جنين تُهدم: هل تنجح محاولات إنقاذ سينما جنين؟

سينما جنين

المعزوفة الأخيرة في 'سينما جنين' كانت بلا جمهور؛ راح لؤي بلعاوي (22 عامًا) يعزف ممسكًا عوده جيّدًا خوفًا من انزلاق أيّ شيء من الحطام المحيط المنتشر في قاعة السينما وعلى كراسيها.

يعزف لؤي من فرقة 'ثلاثي شغف' معزوفته الأخيرة داخل مسرحه، أمام جمهور من حجارة متداعية بعد قرار بهدم 'سينما جنين' لتحويلها إلى مبنى تجاريّ، يختلط صوت الأوتار بقهقهات العمّال  الذين حضروا لإزالة مبنى السينما بعد أن تمّت صفقة البيع.

ساعة الهدم

كنّا قد ذكرنا في تقرير سابق نشرته فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة، حيثيّات قرار مُلّاك 'سينما جنين' (عائلات الأسير وخلف ورشيد والنفّاع)، بيعها لصالح القطاع الخاصّ، كون السينما من وجهة نظرهم 'مشروعًا غير مجدٍ اقتصاديًّا'، ونتيجة لهذا القرار، قُدِّمَت عروض شراء عديدة، كان آخرها عرض السيّد هاني أبو مويس بالتعاون مع مجموعة من التجّار (أسماؤهم محفوظة)، شراءها بقيمة مليون وربع دينار أردنيّ لبناء مركز تجاريّ مكانها.

لم يصمد المُلّاك أمام هذا العرض المغري، وتمّت البيعة، وقُسِّمَ المليون دينار على 33 مساهمًا، أمّا ربع المليون، فوُزِّعَ على أصحاب 'حواصل' مبنى السينما، ومنذ توقيع اتّفاقيّة البيع و'سينما جنين' التي تبلغ من العمر 58 عامًا تنتظر مصيرها، وتُفرغ من مقتنياتها، معلنة انتصارًا من نوع آخر!

الساعة الثامنة ليلًا من أوّل أمس، 29 تشرين الثاني (نوفمبر)، بدأت الجرافات بهدم الجزء الخلفيّ من المبنى. ما من شيء يضيء هذا المشهد القاتم سوى بعض فلاشات لصور يلتقطها المارّة مودّعين سينماهم، نُشِرَتْ عبر مواقع التواصل الاجتماعيّ، لتأتي بعد ذلك بوقت قصير شرطة السياحة والآثار حتّى توقف الهدم مؤقّتًا، نظرًا لعدم طلب الجهة المستثمرة موافقتها على ذلك.

'نفس اصطناعيّ'

وسط هذا المشهد القاتم، أنشأت مجموعة شبابيّة من روّاد السينما حدثًا على الفيسبوك، مستخدمة وَسْم (هاشتاغ) #جنين_تهدم، معلنة رفضها عمليّة هدم السينما، وساعية لطرح بدائل ممكنة لاستملاكها، وقد وُصِفَ الحدث 'بالنفس الاصطناعيّ' الذي قد ينقذ السينما في أنفاسها الأخيرة.

تقول صاحبة المبادرة، مدى شلبك، حول سعيهم إلى حماية السينما: 'نضالنا نحن الفلسطينيّين، قائم في الأساس على التاريخ والشواهد المكانيّة، التاريخ وهذه الأبنية بحجرها وخشبها وحديدها الصدئ تعدّ شاهدًا على الوجود الفلسطينيّ ومدوّنًا وموثّقًا له، بمعنى أنّ الشواهد المعماريّة تعمل كحافظة وكذاكرة لشعوبها. رفضنا هدم السينما رفض للمدّ الرأسماليّ على حساب المدّ الثقافيّ داخل مدينة جنين، وقد أصدرت مبادرة ‘جنين تُهدم’ بيانًا لحشد الطاقات الشابّة من أجل إنشاء قاعدة دفاعيّة عن السينما، تحت عنوان أنقذوا ما تبقّى لنا، نظرًا إلى أنّ السينما هي الصرح الثقافيّ الوحيد الذي يضمّ الفعاليّات الثقافيّة والمهرجانات والعروض من مختلف دول العالم.'

مساءلة المُلّاك

قسمت عمليّة بيع السينما الرأي العامّ في جنين إلى عدّة وجهات نظر، ففي ما يخصّ قرار مُلّاكِها ببيعها، رأى البعض، من منطلق حقوقيّ، أحقّيّة بيع أيّ منشأة أو عقار بملكيّة خاصّة، لا يجني أصحابها ربحًا مادّيًّا منها. وفي المقابل، استنكر البعض بيع المُلّاك للسينما، واصفين ذلك بالعمل البعيد كلّ البعد عن الانتماء للثقافة والذاكرة والهويّة الوطنيّة، لا سيّما أنّ المالك الأكبر للأسهم في السينما، هو نفسه المسؤول عن إدارتها.

وما بين هذا الرأي وذاك، أمسك المُلّاك العصا من المنتصف وصرّحوا عدّة مرّات أنّهم مستعدّون لقبول أيّ عمليّة شراء للصالح الثقافيّ في حال كان السعر مقبولًا، كما صرّحت عائلة الأسير سابقًا في تقرير لفُسْحَة – ثقافيّة فلسطينيّة، وأنّ عمليّة البيع حصلت بإجماع المُلّاك على ضرورة بيعها، كون السينما لم تكن مجدية اقتصاديًّا.

لجنة وزاريّة

فور منع شرطة السياحة والآثار عمليّة الهدم، سارع المالك الجديد بإرسال طلب هدم إلى وزارة الآثار والسياحة والجهات المختصّة الأخرى، وشكّلت الوزارة بدورها لجنة للبحث في القيمة الأثريّة للمبنى. ويبدو وفق بعض التقديرات، أنّ النتائج التي ستخرج بها اللجنة لن تكون مشجّعة بسبب عدم وجود علّة قانونيّة قويّة يُوْقَفُ بموجبها الهدم. فبحسب قانون رقم 51 لسنة 1966 للآثار، وهو القانون القديم، فإنّ الأثر القديم هو 'أيّ أثر تاريخيّ ثابت أو منقول أنشأه إنسان أو كوّنه أو نقشه أو بناه أو اكتشفه أو أنتجه أو عدّله قبل سنة 1700 ميلاديّة، بما في ذلك أيّ جزء أُضيف إلى ذلك الأثر أو أعيد بناؤه بعد ذلك التاريخ'. أمّا أيّ مبنى يعود تاريخ إنشائه إلى ما بعد هذه الفترة، فإنّه 'يعلن الوزير بأمر يصدره أنّه أثر قديم' وفق مادّة القانون. وتخصّص لذلك لجنة لدارسة الموقع وفحص إذا ما كان يحتوي على عناصر معماريّة أو قصّة أو حدث تاريخيّ مهمّ.

يبقى قرار اللجنة هو الورقة الرابحة الأخيرة في يد وزارة الآثار والمدافعين عن بقاء سينما جنين التاريخيّة، كون السينما ليست موقعًا يعود إلى ما قبل عام 1700م، وهي ليست ذات طراز معماريّ قديم، الأمر الذي يُعَدّ علّة قانونيّة ضعيفة لمنع الهدم، وفق تصريح مدير مديريّة وزارة الآثار والسياحة في جنين، إبراهيم ربايعة، والذي قدّر في حديث مع فُسْحَة أنّ اللجنة لن تتمكّن من الخروج بنتائج لصالح بقاء السينما إذا لم تتعاون وتتكاتف الهيئات المحلّيّة والوزارات لمنع هدم المبنى.

تنتظر 'سينما جنين' الآن ثلاثيّة مهزومة ومأزومة، على ما يبدو، أوّلها موزانة الوزارات، وثانيها قانون لا يحمي، وآخرها مجتمع محلّيّ يمكن القول فيه: 'شاهد مشفش حاجة.'

 

 

مجد حثناوي

 

 

من مواليد جنين. تعمل صحافيّة، وهي  خرّيجة قسم الصحافة والإعلام في جامعة النجاح الوطنيّة - نابلس. عملت منسّقة إعلاميّة في عدد من المشاريع، وتكتب في عدد من المنابر الإعلاميّة الفلسطينيّة.

تعليقات Facebook