في الجمال | بقلم الآنسة الأديبة فائزة عبد المجيد

من صحيفة "الوحدة" [السبت، 30 آذار 1946] | جرايد

 

المصدر: جريد "الوحدة".

موعد النشر: السبت، 30 آذار 1946.

موقع النشر: جرايد.

 

لعلّ الجمال – ذلك السرّ الخالد – في مقدّمة المواضيع المحبّبة الّتي ترهف لسماعها الآذان وتهفو إليها القلوب؛ فمعادن الجمال ومجاليه هي مثار لذّة ومسرّة تبعث في النفس أعمق شعور السعادة والإعجاب. ومقياس الجمال يتفاوت في كلّ نفس حسب ما أوتيت من فهم وإحساس ومعرفة وتذوّق لأسراره واجتلاء معانيه، كما لمستُ من خلال حديث سمعته منذ أيّام في أحد المجتمعات النسويّة حول الجمال.

وليس من اليسير تحديد معالم الجمال؛ فهو في معناه الظاهر لا يقاس إلى معناه المستتر؛ فللجمال روعة، ما في ذلك شكّ، وللجمال وحي وسحر يمتلكان النفس ويأسران اللبّ، ولكن له أيضًا معاني وأسرار لا تدركهما إلّا النفوس المحسنة الشاعرة، الّتي تتحسّس الجمال بقلوبها ومشاعرها وأعينها، تحسّه قويًّا بليغًا في الطبيعة والنبات والإنسان والقيم العليا، وتستوحيه أسمى ما يكون في روائع الفنّ وأطياف العبقريّة.

 

 

فما هو مقياس الجمال في المرأة إن لم يكن في عاطفة تفيض وتسمو، وأمومة تضحّي وتسهر، ومن سجايا كضوء الشمس تدفئ وتضيء وترسل الحياة في جوانب البيت والقلب وتتدفّق محبّة وحنانًا؟ وما جمال الرجل إن لم يكن في اكتمال الرجولة من نجدة وكرم ومروءة وبطولة وفداء! وأين بلاغة الجمال إذا جانب الحقّ والخير والقيم العليا؟!

أجل، تلك القيم هي قوام الجمال الرفيع؛ ففي الفضيلة جمال، وفي الحقّ والعدل والصدق جمال، وفي الرحمة والصفح جمال، وفي الكرم والوفاء والإيثار جمال.

عفا النبيّ عن هند أمّ معاوية وقد مثّلت بعمّه حمزة، وعن قاله حين آمن، وصفح عن قريش حين قدر! أرأيت الجمال الحقّ، جمال الرحمة والصفح في معانيهما الخالدات؟

هذا الجمال الذي يسمو في تلك الصفات السامية، يتجلّى أيضًا في الطبيعة والفنّ رائعًا جليلًا: ففي البحار والجبال والأنهار والرياح والعواصف والشمس والقمر والنجوم، وفي انسياب الغدير وائتلاق الزهر وتفتّح الورود، وفي جلال الفنّ وعظمة الوجود، جمال تخشع له النفس إجلالًا لعظمة الله ومعجزات الخالق وعبقريّة الإنسان.

 

تعريف جريدة "الوحدة"

 

أذكر في يوم مشرق من ربيع عام 1940، إذ كنت أستوحي جلال تلك العظمة على "سدّة الهنديّة" في العراق، هناك حيث حجزت مياه الفرات بذلك السدّ العظيم لتروي مساحات شاسعة من الأراضي، كم تجلّى في تلك القوّة، قوّة الأمواج وهي تصطخب وتزبد، وذلك الفنّ الهنديّ العظيم، الجمال الطليق الّذي ينطق بأبلغ لسان عن قدرة الخالق وعبقريّة الإنسان، وأتخيّل كيف يوحي ذلك الجمال إلى الفكر بأن ينطلق مع تلك الأمواج ليستوحي تلك الحضارات العظيمة، الّتي ازدهرت على ضفاف الرافدين!

وأذكر يقظة الحياة في الصحراء هناك، حينما انبثق الفجر، وبسط ظلاله الورديّة على حواشي الأفق، وغمر بنوره السنيّ تلك الأمواج الّتي لا يحدّها الطرف من الرمال، وتلك الأسراب من الظباء وهي تقفز نافرة إذ تستمع لمحرّكات السيّارة، مرسلة من عيون ساجية أشعّة من جمال وحنان؟!

 

 

عَمار: رحلة دائمة تقدّمها فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة لقرّائها، ليقفوا على الحياة الثقافيّة والاجتماعيّة الّتي شهدتها فلسطين قبل نكبة عام 1948، وليكتشفوا تفاصيلها؛ وذلك من خلال الصحف والمجلّات والنشرات الّتي وصلت إلينا من تلك الفترة المسلوبة والمطموسة، والمتوفّرة في مختلف الأرشيفات المتاحة. ستنشر فُسْحَة، وعلى نحو دوريّ، موادّ مختارة من الإصدارات الفلسطينيّة قبل النكبة، ولا سيّما الثقافيّة؛ لنذكر، ونشتاق، ونعود.

 

 

تعليقات Facebook