«أحلى من برلين»... الحكي بطل الأغنيات

وادي النسناس

 

انسجام

يشتمل ألبوم «أحلى من برلين» الصادر حديثًا على 11 أغنية، من كتابة مجد كيّال وتلحين وتوزيع فرج سليمان. ثمّة خيط سرّيّ في كرة الصوف دفعني إلى البحث، لأجد سببًا لتماسك الألبوم على نحو يجعله كتلة واحدة جماليًّا.

في الألبوم السابق لسليمان «البيت الثاني»، وجدت أنّ أغنيتين تفوّقتا على سواهما، وهما «الندم» من كتابة بشّار مرقص، و«شارع الجبل» من كتابة مجد كيّال. لا يعني تفوّق الأغنيتين أنّ باقي الأغنيات أقلّ شأنًا، وقد كتب بعضها مبدعون مميّزون مثل عامر حليحل وحبيب شحادة حنّا، إلّا أنّ كلمة السرّ على ما يبدو هي «الانسجام». ثمّة انسجام ملحوظ بين كلٍّ من كيّال الكاتب وسليمان الملحّن، ومن ناحية أخرى يجتمع كيّال المتأمّل وسليمان القوّال أو المؤدّي.

على ما يبدو هي «الانسجام». ثمّة انسجام ملحوظ بين كلٍّ من كيّال الكاتب وسليمان الملحّن، ومن ناحية أخرى يجتمع كيّال المتأمّل وسليمان القوّال أو المؤدّي...

في الألبوم الجديد «أحلى من برلين»، اقتنص الثنائيّ كلمة السرّ بجدارة، وتمكّنا من توظيفها لخلق مساحة إبداعيّة جديدة، جاءت في ظروف الحظر بسبب كورونا (Covid-19)، كما يقولان.

 

مسؤوليّة

كلمات الأغنيات ترسم طريق العمل، على أن تتحمّل تلك المسؤوليّة، وهو ما حدث فعلًا. ثمّة نصوص في الألبوم مسؤولة عن ذاتها، وعن مقولتها، حتّى أنّها حملت على ظهرها عبء الفكرة والنوتة والجمال، ولا أقول إنّها حملت عبء اللهجة، بل تخفّفت منه حين جاءت تلقائيّة، فكأنّما يحكي كيّال نصوصه تلك لصديق حميم، لا يوجِب عليه تنميق التعابير بل قذفها كتلًا كتلًا، دون تكلّف.

في أغنية «خلّصنا غناني» الّتي تفتتح الألبوم، يفرد كيّال أرضيّة لما سيجيء:

خلّصنا غناني

بدنا نهاجر عَ برلين

بعد الشهر الثاني هناك

منكتب بوست عن الحنين

خلّصنا أغاني

مات الحبّ عنّا كفاي

عنّا صار وجهك أحلى

لمّا انكسرت لمراي

 

ويتابع ليصف الحالة بدقّة، مستندًا على نيتشه وطه حسين في شرح حالة الوحدة وشعور التخلّي، الّذي يدفع فلسطينيًّا إلى الهجرة إلى برلين وأخواتها:

خلّصنا غناني

سكّرنا تمّ الكروان

بطّل في لمين تدعي

عمّك نيتشه قتله زمان

خلّصنا غناني

نشّف ورد الأكاليل

نسينا أسماء اللّي عاشوا

واحنا متنا بإسرائيل

 

يقول الكاتب «متنا بإسرائيل» وليس «في إسرائيل»، نازعًا عن الكيان صفة المكان، ومُعْطِيًا إيّاه صفته الحقيقيّة كأداة للموت من خلال استخدام «الباء».

ثمّ في الأغنية التالية «في أسئلة براسي»، يصير القائل في برلين حقًّا، وقد مهّد لذلك في الأغنية الأولى:

بدنا نهاجر عَ برلين

بعد الشهر الثاني هناك

منكتب بوست عن الحنين

 

ويبدو أنّ الشهر الثاني حلّ فعلًا، وهو ما دفع القائل إلى إرسال رسالة حنين، طوّف خلالها في أدقّ تفاصيل حيفا؛ ثمّة ذكر لأشخاص وعادات دقيقة متكرّرة، لمحالّ قد يعرفها مَنْ مرّ بحيفا أو استقرّ، مقاهٍ وبارات، وحارات، وثقافة بيئيّة، والأهمّ من ذلك تسجيل احتجاج ناعم على فضلات الاحتلال من «لغة» تدخل في نطاق اللهجة، إلى تجمّعات صهيونيّة يتحوّل الحديث عنها إلى واقع، «الطوش مع الروس»، «جابوا ملان إثيوبيّة»، وبعد ذلك وضع كيّال كلّ هذه الحفلة التنكّريّة في نطاق شخصيّ جدًّا، حيث يعزّز أسئلته بإجابات جاهزة عن قصّة حبّ مسحولة في الشوارع؛ وأسجّل هنا لكيّال قدرته على حمل مدينة كحيفا على كتف الكلام، لنراها بصورة واضحة.

ضع كيّال كلّ هذه الحفلة التنكّريّة في نطاق شخصيّ جدًّا، حيث يعزّز أسئلته بإجابات جاهزة عن قصّة حبّ مسحولة في الشوارع؛ وأسجّل هنا لكيّال قدرته على حمل مدينة كحيفا على كتف الكلام...

وعلى هذا النحو، يمكن الحديث عن أغنيات الألبوم واحدة واحدة: «لمّا ينزل الثلج» مساحة لفلسفة الوحدة، «شارع يافا» رسالة احتجاج وسخرية من قوانين الاستعمار المبنيّة على أعناق أصحاب الحقّ، «مرثيّة لشهيد وحيد» تفوّقت فيها الموسيقى على النصّ، «قلبي في آخر الليل» تُسَجِّل للمستمع شأنًا شخصيًّا، «شو بدّك بجوزك» تجعل المستحيل ممكنًا عبر البوح بفجاجة، انتصارًا للحبّ على الواقع والحاجة، «بلا طعمة» أغنية للمخاض الفكريّ المُسْقَط على الأكل، تحوّل المكتبة إلى مطبخ والأفكار إلى وجبات، «تلّ السمك» أغنية المشهد الساحر ابتداءً من البحر وانتهاء بالقلب، «رقصة السكران» أغنية للاعتراف بخيبة الأمل وتساقط المشهد الجماليّ لحساب التجاريّ، ثمّ «صلاة»، وهي أغنية سرياليّة ربّما تصف صورة الصلاة لدى الكاتب.

 

إيقاع في الموسيقى

نصوص كهذه بما فيها من حمل فكريّ كبير، ليس من السهل إيقاعها في الموسيقى لتصبح أغاني، لكنّ الأمر يصبح مختلفًا عند فرج سليمان، لماذا؟ لأنّ جهده في التأليف الموسيقيّ يقوم على جهده الكبير في الفهم. لا يسعى سليمان إلى تنويع المقامات الموسيقيّة للألبوم المكتوب في أفق واحد؛ فجميع الأغنيات، عدا «في أسئلة براسي»، تبدأ بمقام النهاوند، قبل أن تشقّ طريقها إلى مقامات أخرى في الدقائق التالية، وهذا بالنسبة إليّ فهْم عميق للحالة، وربّما التصاق حقيقيّ بها؛ ثمّة نقطة انطلاق واحدة دائمًا، ثمّ تحوّل وتشعّب منها وعودة إليها.

وقد تنبّه سليمان أيضًا من خلال ذهنيّته الموسيقيّة الممتازة إلى أمر آخر، هو التوزيع الموسيقيّ الّذي كان لا بدّ من تنوّعه، محاكاةً للمواضيع وابتعادًا عن التكرار؛ فآلة البيانو، آلته، كانت بطلة جميع أغنيات العمل، إلّا أنّه تمكّن من إفراد أدوار أساسيّة لآلات أخرى مثل الكلارينيت والأكورديون والترامبيت والجيتار بأنواع عدّة، إضافة إلى إيلائه دورًا مهمًّا للإيقاع، وخاصّة في التنقّل من موجة حكي إلى أخرى، من موضوع إلى آخر. وقد تنبّه أيضًا إلى الاستثمار في الصوت البشريّ عبر مجموعة من المؤدّين، استثمر أصواتهم لمدًى بعيد، مستفيدًا من أهمّيّة المشاركة لتوسيع المشهد وتكريس المشاركة بمعناها الواقعيّ لا الفنّيّ، ثمّ استثمارها فنّيًّا لمنح الأغنيات ثيمات مختلفة؛ ربّما إدراكًا منه لاحتماليّة وقوع التشابه بين أغنيات كتبها ولحّنها شخصان شديدا الانسجام، وقد أسهم في الأصوات تلك كلٌّ من: شادن قنبورة، وهنري أندراوس، وسماء واكيم، ووائل واكيم.

نصوص كهذه بما فيها من حمل فكريّ كبير، ليس من السهل إيقاعها في الموسيقى لتصبح أغاني، لكنّ الأمر يصبح مختلفًا عند فرج سليمان، لماذا؟ لأنّه جهده في التأليف يقوم على جهده الكبير في الفهم...

وعودًا على أغنية «مرثيّة لشهيد وحيد»، فإنّ النصّ اندمل اندمالًا تامًّا في الغيب، وهذا يُحْسَب له، لكنّه صعّب مهمّة تحويله إلى أغنية، ففسح مجالًا لبطولة الموسيقى؛ فهو العمل الوحيد الّذي استوجب على ما يبدو الهارموني، وفتح دورًا لبطولة الترامبيت، فلأوّل مرّة أسمع ترامبيت يتحدّث على هذا النحو من الصراحة.

وبالنسبة إليّ، فقد أفلح سليمان في حكي نصوص كيّال، كما لا يمكن مغنّيًا أن يفعل؛ فلأنّه قوّال أو مؤدٍّ، ولأنّه ذكيّ في التناول والهضم والإطلاق، منح النصّ بطولة مهمّة في أعمال كهذه؛ إذ يعطي فرصة للمستمع للتفكير في مآرب الأغنية لا في صورتها، للغوص في عقل العمل لا في جسده؛ فنحن لا نتلهّى بفتنة صوت المغنّي، إنّما في اللحن الّذي يمشي مع الكلام إلى هدف واضح، عبر سكّة تلقائيّة يضطلع بها صوت عاديّ ولذيذ ومُحَبَّب إلى الأذن حَكْيًا كصوت فرج؛ إذ تتناوله كصوت أخ أو جار أو صديق، وهو ما يسهم في رفع حواجز بينك وألبوم جاز من العائلة البديلة، فيمنحه أفضليّة على إخوته من الألبومات.

 

 

تُنْشَر هذه المادّة ضمن ملفّ «الساحل الفلسطينيّ»، بالتعاون بين جمعيّة الثقافة العربيّة وفُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة ورمّان الثقافيّة، في إطار «مهرجان المدينة للثقافة والفنون» 2020.

 

 

 سلطان القيسي

 

 

شاعر وكاتب فلسطينيّ من قضاء يافا،  يحمل الجنسيّة الأردنيّة ويقيم في عمّان، يكتب في الصحافة العربيّة. صدرت له مجموعتان شعريّتان؛ "بائع النبيّ" عن دار موزاييك - عمّان، و'أؤجّل موتي' عن دار فضاءات - عمّان، وترجمة 'الوطن - سيرة آل أوباما' لجورج أوباما، الأخ غير الشقيق للرئيس الأمريكيّ باراك أوباما، عن مؤسّسة العبيكان، الرياض.

 

 

تعليقات Facebook