"إِمْ لَحْقَة": المشكلة الّتي لا اسم لها

لنا زريق

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

"لم يعُد في مقدورنا تجاهل ذلك الصوت داخل النساء، الّذي يقول: أريد ما هو أكثر من زوجي وأولادي وبيتي". صرّحت بيتي فريدان، في كتابها المُثير للجدل، وأحد أبرز محرّكات موجة النسويّة الثانية، "اللغز الأنثويّ" (1963).

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

لفتات يوميّة

مسرحيّة “إِمْ لَحْقَة” من تأليف أيمن نحّاس ولنا زريق، وتمثيل الأخيرة، وهي تبدو قراءة معاصرة ومحلّيّة لكتاب "اللغز الأنثويّ". بمهارة تمثيل خاصّة تخبّئ وراءها سنوات من خوض الدور الأنثويّ المفروض على الطفلة، والمرأة، والزوجة، والأمّ، تتمكّن لنا زريق من عرض صورة "المرأة الخارقة"، في كلّ واحد من هذه الأدوار المجتمعيّة المفروضة عليها، وأخرى المختارة منها. تبدأ المسرحيّة بالصورة المعروضة على ملصق الدعوة للعرض، فيها نرى شخصيّة ريم، الزوجة والأمّ الّتي تفرد أذرعها الثماني كالأخطبوط، محاولةً أن "تْلَحِّق" على كلّ شيء. في المشهد الأوّل تدخل ريم وفي يدها أكياس وحقيبة وأغراض وهاتف، والكثير الكثير من الأشياء الأخرى، وتأخذنا مباشرة إلى صورة الأخطبوط في الملصق، ثمّ تشاركنا في أنّ اليوم عيد ميلاد ابنتها نونا الثاني، وأنّها حامل للمرّة الثانية.

"إِمْ لَحْقَة" توظّف المسرح وخشبته أداةً لتلخيص حوارات فلسفيّة جندريّة لا تنتهي، في حركات ولفتات بسيطة جدًّا ويوميّة؛ هذه اللفتات، قد تكون من خصائص المسرح النسويّ

في محاولات تحضير كلّ شيء، بعد عودتها الباكرة من مكتب المحاماة الّذي تعمل فيه، تُشاركنا ريم قصصها اليوميّة، كأنّها جدّة تُشاطر أحفادها قصص بطولاتها الّتي تبدو لهم خياليّة، حتّى يؤكّدها السامعون صحّتها. في الواقع، هذا بالضبط ما حصل معنا، أنا وشريكتي آلاء، كزوج لمّا يحصل بعد على فرصة الوالديّة، ولم يمتحن نعمتها ولا نقمتها. ظننّا أنّ بعض تجارب ريم مُبالَغ فيها وخياليّة، كما في قصص الجدّات، حتّى سمعنا الجمهور يتفاعل بعد كلّ تجربة بأنّها حقيقيّة وواقعيّة. أضحكتنا التجارب كثيرًا، وأخذتنا في رحلة خيال جميلة، نحو مستقبل فيه الكثير من "تِلْحيق" الأمور بحضور الدكتاتوريّين الصغار، إلّا أنّنا فهمنا كذلك أنّ هذه التجارب جزء لا يتجزّأ من الحياة الزوجيّة اليوميّة، وجزء من القوالب الجندريّة النمطيّة الّتي نعيشها، برفضنا أو بخيارنا، حتّى قبل حضور "زينة الحياة الدنيا".

أجمل ما في المسرحيّة في نظري، أنّها تتعامل مع نفسها بجدّيّة المسرح، دون أيّ تنازلات، على الرغم من أنّها كوميديّة، وعلى حدود عرض الـ "ستاند أب". "إِمْ لَحْقَة" توظّف المسرح وخشبته أداةً لتلخيص حوارات فلسفيّة جندريّة لا تنتهي، في حركات ولفتات بسيطة جدًّا ويوميّة؛ هذه اللفتات، قد تكون من خصائص المسرح النسويّ، الّذي يوظّف الحياة اليوميّة ليعرض العالم والفلسفة بصورة مختلفة تمامًا. كما في عالم الأدب، نجد المسرح النسويّ يعرض قصصًا شخصيّة، ويشارك التجربة اليوميّة للنساء في مجتمع قامع ومضطهِد، وفارض عليها كلّ تعاليمه وقيوده، وهذا ما نجده بوضوح كوميديّ ساخر في "إِمْ - لَحْقَة".

من خلال عرض بعض هذه اللفتات الصغيرة، أسعى إلى مناقشة بعض الرسائل الجندريّة الّتي تناقشها المسرحيّة.

 

ورقة بقدونس

في أحد المشاهد الأكثر روعة في المسرحيّة، على الأقلّ في نظري، تشارك ريم الجمهور بالترشّح للتقدّم للعمل في مكتب محاماة، وقد تصبح شريكة فيه. على الرغم من كمّ السعادة الّتي تغمرها، إلّا أنّها تضجّ بمخاوف عرض الفكرة على عصام زوجها. في المشهد، تعرض ريم تخيّلاتها لسيرورة الأمور، عندما تشارك عصامًا بأنّ التزامها لوظيفتها سوف يزداد، وهو ما يضطرّها إلى قضاء وقت أقلّ في البيت، ويتطلّب منه بذل جهد "أكبر" في المهامّ البيتيّة.

مشهد السكّين خلاصة الصراع بأكمله؛ فالمساواة الجندريّة في الوظائف المنزليّة منطقيّة، إلى درجة أنّ النظر إليها غير ذلك مُحال. إلّا أنّ هذا المُحال، أصبح الوضع "الطبيعيّ" في المجتمع البشريّ الذكوريّ

تختار ريم طريقة المواجهة المباشرة، لكنّها تتراجع عنها بسرعة، ثمّ تتردّد في طريقة عرض الفكرة من خلال الدلع والإغراء، إلّا أنّها سرعان ما تتنازل عنها أيضًا، متخبّطة بين "الْحَبَلْ يهدّد قدرتي على الإغراء" من جهة، و"لن أستغلّ جسدي لإقناعه" من جهة ثانية. وهكذا بين نقد مفاهيم الجمال ومخطّط الجسد، وتوظيفها، تغضب ريم وتحمل السكّين لتبدأ بتهديد عصام "المُتَخَيَّل" بأنّها تريد التقدّم في عملها، وأنّ عليه مشاركتها في مسؤوليّات البيت.

مشهد السكّين خلاصة الصراع بأكمله؛ فالمساواة الجندريّة في الوظائف المنزليّة منطقيّة، إلى درجة أنّ النظر إليها غير ذلك مُحال. إلّا أنّ هذا المُحال، أصبح الوضع "الطبيعيّ" في المجتمع البشريّ الذكوريّ، واستعادة منطق المساواة الجندريّة، وتحطيم القوالب النمطيّة، يحتاج إلى نضال كبير، وغضب، وثورة قد تتخطّى حدود المنطق والهدوء!

إلّا أنّ ريم، سرعان ما تفهم أنّها ترفع سكّينًا في وجه شريكها، فتُعيدها إلى الطاولة، وتعود إلى محاولة المُلاءَمَة بين العمل والبيت بأبسط صورة. هذه المُلاءَمَة الخارقة بين العالَمَين تتمثّل على خشبة المسرح بأبسط صورها وأكثرها سخرية، عندما تضع ريم ملفّات المكتب فوق ضمّة البقدونس. وأخيرًا، عندما تبحث عن فاصل تضعه في الملفّ، فإنّها تختار لذلك ورقة بقدونس. لا أعرف إن كان من الممكن عرض هذا الصراع بصورة أوضح وأرقى من ملفّ مكتب، تفصل بين صفحاته ورقة بقدونس.

 

عن التربية ونكات أخرى

صورة الطفل في المسرحيّة تعرض مفهومًا غير تقليديّ ومركّبًا للطفولة، حيث نجد في شخصيّة نونا صورة الطفلة المشاكسة إلى جانب الطفلة المهذّبة والمحبوبة، وإلى جانب هذه الصورة المركّبة للطفل، ثمّة عرض واضح للتربية وللتوجّهات المختلفة فيها. يمكن مشاهدة هذا التوجّه في مشهد التهريج الرائع، فيه تلبس ريم ملابس مهرّج، وتحكي للجمهور كيف تحاول ملاحقة نونا في جميع أرجاء البيت. عرض مشهد ملاحقة نونا من قبل أمّها، يضع مرآةً للجمهور كيف تبدو ملاحقتهم لأطفالهم في جميع صورها المختلفة. في خلفيّة هذه الملاحقة نسمع موسيقى المسرحيّة اللافتة، الّتي تمثّل مزيجًا غريبًا جدًّا ومضحكًا لموسيقى المارشات العسكريّة وموسيقى السيركات. هذه المقابلة بين العسكر والسيرك، فيها مقولة ناقدة وساخرة لمفاهيم التربية الّتي تسعى إلى عسكرة الطفولة؛ فتتمثّل تهريجًا نتيجة تعامل الأطفال المارح واللاهي.

يعرض الكثير من باحثي التربية مفاهيم جديدة، تدعو البالغين إلى التعامل مع الأطفال بشكل طبيعيّ وحقيقيّ، وليس مصطنعًا وغريبًا، يصل إلى حدود السخافة والتهريج

في قراءة أخرى، ملابس المهرّج تُعيد البالغ لينظر إلى نفسه من جديد، ويحاول فَهْم إن كانت هذه الصورة الّتي يريد أن يمثّلها أمام أطفاله، مثلًا عندما يحاول محاكاتهم بطفوليّة مصطنعة؛ أي أنّه في الكثير من الأحيان نحاول جاهدين التصرّف كأطفال ليفهمونا، إلّا أنّهم قد يجدوننا عندئذٍ نتصرّف بغرابة، لأنّ هذه التصرّفات مختلفة تمامًا عن تصرّفات باقي البالغين. وهنا، يعرض الكثير من باحثي التربية مفاهيم جديدة، تدعو البالغين إلى التعامل مع الأطفال بشكل طبيعيّ وحقيقيّ، وليس مصطنعًا وغريبًا، يصل إلى حدود السخافة والتهريج.

 

"أمّ فاشلة!"

التراجيديا اليونانيّة اتّسمت على جانب من الجدّيّة والشهامة، تنطوي على شخص عظيم يمرّ في ظروف تعيسة. ما تعرضه المسرحيّة هو بالضبط هذا في وصف الأمّ، بصفتها شخصيّة خارقة تمرّ في مأزق وأزمة توقّعات تعيسة. تخاف ريم من أن يدعوها أحد بـ "أمّ فاشلة"، وتيأس مرّة تلو الأخرى كلّما عجزت عن تحقيق أحد الأمور النمطيّة المتوقّعة منها، كالطبخ وخبز الكعك، "أيّ إمّ بتعرفش تعمل كعكة لعيد بنتها؟".

تُضيف ريم أنّ مفهوم الأمّ المثاليّة يكمن في أنّها متفرّغة تمامًا لأطفالها وبيتها وزوجها، من الأحلام، ويزداد يأسها كلّما أغرقتها المسؤوليّات في بحر من الفوضى؛ تحمل قنّينة شوكولاتة، وتبدأ بشربها، كأنّها وصلت إلى أدنى صور اليأس وأدمنت المشروب.

كلّ أمّ جديدة تُخالط مجموعات الأمّهات المختلفة، تخوض هذا التنمّر من قِبَل أمّهات أخريات، يُعايرنها ويُحاسبنها ويُقاضينها على كلّ تصرّف تقوم به تجاه أطفالها. ريم تعرض هذا التنمّر تجاهها بفكاهة وغضب، بابتسامة مليئة بأنياب وصورة حقيقيّة للواقع الّذي تواجهه الأمّهات على اختياراتهنّ، وعلى الثغرة العميقة بين صورة الأمّ المثاليّة والواقع.

ذكّرني نجاحها في النهاية بقصّة "أبي، أنت تحرجني"، فيها يقوم الأب بدور غير تقليديّ، ويتقمّص دور الأمّ في التربية والاعتناء بالأطفال، وعلى الرغم من جميع الإخفاقات إلّا أنّه يتمكّن في النهاية من التغلّب على كلّ الصعاب

هذه الثغرة بين التمثيلَين واحدة من أصعب ما تواجهه الأمّهات في العالم الحديث، إذ تكون الأمّ مطالبةً بأن تكون خارقة في كلّ وظائفها، وتجاه جميع مَنْ حولها، وأحد أبرز مسبّبات هذه الثغرة الصورة الّتي تتبنّاها الكثير من الأمّهات من الإعلام العالميّ، الّذي يعرض الأمّ امرأةً خارقة بعيدة جدًّا عن الواقع، تلك المرأة الّتي تنجح في كلّ ما تفعله، ولا تواجه أيّ صعاب في تحقيق مهامّها وأحلامها. لكن علينا ألّا ننسى أنّ هذه الصورة جزء لا يتجزّأ من الثقافة الذكوريّة، الّتي توظّف مهامّ البيت وتربية الأطفال وإرضاء الزوج، والتفوّق في التعليم أو الوظيفة، حصريًّا على المرأة. تُكرّر ريم مقولة "بدّي شريك يكون شريك" مرّات عدّة في المسرحيّة، وعمليًّا تعرض لنا صورة الزوج، المفروض أن تكون طبيعيّة، وهي الّتي ترى في الوالديّة والأسريّة والزوجيّة، نشاطًا مشتركًا يتشارك فيه الزوجان.

على الرغم من كلّ التوقّعات، والفشل في الملاءَمَة بينها، إلّا أنّ ريم تتغلّب على كلّ شيء، وتكسر جميع الحدود لتنجح في النهاية في الجمع بين مختلف الأمور. ذكّرني نجاحها في النهاية بقصّة "أبي، أنت تحرجني"، فيها يقوم الأب بدور غير تقليديّ، ويتقمّص دور الأمّ في التربية والاعتناء بالأطفال، وعلى الرغم من جميع الإخفاقات إلّا أنّه يتمكّن في النهاية من التغلّب على كلّ الصعاب، ليصنع أروع كعكة لابنه. هكذا تنجح ريم في النهاية، على الرغم من جميع الإخفاقات في الطريق، وعدم قدرتها على صنع الكعك، إلّا أنّها تتمكّن من ترتيب خشبة المسرح كلّها، بما يشمل مهامّ الوظيفة محاميةً، وإعدادها لعيد ميلاد نونا.

 

"اللغز الأنثويّ"

كما عرضت في البداية، ذكّرني هذا العمل المسرحيّ بكتاب "اللغز الأنثويّ" لبيتي فريدان، وكأنّ لنا زريق وأيمن نحّاس يعرضان نموذجًا معاصرًا ومحلّيًّا لذلك الكتاب، قصدًا أو دون قصد. في بحثها، أجرت فريدان مقابلات مع مجموعة كبيرة من النساء، ومعظمهنّ أبدَين عدم رضًا عن طبيعة حياتهنّ ربّات منازل. تستنتج فريدان أنّ معظم النساء ضحايا المفاهيم المغلوطة، الّتي تفرض عليهنّ إيجاد هويّاتهنّ وتحقيق ذواتهنّ، من خلال أزواجهنّ أو أطفالهنّ.

فريدان تُسمّي هذه الإشكاليّة بـ "المشكلة الّتي لا اسم لها"، وهكذا فإنّ "اللغز الأنثويّ" يمنع النساء من بناء هويّات فرديّة تتعدّى حدود الوظائف المنزليّة. هذه المفاهيم جزء لا يتجزّأ من الإعلام الّذي يمجّد النساء، أمّهاتٍ وزوجات مثاليّات فقط

فريدان تُسمّي هذه الإشكاليّة بـ "المشكلة الّتي لا اسم لها"، وهكذا فإنّ "اللغز الأنثويّ" يمنع النساء من بناء هويّات فرديّة تتعدّى حدود الوظائف المنزليّة. هذه المفاهيم جزء لا يتجزّأ من الإعلام الّذي يمجّد النساء، أمّهاتٍ وزوجات مثاليّات فقط، ويعرض النساء اللواتي يُعارضن هذه المفاهيم نساءً منغمسات في الرجولة.

جرت الكثير من المياه في نهر النسويّة، وتغيّرت النظريّات، وتطوّر النقد النسويّ ليعترض على "اللغز الأنثويّ" أيضًا، وعلى الموجة الثانية للنسويّة، لكن هذا ليس المكان للتعمّق في الفلسفة النسويّة والموجات التالية. ما أريد قوله أنّ القراءة الّتي تقدّمها "إِمْ - لَحْقَة"، مركّبة أكثر من "اللغز الأنثويّ"، ومواكِبة للعصر ومجتمعنا أكثر ممّا عُرض في الكتاب. أظنّ أنّ هذه المسرحيّة مثاليّة للعرض للأزواج الشابّة في بداية حياتهم الزوجيّة، تحديدًا لأنّها تعرض الأمور ببساطة وفكاهة وسخرية، وبعيدًا عن اللغة الفلسفيّة العميقة.

على الرغم من أنّي وشريكتي لمّا نذق طعم الوالديّة بعد، إلّا أنّنا تواصلنا مع المسرحيّة جدًّا، وشعرنا بأنّها أرض خصبة لدفعنا إلى مناقشة وحوار حول تقسيم الوظائف المنزليّة الحاليّة، وعرض صورة أوّليّة ومركّبة لتصوّر حياتنا الأسريّة المستقبليّة، بعيدةً كانت أو قريبة.

..........

"إِمْ لَحْقَة"

عرض "مسرح السرايا" في يافا. المدّة: ساعة وخمس دقائق.

تمثيل: لنا زريق. تأليف: أيمن نحّاس ولنا زريق. تصميم ديكور وملابس: نردين سروجي. تشغيل: شادي عويدات. إخراج:  أيمن نحّاس. 

 

 

لؤي وتد

 

 

باحث ومحاضر في ثقافة الأطفال والشباب، طالب دكتوراه في "جامعة تل أبيب"، في مجال "أدب الأطفال العالميّ والفلسطينيّ"، محرّر موقع "حكايا".

 

 

 

تعليقات Facebook