّي ـ48 وتدفعهم للتفكير في تاريخهم، وموقعهم في الحاضر، ومستقبلهم (وكلّ ذلك يقع ضمن تصوّر هابرماس عن الحيّز العامّ بصفته مكانًا يمكن للبشر أن يجتمعوا فيه لمناقشة قضاياهم الملحّة والمهمّة). لكن، حين حاول "الميدان" أن يوسّع مداه في الحيّز العامّ، وهي خطوة تتوافق مع تصوّر هابرماس الذي يركّز على كمّيّة المشاركة، بالإضافة إلى نوعيّة الحوار المطروح – تحرّكت الدولة الإسرائيليّة نحو التضييق على الحيّز العامّ الذي يعزّزه "الميدان"[6]. إنّ خطوات الحكومة الإسرائيليّة بهذا الصدد تعبّر، أكمل تعبير، عن الكيفيّة التي تنظر بها الدولة إلى مجتمع فلسطينيّي 48، وكيف تنظر إلى سلامة ونزاهة حيّزهم العامّ المشترك.

داخليًّا، طوّر مجتمع فلسطينيّي 48 حيّزًا عامًّا، تغذّيه مؤسّسات مختلفة مثل "الميدان". لكن، حين تتدخّل الدولة في هذا الحوار، فإنّنا نرى بأنّها لا تعرّف هذا الحيّز على أنّه حيّز عامّ؛ بدلًا من ذلك، فإنّها تنظر إلى الحيّز العامّ لفلسطينيّي 48 على أنّه حيّز خاصّ ضمن الحيّز العامّ الإسرائيليّ الأكبر، ويجب أن يبقى الحوار الدائر في فضاء فلسطينيّي ـ48 محصورًا هناك، دون أن يُتاح له الحضور في الحيّز الأوسع.

إنّ المطالبة والتأكيد على أنّ حيّز فلسطينيّي 48 حيّز عامّ – وليس حيّزًا خاصًّا ضمن الحيّز العامّ الإسرائيليّ – فعلٌ تأكيديّ يصرّ على وجود هؤلاء الفلسطينيّين ويدافع عن حقوقهم. أمّا قبول المجتمع بتصنيف أفعالهم على أنّها جزء أدنى من حيّزهم الخاصّ، فإنّه يعني التخلّي عن حقوق التمويل والدعم (كما في حالة "مسرح الميدان")، وعن الحرّيّات المدنيّة وغير ذلك.

ممثّلو مسرحيّة 1945

علاوة على ذلك، فإنّ تصوّر الحيّز العامّ لفلسطينيّي 48 على أنّه حيّز خاصّ، وهو تصوّر يعتمد على منطق وتصوّرات الحكومة الإسرائيليّة، يُعدّ تنازلًا يسمح للدولة بالسيطرة على مجتمعهم وأجسادهم وتاريخهم. إنّ هذا الحيّز العامّ الذي يُتيح لفلسطينيّي 48 أن يطوّروا أفكارهم ومجتمعهم، لا يمكن أن يُترك لتصرّف الحكومة الإسرائيليّة، لتقرّر من جهتها ما هي الحوارات والخلاصات المناسبة، وما هي غير المناسبة. وبينما يختلف البعض مع "مسرح الميدان" في معركته للحصول على التمويل من الحكومة، فإنّ علينا أن ننظر إلى إضراب "الميدان" بصفته مطالبة بالوجود ومنصّة للتعبير، تسعى لإيجاد موقعها جزءًا من وسط أكبر وأكثر تعقيدًا داخل الحيّز العامّ لفلسطينيّي 48.

 

[1] Ghanim, H. (2015). The Nakba. Palestinians in Israel: Readings in History, Politics, and Society. 16-25.

[2] يمكن تقسيم هذه الأحياز إلى أحياز إضافيّة تشمل حيّزًا للدروز وآخر لليهود الإثيوبيّين، وآخر لليهود المزراحيين، وآخر للمهاجرين من إريتيريا، إلخ. لكنّنا سنقتصر على الأحياز الثلاثة التي ذكرناها في المتن لأغراض هذه الورقة.

[3] Calhoun, C.J. (1992). Introduction: Habermas and the Public Sphere. Habermas and the Public Sphere. 1-48.

[4] Hoval, R. (2011, March 22). Al-Midan Theatre is in danger of being closed. Haaretz.

[5] Erlanger, S. (2016, January 29). Israel, Mired in Ideological Battles, Fights on Cultural Fronts. New York Times.

[6] Calhoun, C.J. Ibid.

تعليقات Facebook