الطعام والشراب في صحافة ما قبل النكبة

مجلّة "المنتدى" [24 تشرين الثاني 1947]

تكشف الصحافة الفلسطينيّة قبل النكبة عن اهتمام ملحوظ بالتغذية وثقافة الطعام والشراب، ولا سيّما إذا ارتبطت بالشأنين السياسيّ والاقتصاديّ، كالإيراد والتصدير، وارتفاع الأسعار، والفساد، والاحتكار، والاستغلال، وتحدّيات السوق.

يقدّم هذا النوع من الموادّ صورة غنيّة عن ثقافة الطعام والشراب في فلسطين على مدار عقود ما قبل النكبة؛ أصنافه، وصناعاته، واستهلاكه، وطقوسه، ومساحاته، وقيمته الغذائيّة، وأخباره في الوطن العربيّ والعالم، ودون ذلك. صورة تسمح بالوقوف على تفاصيل اجتماعيّة وثقافيّة غنيّة ومنوّعة، لطالما أهملت في التأريخ المعاصر لفلسطين وشعبها لصالح التأريخ السياسيّ – العسكريّ.

كما يلاحظ من هذه الموادّ تركيز الصحافة الفلسطينيّة على دعم المنتجات والمشاريع الغذائيّة العربيّة أو الوطنيّة، والترويج لها بوضوح، مقابل الأجنبيّة أو اليهوديّة، بل والدعوة إلى مقاطعة الأخيرة متى توتّرت الأوضاع السياسيّة.

بحثت فُسْحَة – ثقافيّة فلسطينيّة عن مجموعة من الموادّ والأخبار المتعلّقة بالطعام والشراب، المنشورة في الصحف والمجلّات الفلسطينيّة بين الأعوام 1935 و 1947، بالإضافة إلى مادّة نُشرت بُعيد النكبة، عام 1951، وتعرضها لقرّائها كما أوردتها مصادرها، وذلك في إطار ملفّ خاصّ بالمطبخ الفلسطينيّ.

 

اشربوا من الشاي ما تستطيعون 

فالجرذان تشهد لكم بأنّه مفيد!

صحيفة الدفاع [23 أيّار 1935]

صادقت الجرذان مؤخّرًا على ما سبق الدكتور جونسون الإنكليزيّ أن قاله من أنّ الشاي لا يؤذي مهما أكثر المرء من شربه، وسترى كيف تمّت مصادقة الجرذان على أقوال هذا الدكتور في آخر هذه القطعة.

كان الدكتور جونسون يشرب أكثر من 20 كوبة من الشاي كلّ يوم، وظنّ أصحابه أنّ صحّته ستتضرّر من هذه العادة، لكنّها لم تتضرّر.

وأخيرًا قام المستر فيسكر، أحد الكيماويّين في حيّ بروكلين من أحياء نيو يورك، فأجرى عدّة اختبارات على الجرذان، ثبت منها أنّ الرجل ذا الوزن العاديّ يستطيع أن يشرب 43 كوبة من الشاي كلّ يوم، دون أن يصاب بأيّ ضرر!

وفي هذه التجارب أعطى هذا الكيماويّ العريق لفريق من الفيران مع طعامها الماء وحده، ولفريق آخر أعطى الشاي مع الطعام، ولفريق ثالث لم يعط إلّا ورق الشاي الجافّ، وجاءت النتيجة، وهي تثبت أنّ الشاي أنفع مع الطعام من الماء، وأن لا ضرر منه البتّة مهما أكثر الإنسان من شربه.

وستسرّ هذه النتيجة من يحبّون شرب الشاي، ولكنّهم يمتنعون عن تعاطيه لاعتقادهم بأنّه ضارّ.

وستسرّ... العطّارين... أيضًا.

 

مقدار ما يُصاد من سمك السردين

جودة الموسم بين شهري أيّار وآب

صحيفة الدفاع [9 حزيران 1938]

جاءنا من مكتب الأخبار ما يلي: أعلن كبير مأموري دائرة مصائد الأسماء في الحكومة، أنّ كمّيات وافرة تتراوح بين ستّة وسبعة أطنان من سمك السردين، تُصاد يوميًّا بالقرب من حيفا، ثمّ ذكر أنّ الدلائل العامّة تبشّر بأنّ موسم السردين الذي يقع بين شهري أيّار وآب، سيكون في هذا العام جيّدًا جدًّا، غير أنّ هذا النوع من السمك لا يوجد بكثرة في الأيّام المقمرة.

وسمك السردين على نوعين: نوع السردين الجافّ، ويشمل السردين الصغير والسردين المبروم، ونوع السردين الكبير، ويشبه سمك الفسيخ. أمّا في الوقت الحاضر، فيوجد السردين الجافّ بكثرة، غير أنّ النوع المبروم أكثر وفرة من الجافّ، وهذا السردين رخيص الثمن ولذيذ الطعم إذا أُكل طازجًا.

ويسرّ كبير مأموري دائرة مصائد الأسماك في حيفا أن يحيل عموم الاستعلامات إلى المنتجين في حالة وجود أيّة صعوبة في الحصول على السردين.

 

الفواكه الأجنبيّة والزراعة المحلّيّة

صحيفة الدفاع [24 تمّوز 1935]

يحتار الفرد منّا عندما يتجوّل في الأسواق ويشاهد هذا الوارد المتواصل من أنواع الفواكه الخارجيّة التي تُرسل إلينا من إيطاليا، وقبرص، وبلاد اليونان، وحتّى من أمريكا، مع أنّ بلادنا بلاد زراعيّة تصلح لأن تكون بلادًا مصدّرة لهذه الأصناف لو عمل العاملون.

ويقول المطّلعون إنّ يافا وحدها ورد إليها خلال الأسبوع الأخير هذا من أنواع الفواكه، ما يزيد قيمته عن ألف جنيه، تستهلك المستعمرات اليهوديّة المجاورة نحو أربعين في المئة منه.

أمّا سكّان هذه البلاد، فرغم ما يشاهدونه من تدهور أسعار البرتقال، والصعاب الجمّة التي تقام في سبيل دخوله أكثر بلاد العالم، عدا إنكلترا - رغم هذا كلّه، فلا زالوا متمسّكين بزراعته، مقبلين على ذلك إقبالًا هائلًا، تاركين العناية بزراعة أشجار الفواكه التي تُباع في الأسواق المحلّيّة، لو وُجدت، بأسعار مرتفعة، نظرًا لشدّة الطلب عليها.

إنّ رطل الخوخ يباع بـ 14 قرشًا، ورطل الكرز الأحمر بـ 24 قرشًا، مع أنّ هذا الأخير لا يزيد ثمن الرطل منه في بلاده – اليونان – عمّا يعادل القرشين، وقس على ذلك التفّاح، والبرقوق، وغيره.

ندعو العرب المزارعين، وأصحاب الأراضي، إلى العناية بزراعة أشجار الفواكه على أنواعها، لأنّ الأسواق المحلّيّة تستوعب من هذه الأصناف ما لا يخشى معه تدهور الأسعار.

لدينا من البرتقال ما يكفي، أو حتّى فوق ذلك بالنسبة لما نجده أمامنا من أسواق خارجيّة، فدعونا نجرّب الفواكه التي يعتقد الخبراء أنّ دخلها سوف يفوق دخل الأثمار الحمضيّة، دون الاضطّرار إلى شحنها للخارج. فإلى العمل أيّها المزارعون.

 

حلويّات 'البظّ إخوان' في المعرض الصناعيّ

صحيفة فلسطين [12 نيسان 1945]

عندما كان روّاد المعرض الصناعيّ العربيّ الكثيرون 'يتعبون' من كثرة التجوال والوقوف أمام الواجهات العديدة في المعرض، كانوا يرتاحون للوقوف أمام زاوية معروضات (البظّ إخوان)، حيث يشاهدون العلب الجميلة المختلفة الأنواع والأحجام لشكولاتة وسكاكر هذا المصنع المشهور، ويجدون اللذّة في تذوّقهم أنواع الشكولاتة المختلفة، من سادة، ومحشيّة، وملبّس على لوز، وحلقوم، وتوفي، وجوم... إلخ.

ولاحظنا أنّ كثيرين من الزوّار يعجبون بزخرفة علب الحلويّات التي يعدّها هذا المصنع للأفراح، والهدايا المختلفة للمناسبات الجميلة. وعلى كلّ، فقد كان زوّار المعرض بعد أن يتذوّقوا حلاوة 'المشاهدة' وحلاوة 'الطعم' في خلال متعتهم الجميلة في أروقة المعرض الصناعيّ العربيّ، يؤمنون بأنّ إنتاج هذا المصنع العربيّ يغنيهم عن إنتاج المصانع الأجنبيّة والغير عربيّة، بالإضافة إلى تفوّق إنتاجه عليها.

'م. كنانة'

 

شؤون البلد

سياسة الخبز في 'رمضان' و'البيسح'!

صحيفة فلسطين [22 تمّوز 1945]

يؤلمنا أن تظلّ مشكلة رداءة الدقيق موضوعًا 'مزمنًا' في معالجات الصحف وشكاياتها، فالمقالات التي كتبت حول هذا الموضوع وحده خلال سبعة الشهور الماضية، يتألّف منها كتاب صارخ الشكوى.

وقد نشرنا أمس نبأ المذكّرة التي رفعها 'مخاتير' وأهالي يافا إلى فخامة المندوب السامي حول رداءة الدقيق الموحّد، وعدم عناية المطاحن بتنظيفه، ممّا سبب أمراض المعدة المختلفة لفريق من الناس، وطلبهم من فخامته التدخّل في الموضوع لحماية 'معد الناس' وحقوقهم في طحين يصلح لاستهلاك الآدميّين، وتنفق الحكومة عليه بهذه الصفة ملايين الجنيهات من الخزينة العامّة.

لقد قلنا وكتبنا كثيرًا جدًّا عن 'صمم' المعيّين بالأمر، سواء كانوا أصحاب المطاحن أو من 'المسؤولين' عن إنتاج هذه المطاحن، تجاه شكاوى الجمهور من رداءة الدقيق، والذي نودّ لفت نظرهم إليه الآن هو تلك 'الأقوال' الشائعة بين الجهور عن سبب هذا 'الصمم'، وبقاء الدقيق رديئًا رغم الشكايات المتعدّدة. وإنّ ما يقال بين الناس الآن لا يشرّف أولئك المعنيّين بالأمر، بل يدعو إلى وضع حدّ لتلك الأقاويل بالضرب على أيدي المتلاعبين بخبر الشعب، أيّا كان هؤلاء المتلاعبين.

يقولون إنّ رداءة الدقيق المزمنة ليست أمرًا طبيعيًّا، ولا بدّ أن تكون نتيجة تلاعب يجري على حساب خبز الشعب وأقواته، وينحصر بين أصحاب المطاحن والقائمين على شؤون الدقيق الموحّد. فهل من مصلحة هؤلاء بعد اليوم أن يؤيّدوا بسكوتهم و 'صممهم' ما يقال ويُشاع؟

إنّنا باسم المستهلكين في يافا وغير يافا، نطلب بيانًا عن أسباب رداءة الدقيق الموحّد المزمنة، كما نطلب العمل بسرعة على تحسين هذا الدقيق وتخفيف خلط القمح بالشعير، وعلى هؤلاء المعنيّين بالأمر أن يعدّوا للشعب دقيقًا من القمح الخالص في شهر رمضان القريب، كما أعدّوا لليهود دقيق لبّ القمح في عيد الفطير ''البيسح'، فالخزينة العامّة تدفع بسخاء، ويجب أن ينال الشعب نصيبه من هذا السخاء!

 

مطعم فاخر للطبقات الراقية

صحيفة فلسطين [24 كانون الأوّل 1945]

لم يبق عذر لإخواننا العرب في ارتيادهم المطاعم والمقاهي الأجنبيّة، بعد أن قام أحد شباب العرب بافتتاح مطعم ومقهى جديدة في مدينة القدس على أحدث طراز، يقدّم فيه أفخر أنوع الأطعمة والمرطّبات، وقد افتتح في العمارة المعروفة بحديقة 'برستول' القديمة، في أوّل شارع يافا، باسم 'مطعم ومقهى الفردوس'، لصاحبه النشيط السيّد عزيز يوسف، الذي جهّزه بأفخر الأثاث، وأحضر له أشهر الطهاة، ووضع فيه 'بلياردو' فخمة في صالة خاصّة.

فنحثّ مواطنينا الكرام على الإقبال على هذا المحلّ العربيّ الوطنيّ الوحيد من نوعه في مدينة كالقدس، كثرت فيها المحلّات الأجنبيّة. ويجد الزائر فيه النظافة والإتقان في الطهي، ما يجعلهم من زبائنه الدائمين. فإلى مساعدة المحلّات العربيّة ندعوكم.

 

تحسين مشروع تغذية الطلّاب في طولكرم

صحيفة فلسطين [2 نيسان 1947]

طولكرم في 1 نيسان – لمراسل فلسطين الخاصّ - أُدخلت إصلاحات واسعة على مشروع تغذية الطلّاب في طولكرم خلال الفصل المدرسيّ المنصرم، فقد ثمّ إنشاء مطبخ جديد، وأحيط الملعب بسور، واستبدلت المقاعد في صالون الأكل بكراسي، وجهز بأدوات ومفروشات جديدة، وأنير بالكهرباء. وقد بذلت الهمّة لتحسين الطعام الذي يقدّم للطلّاب، وظهرت النتائج، فارتفع وزن الطلّاب الذين يتناولون الطعام من هذا المشروع خلال الفصل الأخير بمعدّل يتراوح بين 3 كيلو غرامات و 6 كيلو غرامات للواحد، وسيكلّف طبيب الصحّة بمعاينة طلّاب المدارس وتقديم قائمة جديدة بمن يحتاجون التغذية منهم. كما أنّه سيقبل عدد من الأولاد والبنات الذين لا يتعلّمون في المدارس، وتشرع في إطعامهم بعد انتهاء فرصة الربيع.

 

شخصيّات الشارع

ساقي القهوة

مجلّة المنتدى [24 تشرين الثاني 1947]

(ونَقْرَحَ) الساقي بفنجانه، فارتخت أذناي وأدرت رأسي وأسرعت نحوه، وشفتاي تتنمّلان وكأنّهما تقولان: لبّيك يا أيّها الفنجان لبّيك.

كان هذا مساء، وصاحب هذه الشخصيّة لا يظهر إلّا ليلًا، أو في الصباح المبكر. في الليل يسير حتّى منتصفه  أو زد عليه قليلًا؛ إذ لليل رجالاته وصعاليكه وسمّاره. وفي الصباح المبكر يجوب الشوارع، وللصباح سراته وسعاته.

يعجبني صاحب هذه الشخصيّة إعجابي بما يحمل، ولو جاز لي أن أوزّع الألقاب على من يسيرون لأعطيت ساقي القهوة لقب (جنتلمان الشارع). فقد يكون رثّ الثياب، وقد يكون غريب الصورة في مجموعه مخالفًا لأنظمة الصحّة، إلّا أنّه يسلك مع الناس سلوك (المحلّي) الغانم في مجلس من مجالس الأجاويد؛ فهو يقدّر قيمة ما يحمل. كيف لا وهو يحمل القهوة، رمز الكرم والكيف، فلذا تراه يصبّها بذوق ورشاقة، ويمدّها للشارب بأدب وحشمة، ويمهله بصبر وأناة، حتّى إذا ما أتى الشارب على آخر الفنجان، أشار الساقي بإبريقه ما يفيد معنى الاستمرار؛ فهو لا يتوقّف إلّا إذا اومئ إليه.

ثمّ بعد هذا أو ذاك لا يمدّ يده إلّا عندما يهمّ الشارب بإعطائه ما فيه النصيب.

أيّها الساقي!

نعم المؤنس أنت؛ صوتك لا يرتفع، ويدك لا تمتدّ، ولسانك وقلبك يحوّطان القهوة وشاربها بالعوافي وأطيب التمنّيات.

أمّا أنت يا سمراء، فقد قال الناس عنك ما قالوا؛ وروى الشعراء فيك ما رووا، فلم يبق لمرسل هذا القول إلّا أن يعترف بأنّك في خدرك زينة المجالس، وخرجت مؤخّرًا إلى الشارع مع من خرجن، فكنت عروسه المحشمة، يرعاك الساقي بيمينه، ويرقص لك الفناجين بيساره، وتزفّين لشفتي الشارب محلّاة مبهرة.

فنعم أنت أيّها السمراء، مخدّرة وبارزة سافرة.

حسن

 

أيّها العدس، أين أنت يا روحي!

صحيفة الصريح [1 كانون الأوّل 1951]

كان الشعب يأكل لحوم الدجاج والحمام، ثمّ تواضع فصار يأكل لحم الخراف والعجول، ولمّا اشتدّ الغلاء وانفقدت الدراهم، تواضع جدًّا جدًّا فأقبل على أكلة (المجدّرة)، وهي كما يعلم السادة الأغنياء والوزراء، مصنوعة من العدس والأرزّ، فحمد الشعب ربّه وسأله حفظ نعمة المجدّرة. ولكنّ التلاعب بالأسعار، والجشع، والفوضى رفعت أسعار الأرزّ، فأصبح العدس وحيدًا فريدًا يشكو فراق الأرزّ الحبيب.

والآن ارتفعت أسعار العدس، فماذا يأكل الشعب؟

نحن نقترح أن يأكل شكولاتة، لأنّ أسعارها أقلّ من الأرزّ، والعدس، واللحوم، إلّا إذا اخترعت عبقريّة الفقراء طعامًا مصنوعًا من التراب والحجارة، مجبولة بالدموع والحسرات، كما فعلت الأعرابيّة التي طبخت الحصا ليتلهّى أطفالها به، فينامون!

 


ملاحظة: يُمنع استخدام ونقل هذه المادّة، أو جزء منها، أو الصور المرفقة فيها، من دون إذن مسبق من الناشر؛ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة.

تعليقات Facebook