«الباب» لغسّان كنفاني... أسطورة عربيّة للبحث في الوجود الإنسانيّ

من آثار منطقة العلا في شبه الجزيرة العربيّة

 

في مقالة سابقة بعنوان «مسرح سارتر... الوجوديّة على الخشبة»، تناولنا مجموعة من خصائص المسرح الوجوديّ، وتحديدًا مسرح الفيلسوف الفرنسيّ جان بول سارتر Jean-Paul Sartre، مسلّطين الضوء على مبدأ «الالتزام» في هذا المسرح وربطه بمسألة الحرّيّة وقضاياها.

في هذه المقالة سنعالج مفهومين بحثتهما عميقًا وطوّرتهما الفلسفة الوجوديّة، هما «الأنا» و«الآخر»، وذلك من خلال «مسرحيّة الباب» للشهيد غسّان كنفاني (1963 – 1972)، عبر تحليل مواقع الشخصيّات في الأحداث ومواقفها ضمن صراعات القوى والمفاهيم في المسرحيّة.

 

زمن الكتابة

كتب غسّان كنفاني «مسرحيّة الباب» عام 1964، حين كان الفدائيّون الفلسطينيّون يستهدفون الاستعمار الإسرائيليّ على نحو محدود في حينه، ويحاربون التشتّت الّذي لحق بهم، ويحاولون لمّ شمل بعضهم بعضًا تحت قيادة سياسيّة واحدة. هي السنة الّتي عُقدت فيها أوّل قمّة عربيّة، وتأسّست «منظّمة التحرير الفلسطينيّة» الّتي ضمّت معظم الفصائل والجماعات المسلّحة الفلسطينيّة آنذاك.

اختار كنفاني «أسطورة عاد» العربيّة ليكتب «مسرحيّة الباب»، لتعبّر عن فكره الثوريّ، من خلال اعتماده على بعض الأفكار الفلسفيّة، مثل: الأنا، الآخر، الإرادة الحرّة، تقرير المصير، القرار، الالتزام، المسؤوليّة، القلق، الخطيئة، حقيقة الإله، حقيقة الموت، معنى الحياة...

إنّ كنفاني، وبعد أن وصل إلى بيروت بطريقة "خارجة عن القانون"، كان قد استمرّ هناك في عمله الصحافيّ، ونشاطه السياسيّ السرّيّ في «حركة القوميّين العرب»، كما أنّه كتب هذه المسرحيّة خلال تواريه عن الأنظار في تلك الفترة، بسبب حرب الاعتقالات الّتي شنّها النظام اللبنانيّ ضدّ القوميّين العرب في لبنان، بعد محاولة الانقلاب العسكريّ الفاشلة الّتي قام بها «الحزب القوميّ السوريّ الاجتماعيّ» عام 1961؛ فكتب كنفاني خلال اختفائه الكثير من أعماله، من أهمّها رواية «رجال في الشمس» (1963)[1]، أي قبل عام من نشر «مسرحيّة الباب».

اختار كنفاني «أسطورة عاد» العربيّة ليكتب «مسرحيّة الباب»، لتعبّر عن فكره الثوريّ، من خلال اعتماده على بعض الأفكار الفلسفيّة، مثل: الأنا، الآخر، الإرادة الحرّة، تقرير المصير، القرار، الالتزام، المسؤوليّة، القلق، الخطيئة، حقيقة الإله، حقيقة الموت، معنى الحياة... إلخ؛ وهذا ما قد يغفر له قليلًا هشاشة الفعل المسرحيّ في تجربته المسرحيّة الأولى، فتكاد «الباب» تخلو من الفعل المسرحيّ الحديث، وقد عبّر عن ذلك الناقد والمترجم الفلسطينيّ جبرا إبراهيم جبرا: "إنّ المسرحيّة مثقلة بالفكرة السكوتيّة أكثر منها بالفعل الدراميّ..."[2].

 

الأسطورة المرجعيّة

كان «قوم عاد»، وفق الأسطورة، يعيشون في منطقة تُسمّى «الأحقاف»، تقع في الجزء الجنوبيّ من الربع الخالي لشبه الجزيرة العربيّة، و«عاد» هو ابن عوص (أو عوض) ابن إرم ابن سام ابن نوح، وهو ملك هذه القبيلة، وهو الحفيد الثاني للنبيّ نوح.

تقول الأسطورة إنّ قوم عاد كانوا يعبدون ثلاثة أوثان، هي: «صدّاء»، و«صمود»، و«هَباء»، فبعث الله لهم نبيًّا اسمه «هود» ليهديهم إلى الدين، لكنّهم رفضوا هذه الهداية، فعاقبهم الله بأنّه منع عنهم المطر، فأصابهم القحط والجفاف؛ فأرسل عاد وفدًا إلى مكّة ليستسقي الماء، لكنّ الوفد الّذي نزل ضيفًا على معاوية بن بكر في مكّة، نسي المهمّة الّتي جاء من أجلها؛ إذ أقاموا عنده شهرًا يشربون الخمر ويستمتعون بغناء جاريتين أكرمهم بهما معاوية، وكانتا تُسَمَّيان «الجرادتين». ولمّا طالت إقامتهم بينما الجفاف يقتل قبيلتهم في الأحقاف، اضطرّ معاوية إلى أن يجعل الجرادتين تذكّران الوفد بالمهمّة الّتي جاؤوا من أجلها، عن طريق تضمين ذلك في الغناء. وعندما خرجوا للاستسقاء، كان في الوفد مَنْ يؤمن باللّه الّذي دعا إليه النبيّ هود، فاستجاب الله لدعائه، فقدّم له ثلاث غيمات في السماء، بيضاء وحمراء وسوداء، ليختار واحدة منها، فاختار السوداء معتقدًا أنّها الأكثر حملًا للمطر، إلّا أنّها كانت تحمل الموت لقوم عاد. وجرت السحابة من مكّة إلى أن وصلت الأحقاف، فأهلكت قوم عاد، ويرث عاد ولده شديد الّذي ما يلبث أن يموت، فيرثه أخوه شدّاد الّذي يبني مدينة تنافس جنّة الله، وهي «مدينة إرم» الّتي وُصفت في القرآن {إرم ذات العماد، الّتي لم يُخلَقْ مثلُها في البلاد}. أمّا شدّاد فلا يستطيع دخولها بسبب غضب الآلهة، وحين يُصرّ على ذلك يرسل إليه الله أصواتًا قاتلة؛ فيموت وتتهاوى المدينة[3].

 

«الأنا» في صراعه مع «آخره»

تبدأ المسرحيّة، وكان عاد قد أعلن الحرب على هَبا، أمّا عن السبب الأوّل لهذه الحرب فهو ليس واضحًا، وهذا ما يجعلنا نضع تصوّرًا حول هذا الصراع، بأنّه ذلك الصراع الوجوديّ الّذي يفتعله «الأنا» بمجرّد وجود «الآخر»، فـ «الأنا» تشعر بالتهديد لأنّها تدرك وجود الآخر أوّلًا، وثانيًا لأنّها تدرك أنّ «الآخر» يدرك وجودها، وقد تطوّر الصراع بين عاد وهَبا عن طريق الخطيئة، ويتّضح ذلك من خلال تحدّي عاد المتزايد للآلهة، بسبب ذلك العقاب الجماعيّ القاسي بالجفاف والقحط، الّذي أنزله هَبا على القوم كلّهم؛ إذ يعتقد عاد أنّ الإله يجب أن يسقي شعبه، وأنّ الخطيئة، أيّ خطيئة، يجب ألّا تدفع الإله إلى الانتقام بأن يقتل النبات ويجفّف الضروع ويزرع الجوع[4]. ثمّ نكتشف أنّ أفكار عاد نبتت في رأسه منذ أعوام، "فقد توصّل إلى الإيمان بأنّ نوحًا قد باع الأرض مقابل نجاته؛ إذ لولا ذلك لما كان لهَبا أن يدمّر الأرض، لقد كان يفتّش عن إنسان واحد يبدأ معه من جديد، وقد وجد ذلك الإنسان في نوح!"[5].

يستمرّ عاد في تحدّي هَبا بكامل عناده؛ فهو يرفض رفضًا قاطعًا أن يطلب غفران هَبا من أجل الماء؛ لأنّه "يعتقد أنّ طلب الغفران ذلّ"، وأنّ الخطيئة يجب ألّا تكون دافعًا للعقاب أو الحرمان من الماء؛ فالإله يسقي الناس في جميع الحالات -  حتّى في حالة الخطيئة -  وإلّا فهو لا يستحقّ أن يكون إلهًا

يستمرّ عاد في تحدّي هَبا بكامل عناده؛ فهو يرفض رفضًا قاطعًا أن يطلب غفران هَبا من أجل الماء؛ لأنّه "يعتقد أنّ طلب الغفران ذلّ"، وأنّ الخطيئة يجب ألّا تكون دافعًا للعقاب أو الحرمان من الماء؛ فالإله يسقي الناس في جميع الحالات -  حتّى في حالة الخطيئة -  وإلّا فهو لا يستحقّ أن يكون إلهًا يستحقّ العبادة.

 ثمّ تتأكّد نظرتنا عن «الآخر» في المسرحيّة عندما تتبيّن استحالة نفي وجوده، فها هو«عاد» يحاول استسقاء المطر من آلهة مكّة، أي أنّه يحاول استثناء «الآخر» عن طريق استبدال «آخر» جديد به، لكنّ ذلك يبوء بالفشل؛ إذ لا بدّ من مواجهة «الآخر»، فالصراع بين «الأنا» و«الآخر» قائم على المواجهة بينهما دون إمكانيّة إنكار وجود أيٍّ منهما. ونستطيع الاستدلال على ذلك من خلال فكرة سارتر عن «الآخر» في مسرحيّة «جلسة سرّيّة» مثلًا، حيث إنّ «الآخر» ينكشف لنا منذ البداية باعتباره موجودًا لذاته، ولا حاجة لنا إلى إثبات وجوده.

 

جنّة الأرض وجنّة السماء

لا وجود لـ «الأنا» إلّا بوجود «الآخر»، إنّ عدم وجود «الآخر» يعني عدم وجود «الأنا»، والعكس صحيح. ولمّا انتهى الفصل الأوّل بانتصار هَبا وموت عاد، عند ذلك لا بدّ من استكمال المعادلة الحتميّة بين «الأنا» و«الآخر»، فيأتي «شدّاد» ليحلّ محلّ أبيه عاد مقابل هَبا، في رمزيّة أنّ الفكرة لا تموت، بل تنتقل من ذات إلى أخرى، فكيف إذا كانت الفكرة هي مجابهة الآلهة؟

يذهب شدّاد إلى أبعد ممّا ذهب إليه أبوه، فها هو يحاول أن يتخلّى عن «الآخر» بشكل كلّيّ، فيبني جنّته «إرم» في الأرض لتكون بديلًا عن الجنّة الّتي سوف يمنحها له هَبا؛ وهو ما يُغضب الأخير فيحرّم عليه دخولها، ويتوعّده بالموت والعقاب إذا دخلها.

إنّ أسلوب شدّاد في تحدّي هَبا قائم على فكرة الاكتمال بمعزل عن «الآخر»، أي أن تحلّ «الأنا» محلّ «الآخر»؛ فيؤدّي إلى نفي «الآخر» من الوجود بالنسبة إلى«الأنا». يقول شدّاد لأمّه عندما تسأله عن السبب الّذي يجعله يدخل «إرم» رغم معرفته لمصيره: "وضعت في ذهني أن أبني جنّتي، فأتخلّص من هَبا، وأجعل من نفسي هَبا لا يريد أن يُطاع، ولا يريد أن يطيع"[6]، وفي هذا تصريح ضمنيّ بأن لا وجود لـ «الأنا» دون وجود «الآخر»، بل إنّ «الأنا» لا تكتمل أصلًا ولا تحقّق ذاتها إلّا بوجود «الآخر»، وإلّا لما كان اعتراف شدّاد بأنّ "عدم وجود هَبا، نهائيًّا، مأساة فاجعة أخرى!"[7].

يبدو أنّ الصراع القائم بين «الأنا» و«الآخر» صراع أبديّ، لا توقفه الظروف بما فيها الموت؛ فالموت ليس سوى مرحلة ظرفيّة من مراحل الصراع الّذي سيستمرّ أثناء هذا الموت وبعده؛ فـشدّاد يختار مواجهة هَبا وكأنّه ذاهب إلى الموت بقدميه...

يبدو أنّ الصراع القائم بين «الأنا» و«الآخر» صراع أبديّ، لا توقفه الظروف بما فيها الموت؛ فالموت ليس سوى مرحلة ظرفيّة من مراحل الصراع الّذي سيستمرّ أثناء هذا الموت وبعده؛ فـشدّاد يختار مواجهة هَبا وكأنّه ذاهب إلى الموت بقدميه؛ الموت حتميّ وضروريّ لاستكمال الصراع.

 يختار شدّاد أن يستمرّ في التحدّي سعيًا منه لتحقيق ذاته وإدراك كينونته، حتّى لو عن طريق الموت باحتمالاته الصعبة الّتي وضعها شدّاد، عندما قال: "فكرة أن أموت، أن أقاتل هَبا وأصواته في الصحراء، وحيدًا إلّا من سيفي وذراعي، أن أخطو إلى موتي خطوة باسلة وراء خطوة باسلة، ألّا أرتدّ حتّى أزرع في الأرض جنّتي، أو أقتلع من السماء جنّته، أو أموت، أو نموت معًا"[8].

سوف يعتقد الّذي يقرأ المسرحيّة لأوّل مرّة أنّ كنفاني سيسلّم راية «الأنا»، الّتي ورثها شدّاد عن أبيه عاد، إلى ابنه مرثد، بمجرّد انتهاء الفصل الثاني بذهاب شدّاد إلى «إرم». لكن في الفصل الثالث، وبعد وصول خبر موت شدّاد في طريقه إلى «إرم» قبل أن تسقط هي الأخرى وتتهاوى في الصحراء، سرعان ما يصرّح مرثد عن عدم إيمانه بجنّة هَبا، وهذا هو السبب الّذي يجعله يقرّر أن يبني جنّته في الأرض، كما فعل أبوه. يقول مرثد لجدّته: "أمّا أنا فأفكّر في المملكة، أريد أن أجعل منها جنّة"[9].

أمّا عدم إيمانه بجنّة هَبا، فهو يعتقد أنّه لو كان هنالك جنّة، أو جنّة أروع من «إرم»، لكان الأحرى أن يترك هَبا أباه شدّاد ليكتشف ذلك بنفسه، لكن لا توجد جنّة، وإذا كان هناك واحدة فهي لن تعطي التعويض الجدير بعذاب الحياة، لقد خاف هَبا أن يكتشف شدّاد ذلك! هذا كلّه قبل أن تأخذنا المسرحيّة إلى الفصل الرابع لاستكمال الصراع القائم بين شدّاد وهَبا بعد الموت.

 

إدراكان

تحين لحظة المواجهة بين شدّاد وهَبا، إنّها المواجهة القائمة على الاكتشاف ومعرفة الحقيقة الّتي سعى إليها شدّاد، وفعل كلّ ما فعل من أجلها. وهنا تتّضح الأفكار والمواصفات الّتي يمكن «الأنا» أن تخلقها عن «الآخر» من تلقاء أحاسيسها الداخليّة؛ وهذا يعني أنّ معرفة «الآخر» جزء من معرفة «الأنا»، على مبدأ "لمعرفة الشيء عليك أن تعرف نقيضه"، تصبح هنا "لكي تعرف نفسك جيّدًا، عليك أن تعرف الآخر"؛ لذلك يقول هَبا: "الحكم على الآخرين قضيّة لا تهمّ المحكوم عليهم، تهمّ الحاكم"[10].

في الفصل الثالث، وبعد وصول خبر موت شدّاد في طريقه إلى «إرم» قبل أن تسقط هي الأخرى وتتهاوى في الصحراء، سرعان ما يصرّح مرثد عن عدم إيمانه بجنّة هَبا، وهذا هو السبب الّذي يجعله يقرّر أن يبني جنّته في الأرض، كما فعل أبوه...

يحاول كنفاني هنا أن يفسّر «الآخر» من وجهة نظر داخليّة لـ «الأنا»، فما يكون عليه «الآخر» بالنسبة إلى«الأنا» هو ما تكوّنه «الأنا» عنه؛ أي أنّ «الأنا» هي الّتي تختار بطريقةٍ ما كيف يكون «الآخر». وعندما قال هَبا لشدّاد عن التمثال الحجريّ الّذي تعبده قبيلته: "إنّ تمثالي الحجريّ الّذي تحكي عنه لا أعرفه، أنت نفسك قلت إنّه لا يشبهني"، فهذا دليل على أنّ «الآخر» لا يدرك نفسه كما تدركها «الأنا»، والعكس صحيح بالضرورة، وهكذا، فإنّ «الأنا» و«الآخر» في علاقة تبادليّة بشكل كلّيّ وكامل؛ فعندما لا يدرك «الآخر» الكيفيّة الّتي تدركها به «الأنا»، فإنّ ذلك يعني بالضرورة أنّ «الآخر» – كما هي «الأنا» - يدرك نفسه من خلال إدراكه لـ «الآخر» وإدراك «الآخر» له.

.........

إحالات:

[1] من حوار شخصيّ أجريته مع عدنان كنفاني، أخي غسّان كنفاني، عبر موقع Facebook.

[2] جبرا إبراهيم جبرا في تقديمه للأعمال الكاملة لغسّان كنفاني، المجلّد الثالث [المسرحيّات] (مؤسّسة الأبحاث العربيّة، 1972)، ص 16.

[3] أبو جعفر محمّد بن جرير الطبريّ، تاريخ الطبريّ، تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم، الجزء الأوّل (مصر: دار المعارف، تاريخ النشر غير معروف)، ص 216 - 232.

[4] غسّان كنفاني، الأعمال الكاملة، المجلّد الثالث [المسرحيّات] (مؤسّسة الأبحاث العربيّة، 1978)، ص 34.

[5] المرجع نفسه، ص 35.

[6] المرجع نفسه، ص47.

[7] المرجع نفسه، ص 56.

[8] المرجع نفسه، ص 50.

[9] المرجع نفسه، ص 66.

[10] المرجع نفسه، ص 90.

 

 

سعد محفوظ

 

 

من موالد مدينة طولكرم. خرّيج في المعهد العالي للفنون المسرحيّة، تونس. له مجموعة شعريّة بعنوان 'طار ما كان في يدها'، حاصلة على المرتبة الأولى في 'جائزة عبد الرحيم محمود للإبداع' - مسابقة الكاتب الشابّ.

 

 

تعليقات Facebook