بير زيت: شارع الآداب وصور أخرى

شارع الآداب - جامعة بير زيت

في كتاب التاو (إنجيل الحكمة التاويّة في الصين)، يتحدّث لاو تسو عن أهمّيّة اللا شيء في إكسابه الأشياء وظيفتها: 'اعجن الطين وشكّله إناءً، وانظر كيف يعطيك اللا شيء في داخله استعمالًا. اصنع أبوابًا ونوافذ وارفع غرفة، وانظر كيف يقدّم لك اللا شيء في داخلها سكنًا'.

يحيلني هذا الاقتباس إلى جامعة بير زيت ومرافقها، التي تقدّم نفسها مساحات لحراك ثقافيّ طلّابيّ غنيّ ومتنوّع، حيث تجد السينما، والرقص التراثيّ، ومناقشة الكتب والمقالات، والمحاضرات، والمعارض الفنّيّة، وغيرها.

'شخص حسين البرغوثي أجمل من كتبه'. قال لي صديق وأسهب في سرد القصص عن حسين وعلاقته بالمعرفة والأمكنة، لكنّ الذي رنّ في أذني كي يستقرّ على شكل مقدّمة بداية كلّ حديث عن الثقافة، هو أنّ حسين في ساعاته المكتبيّة، عندما كان محاضرًا في جامعة بير زيت، كان يخرج إلى الكافتيريات، فيتحلّق الطلبة حوله، يتحدّثون في اللغة والثقافة والحياة. كان حسين يخرج إلى مرافق الجامعة المختلفة، والتي كان شاهدًا على حيويّتها، كما كانت شاهدة على ما يخلقه هو من حالة ثقافيّة في صفوف الطلبة.

شارع الآداب

أذكر جيّدًا أوّل مرّة دخلت فيها الجامعة، كان ذلك عندما ذهبت لتقديم اختبار المستوى. خرجت من 'السرفيس الفورد' الذي يقلّ الطلبة إلى بوّابة الجامعة. عندها قابلت أصدقائي من البلد نفسه الذي جئت منه. 'بدّك نعرّفك على الجامعة، تعال نتمشّى في شارع الآداب'، قالوا لي.

إطلالة على شارع الآداب

شارع طويل، يمتدّ من كلّيّة الهندسة حتّى التمريض، وما بينهما كلّيّات ومباني عمادة شؤون الطلبة، وكلّيّة الآداب، ودراسات المرأة، ودراسات التنمية، والإعلام.

هو الشارع الوحيد في الجامعة الذي يُتعارف على تسميته باسم كلّيّة معيّنة، كما أنّه الوحيد الذي يمشي فيه معظم طلبة الجامعة من أجل المشي فقط، على عكس شوارع أخرى تمرّ فيها كي تصل إلى محاضرتك. وهو يحتضن اليوميّ في الجامعة، من علاقات اجتماعيّة، بالإضافة إلى نشاطات ثقافيّة منوّعة تُنَظّم فيه وعلى أطرافه، في الكلّيّات والمباني المختلفة، والتي ينسّق كثيرًا منها مجلس الطلبة وعمادة شؤون الطلبة.

يؤسّس ما يحصل في هذا الشارع رؤيا جديدة حول الثقافة، تقوم على تسليط الضوء على جمهور الطلبة العامّ والتواصل معهم، وعدم اقتصار الفعل الثقافيّ على نخبة ما.

حيث الرقص

'كنّا نحاول أن نتدرّب على بعض المقطوعات، لكن وجدنا أنفسنا في الشارع بين الطلّاب أقرب إلى سهرة، فقط الروح والانتماء للدبكة ما قادنا إلى الحركة، ووثقنا بقدرة اللوّيح على تحريك أجسادنا. كان الشارع أجمل من أيّ مسرح'. هكذا وصف لنا الطالب سامر كراجة أوّل نشاط لـ 'مجموعة نبض الشبابيّة – بير زيت'، والذي لم تحتضنه المباني والكلّيّات، بل شارع الآداب، حيث رأى الطلبة المنظّمون في الدبكة والعود فاتحة للتعبير عن هويّتهم وتراثهم الفلسطينيّين، وبهما انطلقوا.

وهو نشاط يحيلني إلى مساق بحثيّ (سمينار) بعنوان 'تجاوب الشارع الفلسطينيّ مع الفرح'، قدّمت فرقة الجامعة للدبكة، في ختامه، عرضًا راقصًا تراثيًّا، أيضًا في الشارع نفسه، في محاولة لتجسيد مقولة المساق، ولتعزيز التراث الشعبيّ الفلسطينيّ، ما أدّى، حينها، إلى ضجّة كبيرة، داخل الجامعة وخارجها، تستنكر دبكة 'الشبّ بحدّ الصبيّة'.

نحت

تعرّف منسّقة نشاطات 'ملتقى نحت المعرفيّ'، هيام قنديل، المبادرة بأنّها: 'مبادرة شبابيّة تطوّعيّة غير مموّلة، تهدف إلى النهوض معرفيًّا، وإنتاج ثقافة تحرّريّة بديلة للثقافة السائدة. تتمحور نشاطات الملتقى حول دراسة المنظومة الاستعماريّة في فلسطين، والبحث في التاريخ والثقافة الفلسطينيّين والعمل الاجتماعيّ، عبر إرساء مفهوم اللحمة الاجتماعيّة'. وعندما سألناها عن سبب وجود الملتقى في الجامعة وليس خارجها، أجابت: 'بسبب تراجع دور الأحزاب، والفشل النسبيّ الذي طال البنى السياسيّة التقليديّة، والإشكاليّات المرتبطة بأجهزة التعليم التقليديّ'.

من فعاليّات 'ملتقى النحت المعرفيّ'

وبسبب وجود أزمة تعليميّة في الجامعات الفلسطينيّة التي تتّخذ من المنهج التلقينيّ، في معظم التخصّصات، أساسًا لها، وما يخلقه هذا المنهج من إشكاليّات في التفكير النقديّ الضروريّ لتفكيك الواقع المعيش والتعامل معه، تعزو قنديل ضرورة وجود الملتقى إلى التعامل مع الإشكالية ومحاولته خلق بنية معرفيّة تحرّريّة تولد من تراكميّة التجربة الفلسطينيّة. كما سألناها: هل وجود الملتقى يشكّل بديلًا للحركة الطلّابيّة في الجامعة؟ فأجابت: 'ينشط الملتقى بالتعاون مع أطر طلّابيّة، ولا يعمل على إنشاء جسم جديد في الحركة الطلّابيّة'.

ظهر 'ملتقى نحت المعرفيّ' في تشرين الأوّل (أكتوبر) 2016، وكان من ضمن نشاطاته مناقشة سلسلة أفلام 'حكاية ثورة' الوثائقيّة، وعرض مجموعة الطاهر وطّار القصصيّة بعنوان 'الشهداء يعودون هذا الأسبوع'، ومحاضرة بعنوان 'قراءة في القوّة الجوّيّة الصهيونيّة'.

نبض

أمّا 'مجموعة نبض الشبابيّة – بير زيت'، فتعرّف نفسها بأنّها 'مجموعة تطوّعيّة مستقلّة ماليًّا وفكريًّا، تنتج حركة ما مرتبطة بالشارع، تنتج المعرفة'، وهي تحضر في العديد من المناطق: رام الله، وبيت لحم، وجنين، ونابلس، وأراضي 48.

سألنا المجموعة عن حضورها في الجامعة، وأهمّيّة ذلك، فأجابت الطالبة رغد أبو ليل، وهي عضوة في المجموعة: 'نسعى للوصول إلى طلبة جامعة بير زيت والتأثير فيهم كونهم يشاركون في عمليّة التغيير. المشهد الثقافيّ في الجامعة يخلو من أيّ تراكم؛ فالنشاطات الثقافيّة، على الأغلب، تكون بعيدة عن الواقع المعيش والطلبة، في حين نرى أهمّيّة وجود ترابط بين المعرفة والواقع والطلبة، كونهم ذوات فاعلة في المجتمع. الفعل الثقافيّ تراكمات تؤدّي، في النهاية، إلى التغيير'.

تتواصل المجموعة مع الطلبة في شارع الآداب، بين الحين والحين، للتعريف بالمجموعة وسؤال الطلبة عن مختلف القضايا، مثل رأيهم في أداء الحركة الطلّابيّة خلال الأزمة المالّيّة الجامعيّة الأخيرة، أو مدى علاقة الشأن الفلسطينيّ بمتابعة الانتخابات الأمريكيّة وسياسات ترامب.

من فعاليّات 'مجموعة نبض الشبابيّة - بير زيت'

انطلقت 'نبض الشبابيّة – بير زيت' بداية تشرين الأوّل (أكتوبر) 2016، وبعد نشاط الدبكة والعزف الذي نظّمته في شارع الآداب، نظّمت بالتعاون مع مبادرة 'معمل الأفكار'، ندوة عن الأزمة الماليّة التي تعرّضت لها الجامعة، دعت إليها عددًا من أساتذة الجامعة وممثّلي الحركات الطلّابيّة للحديث عن الموضوع، كما ناقشت رواية 'جنين 2002' لأنور حامد، ومقالة 'الحرب اللا متكافئة: كيف تهزم عدوًا أقوى منك؟' لعامر محسن. كما عرضت المجموعة عددًا من الأفلام، منها '12 Angry Men' و'Life is Beautiful'، ونظّمت معرضًا لرسومات الطلبة تحت عنوان 'معرض إسماعيل شمّوط للرسم'.

'لا، فشّ مؤسّسات بتحتضن هاي التجربة، إحنا بنحتضن حالنا'. قالت رغد أبو ليل عندما سألناها عن وجود مؤسّسات أهليّة أو رسميّة تحتضن التجربة؟ وعلى الرغم من عدم وجود أيّ دعم للمجموعة، فقد أصدرت العدد الأوّل من مجلّتها 'مجال'، والتي عملت عليها من الألف حتّى الياء، من استكتاب لطلبة الجامعة، وتناول موضوعات تخصّ الحياة الجامعيّة؛ السياسيّة، والاجتماعيّة، والثقافيّة، وتحرير الموادّ، وتصميم المجلّة، وطباعتها وتوزيعها.

تساهم هذه المساحات والمشاهد الثقافيّة في خلق حراك ثقافيّ ذي معانٍ تعين على فهم الوجود وتفسيره. إنّ الحياة الجامعيّة لدى الطلبة المساهمين في خلق حالة ثقافيّة في جامعة بير زيت، حركة من أجل مشهد ثقافيّ حضاريّ، وهي تعبّر عن وجود أسئلة ضروريّة لا يمكن الإجابة عليها بالنصّ المكتوب فقط، بل أيضًا من خلال الفعل الثقافيّ ذي الحركة.

 

مثنّى خميس

 

 

من مواليد طولكرم، ولاجئ من يافا. طالب بكالوريوس علم الاجتماع في جامعة بير زيت. مدوّن ومحرّر لعدد من المنابر الشباييّة، كما يتطوّع في موقع 'العسّاس' للترجمة من العبريّة إلى العربيّة. مهتمّ في الأدب والسينما، وناشط في العديد من المجموعات الشبابيّة.

تعليقات Facebook