الحاجّ أمين الحسيني... الرجل المغامر يعود بعد 10 سنوات

من جريدة «الصريح»

 

المصدر: الصريح - صحيفة عربيّة أسبوعيّة كانت تصدر في يافا (1948-1957).

موعد النشر: 28 أيلول (سبتمبر) 1948.

موقع النشر: الأرشيف الرقميّ الفلسطينيّ.

الكاتب: عرفات محمود حجازي.

 

عندما أرخى الليل سدوله بعد المغيب، كانت تجتاز الحدود المصريّة الفلسطينيّة عند بلدة رفح، سيّارة صفراء عاديّة، ثُبِّتَ عليها جهاز لاسلكيّ وبداخلها أربعة أشخاص، ثلاثة منهم في لباس عسكريّ. واصلت السيّارة مسيرها من رفح إلى غزّة، وكلّما اقتربت من أحد الحواجز العسكريّة، وما يكاد الجند يطلّون برؤوسهم إلى داخل السيّارة، حتّى تفتح الأبواب بسرعة، ويكاد يرتجّ عليهم من هول المفاجأة، وكأنّهم يرون حدثًا خطيرًا، او أنّهم لا يصدّقون أعينهم.

إذن، فما لا شكّ فيه، أنّ السيّارة الصفراء الّتي ثبّت عليها الجهاز اللاسلكيّ، لا بدّ وأنّ فيها شخصيّة خطيرة، لها مكانتها حتّى في قلوب جنود الميدان.

وتُواصل السيّارة السفر، حتّى تصل إلى غزّة في الساعة السابعة مساءً، وتتّجه إلى الناحية الجنوبيّة من المدينة، حيث بيّارة الحاجّ موسى الصوراني، وعندما تقف السيّارة في مدخل البيّارة، يقترب منها الخدم، فَتَصْلَبُّ شرايين أحدهم ويقع من هول المفاجأة.  

لقد رأى الحاجّ أمين الحسيني يعود إلى بلاده، بعد أن تركها أحد عشر سنة، وأنّه بلا شكّ، حدث مثير للعواطف تقشعرّ له الأبدان.

وهكذا، يدخل الحاجّ أمين الحسيني البلاد، دون أن يعطي خبرًا لأحد، ودون أن يستقبله أحد، وما كادت تمضي ساعة على وصوله، وإذ بالمدينة من أقصاها إلى أقصاها، لا حديث لها إلّا «الأفندي»، رجل المغامرات الّذي يعرف كيف يترك أثرًا أعمق وأخلد من الأثر الّذي تتركه الحفاوة والاستقبال.

وليست هذه أولى سنوات الحاجّ أمين الحسيني دون سابق إنذار، فالناس يردّدون، كيف استطاع أن يهرب من القوّات البريطانيّة عام 1937، من المسجد الأقصى، إلى لبنان ثمّ تركيا، وإلى البلدان الأوروبّيّة، ثمّ يتحدّثون كيف استطاع أن يركب الباخرة الّتي أقلّته من فرنسا عام 1947 إلى مصر، وهو متخفٍّ بزيّ أحد عمّال الوقود، كما يتحدّثون عن سنواته ومغامراته بما لم يسبق أن وصف بها الرجل المغامر الخياليّ «آرسين لوبين».

ولا شكّ أنّ الشعب العربيّ، شعب فُطِرَ على حبّه للفروسيّة والمغامرات، فلا بأس أن يكون زعيمه من أولئك المغامرين.

 

 

وبعد ساعة من وصول الحاجّ أمين الحسيني إلى غزّة، ركب سيّارته من البيّارة إلى المدينة، وقصد بيت رئيس البلدّية، حيث ينزل الحاجّ عزّ الدين الشوّا، رئيس المكتب السياسيّ للهيئة العربيّة. وما كاد يصل البيت، حتّى أمر حاشيته أن تسبقه إلى داخل المنزل، ليسهّلوا له الدخول دون أن يشعر به أحد الموجودين في بيت رئيس البلديّة.

وهكذا، وبعد دقائق معدودات، أُغْلِقَت أبواب الغرفة «التاريخيّة»، الّتي أُعْلِنَت منها «حكومة عموم فلسطين»، على الحاجّ أمين الحسيني والحاجّ عزّ الدين الشوّا، وبعد ثلاث ساعات وخمس عشرة دقيقة، فُتِحَت الأبواب، وخرج الحاجّ أمين من المنزل إلى سيّارته، بينما انضمّ الحاجّ عزّ الدين الشوّا إلى بقيّة الموجودين في بيت رئيس البلديّة، حيث أخذ يقصّ علينا بعض ما دار بينه وبين «الأفندي»، وكيف أنّه رفض أن يكون وزيرًا في حكومة عموم فلسطين العربيّة، الّتي يعتقد أنّها لن تعيش طويلًا.

 

عَمار: رحلة دائمة تقدّمها فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة لقرّائها، ليقفوا على الحياة الثقافيّة والاجتماعيّة الّتي شهدتها فلسطين قبل نكبة عام 1948، وليكتشفوا تفاصيلها؛ وذلك من خلال الصحف والمجلّات والنشرات الّتي وصلت إلينا من تلك الفترة المطموسة والمسلوبة، والمتوفّرة في مختلف الأرشيفات المتاحة. ستنشر فُسْحَة، وعلى نحو دوريّ، موادّ مختارة من الصحافة الفلسطينيّة قبل النكبة، ولا سيّما الثقافيّة؛ لنذكر، ونشتاق، ونعود.

 

تعليقات Facebook