رُمّان: الذّاكرة البصريّة الفلسطينيّة | أربعة فضاءات

ناتاشا المعاني، 'مريم'، أكريليك على قماش، 244/ 143 سم، 2014

 

أطلق بيت مريم في الذّكرى الثّامنة والسّتّين للنّكبة، وبالتّنسيق والتّعاون مع مجلّة فُسْحَة – ثقافيّة فلسطينيّة، حملة استمرّت أربعة أيّام، داعيًا من خلالها الفنّانين الفلسطينيّين في الوطن والشّتات إلى نشر صور أعمال فنّيّة لهم، تتناول الوطن والقضيّة الفلسطينيّين، وذلك عبر موقع التّواصل الاجتماعيّ، فيسبوك، موسومة بوسم#الذاكرة_البصرية_الفلسطينية.

78 فنّانة وفنّانًا

شهدت الحملة مشاركة واسعة وفعّالة من الفنّانين من مختلف الأجيال ومن مختلف مناطق الوطن والشّتات، وقد جاءت لتحقّق أهدافًا عدّة، أهمّها ضرورة البحث والتّأمّل في الذّاكرة البصريّة للفنّان الفلسطينيّ، والّتي ا­­ختزلت العديد من الصّور والتّصوّرات حول مأساة لا يمكن القول إنّها تاريخ مضى فحسب، بل هي مستمرّة باستمرار مظاهرها من تهجير واستلاب الأرض وحصار الإنسان والمكان، والاعتداء على الوجود الفلسطينيّ، الجسديّ والهُويّاتيّ.

ثمانية وسبعون فنّانًا وفنّانة (78) قدّموا عبر وسم #الذاكرة_البصرية_الفلسطينية صورًا لمئات الأعمال الفنّيّة، وقد اختير من بين هذه الأعمال مائة وأربعة وثلاثون (134) عملًا فنّيًّا، لتُعرض تحت عنوان 'رمّان' في مجلّة فُسْحَة – ثقافيّة فلسطينيّة، ضمن أربعة فضاءات بصريّة إلكترونيّة، ابتداءً من الأوّل من حزيران، وبواقع فضاء واحد أسبوعيًّا حتّى نهاية حزيران.

لماذا رُمّان؟

أمّا عن تسمية المعرض الافتراضيّ بـ 'رمّان'، فذلك لمّا يحيل إليه هذا اللّفظ من طبيعة فلسطينيّة، ولما يتضمّنه من دلالات تتمثّل في اختزال هذه الفاكهة لحلاوة المذاق المغطّاة بالقشر الصّلب والمرّ، في ترادف مع الهويّة الفلسطينيّة الحديثة الّتي تقوم على التّضادّ بين قسوة واقعها وجماليّات عناصرها الّتي تشكّل فسيفساءها. كما أنّ اصطفاف حبّات الرّمّان يرادف التفاف الذّاكرة البصريّة الفلسطينيّة حول المأساة والحقّ الفلسطينيّين.

ممّا يجدر ذكره، أنّ 'رمّان' عنوان لوحة للفنّان رائد عيسى أيضًا، وهي تشارك في هذا المعرض؛ يحمل الفتى في اللّوحة فاكهة الرّمّان الحمراء الّتي تبدو وكأنّها جمر أو قنابل، وقودها الحبّ والغضب والألم والدّم.

أعمال 'رُمّان'، وإن تنوّعت في مضامينها البصريّة وأساليبها التّقنيّة، إلّا أنّها تلتفّ حول المأساة الفلسطينيّة، وتشرّح بصريًّا وفلسفيًّا مسائل وعناصر مثل التّهجير، والمنفى، والبيت، والوطن، والخيمة، والمخيّم، والقرية، والمرأة الّتي ما زالت تُصوَّر في أعمال الفنّانين الفلسطينيّين وطنًا مسلوبًا وثورة محتملة وحتميّة.

روّاد... شباب

يحضر روّاد الفنّ الفلسطينيّ هنا، بأعمالهم الّتي وثّقت وعالجت مظاهر النّكبة وآثارها، وراكمت ثقافة بصريّة فلسطينيّة تُعّدُّ وثيقة تاريخيّة للذّاكرة الفلسطينيّة حول الحدث، والمكان، وتداعيات الزّمان.

ما هو لافت للنّظر، أنّ الكثيرين من الفنّانين الشّباب ما زالوا يستلهمون رموز وعناصر التّراث الفلسطينيّ، الشّعبيّ والوطنيّ والثّقافيّ والدّينيّ والعربيّ، وهي العناصر ذاتها الّتي ألهمت من سبقوهم من الرّوّاد، فتحضر في أعمال الفنّانين الشّباب عناصر مثل الفلّاحة الجميلة والقويّة الباقية في أرضها، والقرية الهادئة على التّلال، والمخيّم وطنًا مؤقّتًا ينتظر الخلاص، والشّيخ الّذي يحتفظ بالحنين إلى الوطن المسلوب وقراه المهجّرة. هذا التّناول الكلاسيكيّ للمأساة الفلسطينيّة، والمباشرة في طرح الرّموز الوطنيّة والثّقافيّة، يشكّل مادّة تستحقّ الدّراسة والتّـأمّل لتبيان ما له وما عليه في التّجربة البصريّة الفلسطينيّة.

ليس استباقًا للنتائج، لكن يمكن القول إنّ الرّموز ما زالت، على ما يبدو، تفرض نفسها بقوّة على الفنّان الفلسطينيّ الّذي لا يستطيع الانفكاك، بصريًّا، منها. غير أنّ السّعي إلى التّجديد في كيفيّة الطّرح والتّناول، ضرورة لا بدّ منها، من أجل التّطوّر الضّروريّ في الحراك التّشكيليّ الفلسطينيّ، وفي فسيفساء الذّاكرة البصريّة الفلسطينيّة.

ذاكرة حيّة

وبين جيلي الرّوّاد والشّباب، جيل من الفنّانين بدأوا بممارسة الفنّ منذ التّسعينات، منهم من يقيم في الوطن ومنهم من يقيم في الشّتات، غير أنّ ما يميّز أعمالهم انفتاحها الكبير على التّجديد والتّنوّع البصريّين، في معالجة المأساة الفلسطينيّة وما يتعلّق بها من مسائل، مثل الحرب والحصار والقتل والاعتقال، وغيرها من تعقيدات المشهد الفلسطينيّ برمّته. بعض الأعمال تعتمد الاختزال والتّكثيف نهجًا لتركيز العين والذّائقة حول جانب إنسانيّ ثقافيّ فلسطينيّ، وبعضها يعتمد الكثافة والغنى البصريّين، نهجًا وأسلوبًا، وبعضها يستلهم من أدوات الفنّ المعاصر أسلوبه في تصوير المأساة.

هكذا يقدّم المعرض الافتراضيّ 'رمّان'، مادّة بصريّة زخمة وغنيّة، وذات أهمّيّة، ليس فقط للمتأمّلين ولمتذوّقي الفنّ والباحثين في الفنون فحسب، بل للإرث البصريّ أيضًا وللثّقافة الفلسطينيّة الّتي ما زالت، كما يعدّهاإدوارد سعيد، شكلًا من أشكال المقاومة، وذاكرة حيّة تكافح احتمالات الاندثار والنّسيان بالعناد والإصرار.

د. مليحة مسلماني، مديرة بيت مريم.

 

الفضاء الأوّل

 

 

الفضاء الثاني

 

 

الفضاء الثالث

 

 

الفضاء الرابع

 

 

تعليقات Facebook