نوح إبراهيم... أغاني حيفا الّتي استشهدت في طمرة

نوح إبراهيم 1911 (1913؟) - 1938

 

يحظى الّذين استثنوا أنفسهم من أجل الأوطان، باستثنائيّة الذكر والتأريخ، بل الدراسة ودفع الوعي العامّ والناشئ أيضًا، لاستدراك سيرة حياة هؤلاء، وحملها بالتوارث إلى الأجيال القادمة. لكنّ ابن مدينة حيفا، نوح إبراهيم، الشاعر الشعبيّ والمناضل، يكاد يغيب عن أوراق الكتّاب والباحثين ومباحث أهل الثقافة، فلا قصّة وافية وشافية حوله، في كتاب أو مقال أو فيلم وثائقيّ، وربّما في المنهاج التعليميّ، وهو الّذي ينتمي إلى زمن مقاومة الاستعمار البريطانيّ، وإلى مدينة حيفا، حيث وُلِدَ عام 1911 أو 1913، ورحل شهيدًا بغارة لطائرات بريطانيّة في الثامن عشر من تشرين الثاني (أكتوبر) عام 1938، قرب قرية «طمرة» في الجليل. إذن، لماذا لا نعرف نوح إبراهيم كما يجب أن نعرفه حقًّا؟

 

 

ممنوع بأمر من الإنجليز

فرض الاستعمار البريطانيّ قيودًا وقوانين صارمة على المنشورات والمطبوعات، وهدّد البثّ الإذاعيّ أيضًا، وسنح لسلطاته عبر قانون الطوارئ اعتقال كلّ مَنْ يتطاول على يرفض الانتداب وغطرسته، وملاحقتهم. وفي عقد الثلاثينات من القرن الماضي، طالت هذه الإجراءات نتاج نوح إبراهيم وفعله الثقافيّ، بمنع تداول قصائده الشعبيّة الّتي كان يطبعها بنفسه؛ فقد تعلّم فنّيّات الطباعة في القدس، إذ أصدر مراقب المطبوعات الإنجليزيّ في فلسطين، آوين ديديت تويدي، قرارًا يمنع فيه ويحذّر من تداول قصائد نوح إبراهيم في تاريخ الثاني والعشرين من شباط (فبراير) 1938، ويحظر سماع أسطواناته واقتناءها، تلك الّتي كان يسجّلها بصوته الغنائيّ وطريقته الشعبيّة الساخرة، بمساعدة زوج أخته بديعة، تاجر الأسطوانات محمّد إدريس، الّذي ساعد في انتشار أغاني نوح إبراهيم في الوطن العربيّ، وأقلق ذلك سلطات الاستعمار. وقد اعتقل الاستعمار نوح إبراهيم غير مرّة، إحداها حكى عنها في مذكّراته: "دخلنا السجن في الشهر الثاني من عام 1937، وقضينا فيه خمسة أشهر، بين سجن عكّا ومعتقل المزرعة".

يقول المؤرّخ الفلسطينيّ جوني منصور لموقع فُسْحَة – ثقافيّة فلسطينيّة، وهو ابن مدينة حيفا ويقيم فيها، إنّ الظروف الّتي فرضتها بريطانيا لم تسمح للناس الاحتفاظ بالأوراق، إلى درجة أنّ الجنود الإنجليز كانوا يمزّقون الفرشات والأغطية في المنازل، ويخلطون الطحين بالزيت بحثًا عنها، حتّى القرى النائية لم تسلم من هذا البحث، ظنًّا من المحتلّ أنّ الثوّار يختبئون فيها، وهذه من الأسباب الّتي صعّبت الوصول إلى معلومات مؤكّدة حول تلك الفترة منها، الّتي تتناول نوح إبراهيم تمهيدًا لأرشفة سيرته الذاتيّة وتوثيقها.

 

أصول داغستانيّة ويونانيّة

لكن هل يجب الاكتفاء بالأسباب؟ الباحث والكاتب خالد عوض، ومحلّ إقامته مدينة الناصرة، وأصله من قضاء بيسان، رفض أن يستسلم لظروف «البُعد الزمنيّ» عن سنوات نشاط نوح إبراهيم، أو لشُحّ ما ذُكِرَ عنه؛ لذا بدأ عام 1989، ولِستّ سنوات متتابعة، البحث وإجراء المقابلات، إلى أن أصدر كتابه الأوّل حول نوح إبراهيم بعنوان «نوح إبراهيم: شاعر وشهيد ثورة 1936»، وذلك عام 1995، وقد التقى من أجله بأشخاص عاصروا نوح إبراهيم.

حصل عوض على معلومات تُنْشَر لأوّل مرّة عنه، وأبرزها أنّ إبراهيم هو «أبو» نوح إبراهيم، وأنّ عائلته اسمها الداغستاني، وذلك حسب سناء البرهومي، ابنة فاطمة الإدريسي، ابنة بديعة الداغستاني شقيقة نوح إبراهيم من الأب، وتعيش البرهومي والإدريسي الآن في تونس.

وكشف عوض لأوّل مرّة أنّ نوح إبراهيم فلسطينيّ المنشأ لكنّه من أصل داغستانيّ، أبوه إبراهيم مُجَنَّد في الجيش العثمانيّ، عاش في حيفا واستقرّ فيها، قبل أن يتزوّج بأمّ نوح، زيدة، وهي يونانيّة، جاء بها إلى فلسطين حسين أبو الهيجاء صديق والد نوح، تزوّجها وأنجب منها الأخ غير الشقيق لنوح إبراهيم، قبل أن يختفي أبو الهيجاء، ويتزوّجها الداغستاني.

 

أين المؤسّسات الثقافيّة؟

واجه الباحث عوض صعوبات جمّة أثناء عمليّة البحث، يقول لفُسْحَة – ثقافيّة فلسطينيّة "إنّ أهمّها ‘المسح الميدانيّ‘ و‘الرواية الشفويّة‘، ولا توجد مادّة مكتوبة عن نوح إبراهيم، سوى مجموعاته الشعريّة المتناثرة، والبحث المتشعّب"، ويقول أيضًا: "لم تنجح مؤسّستنا الثقافيّة الرسميّة أو المحيطة بإنشاء جهاز أو إدارة متكاملة، لجمع موروثنا الثقافيّ والتراثيّ والتاريخيّ قبل عام 1948، ويجب ألّا تبقى الاجتهادات فرديّة من أجل جمع موروثنا الثقافيّ والنضاليّ. ثمّة عشرات الشخصيّات الّتي بقيت في الظلّ وضاع ذكرها، حتّى المبادرات ينقصها الدعم والتمويل، وهناك من يحاول تجيير العمل العامّ إلى الخاصّ، الحزبيّ والمؤسّساتيّ، وهذا مرفوض ويُحْوِجُنا إلى جسم مؤسّساتيّ حاضن للأرشيف الفلسطينيّ".

حول هذه النقطة، يقول مدير «دائرة الآداب والنشر» في «وزارة الثقافة»، عبد السلام العطاري، لفُسْحَة – ثقافيّة فلسطينيّة: "حتّى لو استُرجع أرشيف فلسطين المتناثر حول العالم، فلا يوجد أمان من الاحتلال لحفظ الأرشيف في أيّ مدينة فلسطينيّة، و‘وزارة الثقافة‘ مؤسّسة ناشئة عام 1994، ونحن نتحدّث عن فترة الثلاثينات الّتي عاش فيها نوح إبراهيم، ونحن نسعى إلى وجود مكتبة وطنيّة فلسطينيّة تضمّ أرشيفنا الوطنيّ، ومنه ما يتعلّق بالمناضل نوح إبراهيم، وقد تولّت ‘منظّمة التحرير الفلسطينيّة‘ هذا الدور قبل ‘وزارة الثقافة‘".

وتسعى «وزارة الثقافة»، بعد أن عملت على طباعة كتاب عوض في نسخة ثانية عام 2001، إلى تبنّي طباعة كتابه الثالث الّذي لمّا يُنْشَر بعد، وفيه المجموعة الثالثة لنوح إبراهيم الّتي لم تُنْشَر قطّ، بعد نشره مجموعتيه السابقتين: «مجموعة قصائد فلسطين الشهيدة» عام 1930، و«مجموعة قصائد فلسطين المجاهدة». وقد حصلت مُعِدَّة التقرير على وثيقة حصريّة من المجموعة الثالثة لنوح إبراهيم، من مسوّدة كتاب خالد عوض، وهو قيد النشر، نذكر من هذه المجموعة جزءًا من قصيدة «الجنرال وافل»:

 جَنابَكْ حَضَرْتِ الْحَرْب، وْشُفْتْ بَسالِةِ الْعَرَبْ، اللّي كانـــوا حُـلَفاكُم!

حَتّى أَخَذْتوا الْغُلْــــــبْ، ياما ضَحّينا نْفـوسْ، طِلْعِ التفسيـرْ مَعْكوسْ!

وْكانْ الْجَزا ظُلْمْ وويلْ، يَا جَنابِ الْجِنِرالْ «وافيلْ»

 

 

يقول المؤرّخ جوني منصور إنّه ليس لنا حجّة، في تعريف الأجيال الفلسطينيّة بنوح إبراهيم على نحو حقيقيّ، رغم أنّه ثمّة جهود في مهرجانات ومنافسات مطلع التسعينات، لمَنْ يقدّم عملًا ثقافيًّا أو تراثيًّا، وتحمل الجائزة اسم نوح إبراهيم. على «وزارة الثقافة الفلسطينيّة» تبنّي مشروع كهذا، خاصّة لشخصيّة توحّد كلّ أطراف الوطن مثل نوح إبراهيم، ولا أستبعد قيام الوزارة بذلك، وأرجو أن يغنّي الناس في الاحتفالات والمهرجانات أغاني نوح إبراهيم فهي جميلة جدًّا، كالأغنية الاجتماعيّة بصوته على موقع «يوتيوب» بعنوان «مشحّر يا جوز الثنتين»، كان يردّدها لنا والدي إلياس وعمّي باسيلا منصور، اللذان عرفا نوح إبراهيم شخصيًّا. ولقد أخبرني والدي بأنّ نوح إبراهيم كان طويل القامة ونحيلًا، ويمشي بشموخ، ولباسه الدائم العقال والكوفيّة.

ورغم هذا الذكر من بعض أهل حيفا الباقين فيها، والتوثيق المُضْني في كتاب خالد عوض، الّذي أيضًا ضمّ للمرّة الأولى حصريًّا صورة لنوح إبراهيم، وقصائد لم تُنْشَر من قبل، ومذكّرات كتبها هو، وقد حصل عليها الباحث عوض من «المكتبة الوطنيّة الإسرائيليّة» بعد نسخها صوريًّا، وحصل أيضًا على ديوان لإبراهيم من أحد معاصريه، بعد أن نسخه عنه بخطّ يده، لم نر هذا الذكر يواصل مدّه الطبيعيّ والمفترض في الانتشار والتغطية المتواصلة لأجيال قادمة حتّى جيل وسائل «التواصل الاجتماعيّ»، واقتصر الأمر على ذكر اسم نوح إبراهيم في قلّة من المناسبات الوطنيّة مُخْتَصَرًا.

إذن، لماذا يتغيّب بعض المؤسّسات الثقافيّة العريقة عن التعريف بنوح إبراهيم، في برامجها الثقافيّة الحيّة، ودورانها حول أصالة الكلمة حين تلتقي الفعل، خاصّة أنّ نوح إبراهيم يتقن هذه القضيّة؟

 

«من سجن عكّا» وأخطاء أخرى

لقد وقع الناس، وبعض مَنْ كتبوا عن نوح إبراهيم، في عجالة، ومن بعدهم الإعلام الّذي ربط الإتيان على اسمه فقط من باب تتلمذه العسكريّ والوطنيّ على يد الشيخ عزّ الدين القسّام، بفخّ أنّ قصيدة «من سجن عكّا» الشهيرة لنوح إبراهيم، والصحيح أنّها تعود لشاعر شعبيّ من قرية كوبر قضاء رام الله والبيرة، اسمه عبد الرحمن البرغوثي ويُلَقَّب بـ «الخطّابي»، لكن شدّد المتداولون دون تأكيد، على أنّها لنوح إبراهيم رغم عدم عثور أكثر الواصلين إلى سيرته،  وهو الباحث خالد عوض، على أيّ دليل مكتوب أو شفهيّ يؤكّد الأمر، بينما تحفظ عجائز كوبر القصيدة عن «الخطّابي» منذ عام 1930، حين أنشدها، بينما تجاهلها الباحثون وتجاهلوا صاحبها، وهذا يدلّل بشكل أو بآخر على رخاوة البحث والتوثيق، إزاء أعلام مرحلة الاستعمار البريطانيّ ومثقّفيهم، خاصّة خلال «الثورة الكبرى» عام 1936 وما قبلها، ومنهم الشاعران عبد الرحيم محمود ومطلق عبد الخالق، في حين حظي بعض الشعراء، مثل وديع البستاني وعبد الكريم الكرمي وإبراهيم طوقان، ببعض الدراسات الأدبيّة، وهم الّذين عاشوا جميعًا في فترة الاستعمار البريطانيّ، لكن فرّقت بينهم الأقلام وصفائح التدوين.

ومن الأخطاء في التوثيق الصوريّ لنوح إبراهيم، تداول صورة غريبة له، وهي لشخص يرتدي بدلة رسميّة بنّيّة، وذي وجه ممتلئ بعض الشيء، تُقَدَّر سنّه فوق الخامسة والأربعين، بينما نوح إبراهيم استشهد دون أن يتخطّى سنّ الثلاثين، وهذه الصورة موجودة على محرّك البحث «جوجل»، وفي عرض أغنية «مشحّر يا جوز الثنتين» على «يوتيوب»، والصحيح أنّ الصورة الوحيدة الصحيحة المتوفّرة لنوح إبراهيم، وهو يرتدي عقالًا، أهداه له ملك البحرين.

 

أخيرًا

كان نوح إبراهيم مقاتلًا، وتعلّم على يد عزّ الدين القسّام، وشاعرًا محرّضًا ضدّ الاستعمار، ومغنّيًا شعبيًّا يحاول شحذ همّة الناس، بأسطوانة يسمعونها وهم يمارسون الحياة اليوميّة، فيصير الرفض للإنجليز وظلمهم أمرًا قرينًا لكلّ فعل حياتيّ.

 

 

هذا ما أراده نوح إبراهيم عندما أسّس لفعل ثقافيّ مقاوم، يجسّد حالة نوعيّة وفريدة تميّزه عن أقرانه، بل تركل كُثُرًا ممّنْ ادّعوا القصيدة «البطلة» في زمن الحداثة وتماوت الثورات، لكن كلّ هذه السيرة الشفّافة والمثقلة بعشق فلسطين لم تشفع لنوح إبراهيم عند حاملي الشريعة الثقافيّة بدراسة أشعاره الشعبيّة وأغانيه، وهي جزء من التراث، ولا فعله النضاليّ، رغم أنّه استشهد عن عُمْر لا يتجاوز السادسة والعشرين عامًا، ولا تجربته المهنيّة في أن يكون فنّيّ الطباعة الّذي يغادر حيفا إلى المنامة وبغداد، ويعود ثائرًا ومحرّضًا، وشاعرًا ومغنّيًا، ويستشهد حاضنًا بندقيّة.

 

 

تُنْشَر هذه المادّة ضمن ملفّ «الساحل الفلسطينيّ»، بالتعاون بين جمعيّة الثقافة العربيّة وفُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة ورمّان الثقافيّة، في إطار «مهرجان المدينة للثقافة والفنون» 2020.

 

 

 

فاطمة مشعلة

 

 

 

صحافيّة وكاتبة من بيت لحم. مهتمّة بالتراث الشعبيّ. تقدّم محتوًى شعبيًّا نقديًّا وساخرًا عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ.

 

 

تعليقات Facebook