"المتحف"... الموت كتُحفة فنّيّة!

الممثّلان هنري أندراوس ورمزي مقدسي في "المتحف" | خلود طنّوس

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

كيف يمكن الإنسان أن يجلس أمام صراع مسرحيّ، متأرجحًا في تعاطفه مع كلا الطرفين؟ وكيف يمكن أن يعبّر عمّا خلق فيه هذا الصراع، المدجّج بالتقنيّات الجميلة التوظيف، بلا أن يُفسد على المشاهد المحتمَل متعة ذهنيّة نفسيّة مركّبة تنتظره؟

ينجح التعاطف بوجود صوت يحمل بعضًا من الألم، يجتذبني نحوه؛ فأقول: "مُحقّ هذا المحقّق"، ثمّ يسرقني ذاك بحدّته وفطنة أسئلته ورونق جريمته؛ فأقول: "كانت هذه حربه وهؤلاء ضحاياها كما هي الحال في كلّ حرب".

كم من الصعب أن أحاول ترك هويّتي جانبًا، وأجرّد النصّ المسرحيّ من أيّ انتماء محتمَل، في محاولة لاستيعاب وجهتَي النظر الحاضرتين أمامي، قبل الحكم على إحداها بالإعدام تماهيًا مع الأخرى!

لا يمكنني أن أنتزع انطباعي من سياق سياسيّ آلفه جيّدًا، لا يمكنني إلّا أن أحمّل النصّ كما هو؛ تأويلات ترتبط ارتباطًا وثيقًا بقضيّة الفلسطينيّ الّذي يحمل حربه في جيوبه

لكن هذه المحاولة غير ممكنة، لا يمكنني أن أنتزع انطباعي من سياق سياسيّ آلفه جيّدًا، لا يمكنني إلّا أن أحمّل النصّ كما هو؛ تأويلات ترتبط ارتباطًا وثيقًا بقضيّة الفلسطينيّ الّذي يحمل حربه في جيوبه، ويتنقّل بها من بيته إلى عمله وجامعته، وأزمة سيره، ونشرة أخباره. لا يمكن الاحتلال ألّا يتجسّد أمامي ولو بأجزاء من المشهد، كيف يمكن "باب العمود" المُعزَّز بسوق عظيم ألّا يتبادر إلى الأذهان، ونحن نسير مع النصّ نحو الملحمة، ونعود حاملين ذبيحة لإعداد العشاء الأخير؟

 ثمّ تتدحرج احتمالات السؤال: عندما تنتهج سلطة احتلاليّة منهج شطب أسماء أعدائها عن قبورهم؛ هل تعاقبهم حقًّا؟ هل يفنون بفعل ذلك؟ هل يفنى ذكرهم؟ هل تسقط عن شخص صفة ما – ربّما بطوليّة - إذا لم تُقَم له جنازة؟ هل للجنازة دور في تخليد الميّت أو ذكراه؟

***

"المتحف" من إنتاج "مسرح خشبة في حيفا، وإخراج بشّار مرقص، يتعدّى أنّه عرض مسرحيّ، عرض فنّيّ حديث يصطدم بالحياة، ويوثّق طقس الاستعداد للموت.

استعدّوا للجلوس صامتين كما في المتاحف. جلسنا، ثمّ بدأنا نشاهد توثيقًا لفصل من تاريخ البشريّة، حين يُذبح الإنسان بطرق آليّة وسط ملاحم عصريّة معقّمة، ذات إضاءة خافتة باردة، وموسيقى كلاسيكيّة شبه جنائزيّة تضفي على الدم بعض الأناقة. جريمة تُسرَد بالكثير من التلذّذ بأطياف الجثث، ثمّ يعاقَب القاتل لارتكابه جريمة قتل بقتل نفسه قبل جسده! أيّ هراء يرتكب الإنسان باسم العدالة! يكرّس الإنسان ما ينهى عنه. خمسة فصول مسرحيّة ما هي إلّا دوائر متكرّرة ومتشابكة ومعقّدة، تتعارك فيها فلسفتا الموت والحياة، اللتين لا قيمة لإحداهما لولا منافسة الأخرى.

تلذّذت في استحضار اللسعة مرّة تلو الأخرى، مثل تلك اللحظة الفاصلة الّتي يكتسي فيها القانون بحلّة سوداء، ويتعرّى القاتل. في تناقضهما الشكليّ تتراكم الدلالات، ما السلطة وما القانون مقابل الإنسان؟

مثير هذا الموت المؤرّخ المُمسرح، مثير تناقض البشر وقلّة حيلتهم في الحُكم على الموت وصانعيه. مثير للشفقة تهاوي منظومة سياسيّة - أيًّا كان حجم عظمتها وتطوّرها ونفوذها – تهب سبع سنوات من دورة حياتها وهي تحوم حول "قاتل" تريد معاقبته، سبع سنوات تعني استبدال حكومتين؛ حكومتين تتابعان التفكير في كيفيّة معاقبة قاتل واحد لم يخش من أن ترصده أعين كاميرات المراقبة في المتحف، لم يتردّد في تنفيذ خطّة بدقائق قليلة، ليعيش بعدها عبئًا على سلطة تتعذّب بإيهام نفسها بأنّها تنجح في تعذيب السجين، بممارستها عنفًا نفسيًّا متمثّلًا بتكرار سرد الجريمة، وإحصاء أسماء الضحايا، ووصف اللحظة التاريخيّة الحاسمة الّتي طُبعت على إحدى زوايا المتحف، موقَّعة باسم القاتل وضحيّته معًا... فرد يتفوّق على دولة ذات سيادة، لا يخشى أبدًا من حتميّة أنّه مخلوق، أليست هذه تحفة فنّيّة جديرة بتحويلها إلى مزار؟ مزار يضمن للقاتل البقاء في ما تتهاوى الأنظمة والحكومات وتتبدّل، وهو – القاتل - الحيّ الباقي!

غادرت القاعة مع بعض الخرابيش، دلائل تُسعفني عندما أناقش بيني وبيني مقاطع كاملة حفظتها غيبًا وردّدت حواراتها؛ كي لا أنسى لسعتها الأولى لخيالي. تلذّذت في استحضار اللسعة مرّة تلو الأخرى، مثل تلك اللحظة الفاصلة الّتي يكتسي فيها القانون بحلّة سوداء، ويتعرّى القاتل. في تناقضهما الشكليّ تتراكم الدلالات، ما السلطة وما القانون مقابل الإنسان؟ أيّهما أبقى وأقدر وأطول عمرًا؛ آلقانون الّذي يدّعي العدل بإعدام قاتل تفنّن في حبك جريمة، أم القاتل الّذي تودّعه روحه ويبقى اسمه كطبقة عنيدة تغطّي دم ضحاياه؟ نحن نتذكّر قاتلًا واحدًا وننسى عشرات الضحايا؛ بهذا يتفوّق القاتل على ذاكرتنا، وعلى محاولاتنا تغييبه عن وجه الأرض!

هل هو فعلًا فنّان فاشل؛ مَنْ تمكّن من زجّ اسمه عنوة، على لوحة لا تُضاهيها لوحة في متحف؟

***

على مدار العمل، يُثار الكثير من الأسئلة، أسئلة عن طقوسنا وممارساتنا، وقناعاتنا ومسلّماتنا، وأكثر حدّة وصعوبة تلك الّتي تتساءل عن الأبعاد اللغويّة والمعاني المبطّنة، عمّا يختبئ وراء بعض الحوارات.

هل تختبئ الحميميّة وراء العنف والندّيّة بين محقّق وسجين؟

مقابل منفّذ عمليّة قتل يُشهر جريمته للعيان، يختبئ منفّذ عمليّة قتل آخر، مدعوم بالقانون، طبيب يحرّر إبرة مادّة كيماويّة قاتلة إلى جسد المحكوم، لِمَ يبق هذا مجهولًا حتّى عن مسامع ضحيّته؟

أنحن ضدّ السلطة لأنّها تقع فعلًا على الجانب المظلم من المعادلة البشريّة، أم نحن نُساق ضمنًا – كالخراف – لاعتقاد أنّ ثمّة جانبين، أبيض وأسود، سلطة قامعة ومواطنين أبرياء؟

مقابل منفّذ عمليّة قتل يُشهر جريمته للعيان، يختبئ منفّذ عمليّة قتل آخر، مدعوم بالقانون، طبيب يحرّر إبرة مادّة كيماويّة قاتلة إلى جسد المحكوم، لِمَ يبق هذا مجهولًا حتّى عن مسامع ضحيّته؟

***

ربّما يقوم عمل فنّيّ في مكان ما، دون أن يكون مرتبطًا أو مستمِدًّا حقيقته من المكان الّذي وُلد فيه، لكنّي أميل إلى اعتقاد أنّ من مزايا "المتحف" قدرته على التكيّف أينما عُرض. كلّ جمهور يمكنه أن يحمّل هذا العمل بعضًا من ثقافته وتاريخه، ومتغيّراته ذات مرونة تسمح باستحضار صراعات عرقيّة أو قوميّة أو حتّى شخصيّة، جرائم متنوّعة كما معروضات المتحف المُتخيَّل. إنّ كمّيّات العنف والدم والجنس الحاضرة هنا لا تُثير الغثيان، كما لا تُثير الشهوة... بل تُثير العقل.

ما كان ينقصني في هذه الزنزانة إلّا القليل من رائحة الشامبون أو اللحم النيء.

 

 

سماح بصول

 

تسكن في الرينة، شمال فلسطين. صحافيّة، محرّرة 'دوغري نت' بالعربيّة، ومركّزة مشروع الإعلام العربيّ في مركز 'إعلام'. حاصلة على البكالوريوس في اللغة العبريّة وأدبها، والماجستير في ثقافة السينما، وتدرس حاليًّا الماجستير في الأدب العربيّ.

 

 

تعليقات Facebook