من فلسطين وعنها: خمسة كتب صدرت في 2016

 صدرت في البلدان العربيّة والعالم، عام 2016، مؤلّفات عديدة تسلّط الضوء على فلسطين وقضيّتها. نختار لقرّاء فُسْحَة – ثقافيّة فلسطينيّة خمسة مؤلّفات فكريّة وأدبيّة من بينها، التي تتميّز بموضوعاتها المثيرة وأساليبها ولغتها، ونعرّف بمؤلّفيها ومحتواها.

"فلسطين في الكتابة التاريخيّة العربيّة" لماهر الشريف

في كتابه "فلسطين في الكتابة التاريخيّة العربيّة"، الصادر عن دار الفارابي البيروتيّة في تمّوز (يوليو) 2016، يقتفي المؤرّخ والمفكّر الفلسطينيّ اليساريّ، ماهر الشريف، أثر فلسطين في الكتابة التاريخيّة العربيّة، مبرزًا العلاقة بين فلسطين، من جهة، والتاريخ وكتابته من جهة أخرى، ليؤكّد أنّ هذه العلاقة إنّما "هي علاقة خاصّة، بل فريدة، نجمت، في الأساس، عن كون الصهيونيّة مشروعًا سياسيًّا جعل من التراث اليهوديّ، الواقعيّ والأسطوريّ، أداة لاستيلاد أمّة وإقامة دولة".

يسعى الكتاب (413 صفحة من القطع المتوسّط) إلى تسليط الضوء على حالة البحث العربيّ في القضيّة الفلسطينيّة، من خلال الوقوف على أبرز محطّات الوعي بهذه القضيّة، كما عكست بعض الكتابات التاريخيّة العربيّة. وبأسلوب علميّ رصين، ينهل المؤلّف من مساهمات عدد من الباحثين الفلسطينيّين والعرب حول تاريخ فلسطين بعصوره المختلفة، ويتناول وظيفة المؤرّخ والإشكاليّات التي يقع فيها، بالإضافة إلى المصادر والمراجع التي اعتمد عليها.

تناول الكتاب في فصوله الأربعة: القضيّة الفلسطينيّة وإشكاليّاتها في التاريخ المعاصر، وتاريخ فلسطين القديم، وتاريخها في العصر الإسلاميّ وأسئلته، وجعل للفصل الرابع والأخير عنوانًا تساؤليًّا: "أين وصل البحث في تاريخ فلسطين العثمانيّ؟"

في تقديمه للكتاب، يشير الشريف إلى أنّ المؤرخ الفلسطينيّ وليد الخالدي يفسّر في تمهيد كتابه "قبل الشتات: التاريخ المصوّر للشعب الفلسطينيّ" (1987)، العلاقة بين فلسطين والتاريخ، فيكتب: "غالبًا ما ينغمس أطراف النزاع في تاريخ نزاعهم، ويستحوذ تاريخ الظلم وخلفيّته على المظلوم أكثر ممّا يفعل على الظالم. وتتأثّر شدّة هذا الاستحواذ وطوله على المظلوم بعدّة عوامل، فهناك طبيعة الحيف الذي حلّ في المقام الأوّل، ثمّ موقف الأطراف الأخرى من هذا الحيف، وأخيرًا لا آخرًا، مسلك الطرف المستبدّ الظالم بعدما اقترفت يداه ما اقترفت". يضيف الخالدي: "في حالة الفلسطينيّين، وهم الطرف المظلوم في صراعهم مع الصهيونيّة، فإنّنا نجد أنّ هذه العوامل قد تضافرت معًا لتطيل وتشدّد من وطأة استحواذ التاريخ عليهم".

بيد أنّ هذا الصراع مع الصهيونيّة، وفق الشريف، "لم يفرض على الفلسطينيّين، والعرب الآخرين، أن يجعلوا من التاريخ سلاحًا من أسلحة المواجهة، المتواصلة منذ أكثر من قرن، إنّما فرض على كتابتهم التاريخيّة، في أحيان كثيرة، موضوعاتها ومحاور بحثها".

وفي هذا السياق، يذكر الشريف أنّ الاشتغال على حقل "تاريخ فلسطين المعاصر"، استأثر بالقسط الأكبر من اهتمام الباحثين الفلسطينيّين والعرب. لافتًا إلى أنّه "بينما بقي الاهتمام بحقليّ ’تاريخ فلسطين القديم والإسلاميّ‘ محدودًا، نشهد، في السنوات الأخيرة، تعاظمًا للاهتمام بحقل ’تاريخ فلسطين العثمانيّ‘، وبخاصّة في المرحلة المتأخّرة منه".

ومن الاستخلاصات المهمّة التي توصّل إليها الشريف في كتابه، أنّ تاريخ فلسطين المعاصر تحوّل في الآونة الأخيرة إلى مصدر اهتمام لمعظم الباحثين العرب، لا سيّما قضيّة النكبة وتداعياتها؛ "يرسم هذا التأريخ مسار كتابة تطوّرت بأشكالها عن فلسطين، ونوّعت وأغنت مصادرها واهتماماتها".

ماهر الشريف من مواليد دمشق عام 1950، لأب فلسطينيّ وأمّ سوريّة، وهو باحث متفرّغ في "مؤسّسة الدراسات الفلسطينيّة" في بيروت. حائز درجة دكتوراه الدولة في الآداب والعلوم الإنسانيّة من "جامعة باريس الأولى – السوربون" عام 1982، ودرجة دكتوراه حلقة ثالثة في التاريخ المعاصر من الجامعة نفسها عام 1977. وكان أستاذ التاريخ العربيّ في "المعهد الفرنسيّ للشرق الأدنى" بدمشق ثمّ بيروت، وهو الآن باحث في "المعهد الفرنسيّ للشرق الأدنى" في بيروت.

"ما بعد إسرائيل – نحو تحوّل ثقافي" لمارسيلو سڤيرسكي

يؤكّد المفكّر مارسيلو سڤيرسكي، المولود في بيونس آيرس، والمتخصّص في الدراسات الدوليّة بمدرسة الإنسانيّات والبحث الاجتماعيّ، أنّه "ليس هناك حلّ سياسيّ مطروح في الوقت الراهن، يمكنه أن يوفّر الماهيّة الثقافيّة اللازمة لإحداث تحوّل على أساليب بقاء دولة إسرائيل وسبل الحياة فيها". مشدّدًا على أنّه "يجب أن يدرك الإسرائيليّون اليهود أنّ إسرائيل تجبرهم على شكل وجود غير محتمل. يجب أن يدركوا أنّ طرق الحياة الموصوفة كإسرائيليّة تحطّم حياتهم عبثًا، في الوقت الذي يدركون أنّ الأمر انتهى، نكون كلّنا قد تحرّرنا من مشكلة تثبيت النظام المضادّ للحياة الذي يُدعى إسرائيل".

جاء هذا الطرح الجريء في كتاب "ما بعد إسرائيل – نحو تحوّل ثقافيّ"، الذي نقله إلى العربيّة المترجم سمير عزّت نصّار، وراجعه حسام موصلّلي، وهو صادر بنسخته العربيّة عن "منشورات المتوسّط" بميلانو عام 2016، بعد عامين من صدور نسخته الإنجليزيّة في لندن عن دار "زيد بوك" العريقة.

يناقش سڤيرسكي في الكتاب (285 صفحة من القطع المتوسّط)، على نحو مثير للجدل، فكرة المشروع السياسيّ الصهيونيّ في فلسطين، مستندًا إلى ممارسات المؤسّسات الصهيونيّة وكيفيّة سيطرتها على المجتمع الإسرائيليّ، والتربية العنصريّة التي تُنَمّي آلة الحقد تجاه المجتمع الفلسطينيّ. مبيّنًا، من خلال حديثه عن الحياة اليوميّة التي تشكّل "الروح والمادّة"، ممارسة أعمال الاضطّهاد اليوميّة التي تعتمدها المؤسّسات الصهيونيّة للحفاظ على المجتمع الإسرائيليّ، والتي لخّصها في أربع نقاط: المُتَنَزَّه، والمدرّس، والوالد، والناخب. منطلقًا في دراستها من البوّابة السوسيولوجيّة لعمليّة الإخضاع، أي "نوع الرعيّة التي تدرّبوا على أن يصبحوا عليها".

وفي هذا السياق، يشير صاحب كتاب "النشاط العربيّ اليهوديّ في إسرائيل – فلسطين" (2012)، إلى أنّ فكرة هذا المشروع غير قابلة للإصلاح، أي أنّه الوحيد الذي يؤثّر سلبًا في حياة المستفيدين منه، كما في حياة ضحاياه أيضًا.

يهدف الكتاب، بالمقابل، إلى إحداث موقف معاكس، يسمح لليهود الإسرائيليّين اكتشاف الآليّة التي تمكّنهم من تجريد أنفسهم من الهويّات الصهيونيّة، وذلك من خلال الانخراط بالأفكار والممارسات والمؤسّسات المنشقّة عن تلك الهويّات.

ومن ردود الفعل على هذا الكتاب، نذكر رأي المؤرّخ الأكاديميّ الفلسطينيّ – البريطانيّ نور مصالحة، مدرّس الدراسات الشرقيّة والإفريقيّة في "جامعة لندن"، الذي قال: "يذهب هذا العمل الأصيل للغاية بعيدًا، متجاوزًا أحدث الكتب التي تتحدّث عن فلسطين – إسرائيل، والتي تركّز على حلول الدولتين أو الدولة الواحدة للصراع. وتظهر إنسانيّته ومنهجيّته التحرّريّة الضرورة الحتميّة لتحوّل ثقافيّ في إسرائيل لصالح جميع ضحايا الصهيونيّة؛ يهودًا وفلسطينيّين".

كما احتفت أريئيلا أزولاي، أستاذة الثقافة الحديثة والأدب المقارن في "جامعة براون" الأمريكيّة، ومخرجة أفلام وثائقيّة، ومؤلّفة كتاب "من فلسطين إلى إسرائيل" (2011)، بجرأة الطرح الموجود في هذا الكتاب، قائلة: "ما بعد إسرائيل كتاب علمانيّ. إنّه يرفض القبول بالصهيونيّة باعتبارها عقيدة دينيّة؛ وبدلًا من ذلك، يجرؤ هذا الكتاب الممتاز على قراءة الصهيونيّة على أنّها حلقة في تاريخ فلسطين لشعبين يعيشان فيها. هذا ليس بنبوءة ولا نهاية للعالم، إنّه تحليل سياسيّ وثقافيّ جريء للعمليّات التي تقوّض النظام الإسرائيليّ الحاليّ، والتي هي قيد العمل في يومنا هذا".

وُلد مارسيلو سڤيرسكي في العاصمة الأرجنتينيّة بوينس آيرس، وعاش في إسرائيل بين عامي 1983 و2008، ثمّ في كارديف (ويلز) ببريطانيا، ويقيم منذ عام 2012 في أستراليا، حيث يعمل محاضرًا في الدراسات الدوليّة في مدرسة الإنسانيّات والبحث الاجتماعيّ في "جامعة ولونغونغ" الأستراليّة، والتي يدرّس فيها مواضيع في الدراسات الدوليّة، ويجري أبحاثًا عن سياسات الشرق الأوسط والفلسفة القارّيّة الأوروبيّة، ويركّز، في المقام الأوّل، على النظريّات وممارسة النشاط السياسيّ والعمل الثوريّ والتحوّل الاجتماعيّ.

"الموسوعة الفلسطينيّة الشاملة، مسيرة الكفاح الفلسطينيّ" لنوّاف الزرو

تُعدّ "الموسوعة الفلسطينيّة الشاملة، مسيرة الكفاح الفلسطينيّ" للأسير المحرّر والباحث والمؤرّخ المقدسيّ نوّاف الزرو، الصادرة في تشرين الأوّل (أكتوبر) عام 2016، عن "دار مجدلاوي للنشر" في عمّان، تُعدُّ عملًا موسوعيًّا شاملًا، وقد جاءت في جزئين، احتويا على أبرز محطّات مسيرة الشعب الفلسطينيّ في مواجهة المشروع الصهيونيّ.

تغطّي الموسوعة التي أنجزها الزرو على مدار خمسة وعشرين عامًا، بالوثائق والمعطيات والشهادات، أبرز المحطّات التاريخيّة التي مهّدت إلى احتلال وتهويد فلسطين. وتغطّي، كذلك، الجرائم الصهيونيّة خلال قرنين، ووعود سبقت "إقامة وطن قوميّ لليهود في فلسطين"، وإلغاء الوجود العربيّ والفلسطينيّ بمضامينه الجغرافيّة، والبشريّة، والتاريخيّة، والحضاريّة، والثقافيّة، والتراثيّة، والدينيّة. وهي، وفق مؤلّفها: "مشروع تأريخيّ توثيقيّ تربويّ تعبويّ حضاريّ، وهي حكاية وطن مغتصب، وحكاية شعب عربيّ، وهي حكاية حضارة وتراث عربيّ عريق، يجري محوه لصالح تاريخ وتراث صهيونيّين، وحكاية حقوق مشروعة يجري شطبها بالقوّة الغاشمة".

تتكوّن الموسوعة من مجلّدين (1424 صفحة من القطع الكبير)، يشتملان على مقدّمات تحليليّة، وسبعة وعشرين بابًا، ومئة وسبعة فصول، تتكامل كلّها في تقديم لوحة بانوراميّة شاملة لاستراتيجيّات الاقتلاع والاحتلال والتهويد، وللنكبة الفلسطينيّة. وتغطّي كذلك، بصورة شاملة، المعالم التاريخيّة، والحضاريّة، والتراث، والجغرافيا الفلسطينيّة.

يقدّم المجلّد الأوّل استراتيجيّات الغزو والاقتلاع والإحلال والتهويد الصهيونيّة، وفيه ثلاث مقدّمات وأربعة عشر بابًا، وواحد وخمسون فصلًا. أمّا المقدّمات فهي: مقدّمة أولى - لتوثيق المحرقة الصهيونيّة، ومقدّمة ثانية: صناعة رواية صهيونيّة على أنقاض فلسطين، ومقدّمة ثالثة: كي لا ننسى.

يتضمّن الباب الأوّل وثائق وعود وتعهّدات ومؤتمرات استعماريّة، وشمل ستّة فصول تجمع رسائل ووثائق وقرارات صهيونيّة، مثل قرارات مؤتمر بازل الصهيونيّ عام 1897، ورسالة هرتزل إلى السلطان عبد الحميد عام 1901، ومذكّرة هربرت صموئيل إلى الحكومة البريطانيّة بشأن وضع فلسطين بعد الحرب عام 1915، ورسالة وايزمان إلى اللورد جورج عام 1919، ومذكّرة المنظّمة الصهيونيّة إلى مؤتمر السلام في باريس عام 1919، ومذكّرة الاتّحاد العالميّ لعمّال صهيون عام 1921، وبرنامج بلتيمور عام 1942.

ويتناول المجلّد الثاني مسيرة الكفاح الشعبيّ العربيّ الفلسطينيّ، ويشمل أربعة عشر بابًا، وستّة وخمسين فصلًا، وملزمة ملوّنة عن الانتفاضات الفلسطينيّة.

ونقرأ من مواضيع الموسوعة وثائق مهمّة عن وعد بلفور عام 1917، الذي مهّد للنكبة وشرّع السطو الصهيونيّ على فلسطين، بالإضافة إلى ملخّص مكثّف لبعض الوثائق التاريخيّة المهمّة: وثيقة كامبل بنرمان عام 1907، ومعاهدة سايكس بيكو عام 1916، ومؤتمر سان ريمو عام 1920، وصكّ الانتداب البريطانيّ على فلسطين عام 1920، وتقرير لجنة بيل عام 1937، وقرار التقسيم عام 1947، مبيّنًا بعد ذلك إلى التواطؤ البريطانيّ مع المشروع الصهيونيّ، وكذلك السياسات الأميركيّة، وصولًا إلى تبنّي الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته، باراك أوباما، للرواية والاستراتيجيّات الصهيونيّة.

كما أفرد المؤلّف ملحقًا خاصًّا للأحداث بين عامي 1967 و2016، من ضمنها استراتيجيّة الاغتيالات والإعدامات الميدانيّة، وصولًا إلى أزمة اللاجئين الفلسطينيّين، متناولًا بداياتها وخلفيّاتها، والتطهير العرقيّ والتهجير الجماعيّ، وحقّ العودة في القرارات الدوليّة، ومشاريع التوطين والشطب الإسرائيليّ، وسياسات الديموغرافيا من أبرتهايد وترانسفير في فلسطين 1948، ودور فلسطينيّي 1948 في الانتفاضة الأولى، وانتفاضة الأقصى.

نوّاف الزرو من مواليد القدس، وهو أسير محرّر، أمضى أحد عشر عامًا في معتقلات الاحتلال الصهيونيّ. حُكم بالمؤبّد عام 1968، وتحرّر في إطار صفقة تبادل الأسرى عام 1979. حاز البكالوريوس في السياسة والاقتصاد من جامعة بير زيت - دراسة من المعتقل. يُعدّ خبيرًا في شؤون الصراع العربيّ – الصهيونيّ، وهو عضو رابطة الكتّاب الأردنيّين، ونقابة الصحافيّين الأردنيّين، واللجنة الوطنيّة الأردنيّة للدفاع عن القدس، ورئيس اللجنة الإعلاميّة الثقافيّة فيها .له العديد من المؤلّفات والدراسات والأبحاث السياسيّة.

"الحاجّة كريستينا" لعاطف أبو سيف

يواصل الروائيّ الفلسطينيّ عاطف أبو سيف، في روايته السادسة الموسومة بـ "الحاجّة كريستينا" (312 صفحة من القطع المتوسّط)، الصادرة عام 2016 عن "دار الأهليّة للنشر والتوزيع" في عمّان، بحثه في سؤال الهويّة والعلاقة بالمكان، إلى جانب انشغاله بالتفاصيل اليوميّة للحياة الفلسطينيّة المعاصرة في قطاع غزّة، معتمدًا على مخزون هائل من القصص والحكايات التي تعود بجذورها إلى الماضي، من خلال حكاية الفتاة اليافاويّة فضّة، التي تغادر إلى لندن للعلاج عام 1947، وتحصل النكبة وتضطّرّ إلى العيش هناك باسم جديد: كريستينا، قبل أن تضطّرّها الأقدار للعودة إلى مخيّم للّاجئين في قطاع غزّة، أواخر خمسينات القرن الماضي، لتعيش هناك طوال حياتها، حتّى تأتي سيّارة تابعة للصليب الأحمر وتنقلها إلى لندن خلال عدوان إسرائيل على القطاع عام 2009.

نرى في هذه الرواية الماضي يطلّ برأسه ليحكي لنا عن تفاصيل من المخيّم الغزّيّ، قد لا يعرف كثيرون منّا عنها شيئًا. إنّها تفاصيل الحياة اليوميّة، ومقولات الناس، وأحلامهم، وأفكارهم، ومقارباتهم البسيطة، وحيواتهم التي عدّها كثر منهم حيوات مؤقّتة. يتنقّل بنا السارد بين يافا وغزّة ولندن، في سرد لا يكشف فقط حياة الحاجّة كريستينا التي ستتحوّل إلى أيقونة من أيقونات الحياة في المخيّم، بل ليواصل أبو سيف بحثه في أعماله الروائيّة الخمسة السابقة حول الهويّة والمكان والفضاء الفلسطينيّ المعاصر.

يقول الروائيّ الفلسطينيّ سامح خضر عن "الحاجّة كريستينا": "يحظى عاطف أبو سيف بميزة جغرافيّة جعلته الوحيد بين الروائيّين المعاصرين الذي يكتب من غزّة وعنها، هذا الجزء المحاصر ليس فقط جغرافيًّا، بل أدبيًّا وفنّيًّا أيضًا. ربّما يمكن لأيّ روائيّ أن يضع نفسه في مكان ما، لكنّه لن يتمكّن من إحداث تماسّ معيّن مع الحكاية اليوميّة والتفاصيل المعيشيّة الدقيقة لساكنيه، هذا ما يجعل من روايات عاطف أبو سيف كنزًا حقيقيًّا، ومادّة غنيّة لمن أراد أن يسبر أغوار الشقّ المنسيّ أدبيًّا من الوطن". ويضيف خضر: "تبدو علاقة أبو سيف مع غزّة ويافا مثل ابن البادية، الذي سكن المدينة دون أن يستطيع التخلّي عن بداوته شعرًا، فيافا وغزّة في حضور دائم في جلّ أعماله، إن لم يكن كلّها".

عاطف أبو سيف كاتب فلسطينيّ من مواليد مخيّم جبالياغزّة، عام 1973. حاصل على الدكتوراه في العلوم السياسيّة من إيطاليا. صدرت له كتب في العلوم السياسيّة، وله خمس روايات: "ظلال في الذاكرة" (1997)، و"حكاية ليلة سامر" (1999)، و"كرة الثلج" (2000)، و"حصرم الجنّة" (2003)، و"حياة معلّقة" (2014)، والأخيرة وصلت القائمة القصيرة لـ "جائزة البوكر العربيّة" عام 2015.

"أولاد الغيتو- اسمي آدم" لإلياس خوري

يمكن أن نعدّ رواية "أولاد الغيتو - اسمي آدم" (420 صفحة من القطع المتوسّط) للكاتب اللبنانيّ إلياس خوري، الصادرة عن "دار الآداب" البيروتيّة عام 2016، رواية فلسطينيّة بامتياز، إذ تقوم سرديّتها على دفاتر تركها آدم دنون، بائع الفلافل الإسرائيليّ في نيويورك، والتي سلّمتها سارانغ إلى أستاذها خوري بعد موت آدم منتحرًا في شقّته، في استلهام لميتة الشاعر الفلسطينيّ الراحل راشد حسين (مصمص 1936 – نيويورك 1977).

"لم يسمع أحد أنين الفلسطينيّين الذين كانوا يموتون ويُشرّدون بصمت، لذا جاء الأدب كي يصنع للضحيّة لغتها الجديدة" (ص 363). من هنا نكتشف أن صاحب "باب الشمس" (1998) يتابع في هذه الرواية بحثه عن حكايات عالقة في حناجر فلسطينيّين، ليرويها بلغة سلسة ومنسابة، راصدًا واقعة تاريخيّة عُرفت بـ "مذبحة اللدّ"، من أبشع المجازر التي نفّذتها قوّات "البالماخ" الصهيونيّة في تمّوز (يوليو) 1948، ضدّ كلّ ما هو حيّ ومتحرّك على أرض اللدّ الفلسطينيّة. يتجاوز خوري الحادثة ببعدها العسكريّ ولغة الأرقام التي يرسّخها التاريخ، إذ راح ضحيّة المجزرة مئتان وخمسون شهيدًا، وقد يفوق العدد الفعليّ ذلك؛ فيبحث عن الشواهد، وينقّب الصور ويلتقط الكلمات... يبحث عن الإنسان وسط كلّ هذا الخراب والألم.

يقول الأكاديميّ الفلسطينيّ رائف زريق، إنّ هذه "الرواية محاولة لفهم هذا الصمت على مجزرة بهذا الحجم، ومحاولة لإعطاء الضحيّة حقّها في الكلام. وبهذا السياق، الصمت هو الغياب، الغياب المطلق، وهو رديف للموت، أمّا استرجاع صوت الضحيّة، فهو عبارة عن محاولة إنقاذها من براثن النسيان".

إلياس خوري قاصّ وروائيّ وناقد وكاتب مسرحيّ لبنانيّ، ولد في العاصمة اللبنانيّة، بيروت، عام 1948. كتب عشر روايات تُرجمت إلى العديد من اللغات، وثلاث مسرحيّات، وله العديد من الكتابات النقديّة. درّس في "الجامعة اللبنانيّة" و"الجامعة الأميركيّة" في بيروت، و"جامعة كولومبيا" في نيويورك، ويدرّس حاليًّا في "جامعة نيويورك" مادّة الدراسات الشرق أوسطيّة والإسلاميّة.

 

أوس يعقوب

 

صحافيّ وباحث فلسطينيّ من مواليد دمشق، يتخصّص في الشؤون الفلسطينيّة والصهيونيّة. درس الصحافة وعلوم الأخبار في جامعة تونس، ويعمل مراسلًا صحافيًّا ومحرّرًا في عدد من المنابر العربيّة منذ عام 1993. له عدّة إصدارات، من ضمنها دراسات منشورة في "أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين" الصادرة عن المنظّمة العربيّة للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو). عضو الاتّحاد العامّ للكتّاب والصحافيّين الفلسطينيّين.

تعليقات Facebook