احتضان وتفكيك: عن تسييس الحمّص والفلافل

قلي الفلافل بالزيت

هذه مقالة غير حياديّة، هدفها الحثّ على "فلسطنة" خطاب ووعي خاصّين بتفاصيلنا اليوميّة والعادّيّة. ومن ضمن العاديّ أكلتا الحمّص والفلافل المتلازمتان في المطبخ الفلسطينيّ، واللتان نرى من الضروريّ تطوير التعامل معهما بصفتهما جزءًا مهمًّا من مركّبات الهويّة الفلسطينيّة، ولا سيّما لما تتعرّضا له من محاولات سرقة على يد الاستعمار الإسرائيليّ. ولا تخوض المقالة في الجدل العربيّ - العربيّ حول هويّة الحمّص البلدانيّة، والذي يتركّز في لبنان، وسوريا، وفلسطين.

"هوسي" بالحمّص والفلافل هو ما يدفعني إلى الكتابة، بالإضافة إلى تجربة ذاتيّة في البحث عن الأمكنة والفضاءات المقدسيّة، حيث أسكن، التي تنتشر فيها هاتان الأكلتان الشعبيّتان، محاولًا تقديم قراءة ثقافيّة وسياسيّة نابعة من هذه التجربة، علمًا أنّ كلّ ما يُذكر في المقالة حول الحمّص ينطبق على الفلافل.

مقاومة التأثير الاستعماريّ

في واقع يتضمّن محاولات تفكيك لمركّبات الهويّة الوطنيّة وعناصرها الثقافيّة والفلكلوريّة، والهيمنة عليها، خدمة لمشروع استعماريّ، ثمّة ضرورة لطرح مكانة الأكلات الفلسطينيّة على نحو أكثر نضوجًا، وعدم الاستخفاف بدورها في الهيكلة الرمزيّة للهويّة، وعلاقتها بالجغرافيا والتاريخ.

مطعم حمّص وفول وفلافل في يافا (1920 - 1930)

ما من شيء يبرّر التسليم بوجود حصانة ومناعة للمطبخ الفلسطينيّ التراثيّ أمام محاولات الهيمنة الاستعماريّة عليه، والعبث في أصلانيّته، وأمام ديناميكيّة ذات صلة بموازين القوى، تجعل من السمة "الفلسطينيّة" معرّضة للتهديد، وقابلة التغيير والتحوّل الجذريّ، وربّما للتفتيت والاندثار؛ فالقوى الاستعماريّة، على مرّ التاريخ، عملت على التأثير في الهويّة وبلورتها من خلال المأكولات وتوابعها. ويُتوقّع، في العلاقات الرمزيّة والحميميّة بين الهويّة والطعام، تشكّل ردّات فعل مقاومة للتأثير الاستعماريّ.

لا مبالاة

في المركّبات العليا للوطنيّة الفلسطينيّة (Macro-Level Nationalism)، يُتداول من ضمن مركّبات الهويّة الأساسيّة، عادة، اللغة، والتاريخ المشترك، في حين نلحظ اهتمامًا أقلّ بالمركّبات الفلوكلوريّة (Micro-Level Nationslism) والتقليديّة، وثمّة تسليم بأنّ الحداثة وعمليّات التعلّم قادرة على مواجهة عمليّات تهديد الهويّة الفلسطينيّة الآخذة بالتطوّر، ما يجعل التعامل مع الحمّص والفلافل وكأنّهما معطًى عاديّ ومفهوم ضمنًا، ويؤدّي، بالتالي، إلى تدخّل أقلّ أو عدم تعمّق في تفاصيل سياسيّة تسعى إلى تغيير ملامحهما فعلًا، أصليّتهما وجذورها.

في حين تقول إسرائيل إنّها أكبر مسوّقة تجاريّة للحمّص الجاهز (مقابل ادّعاء لبنانيّ معاكس)، وتقدّمه للعالم وكأنّه "الطبق الشعبيّ الوطنيّ للدولة"، يُظهر الفلسطينيّون ردّ فعل قليل المبالاة، ويغيب الجهد التوعويّ الوازن. ولعلّهم يعتمدون في ذلك على فرضيّة فشل محاولات أسرلته، وكأنّ الأمر حتميّ. وما يجعل الأمر أكثر تعقيدًا، وجود أصوات تقلّل من شأن رمزيّة الحمّص، وتستخفّ بدوره بصفته أحد مركّبات الهويّة الفلسطينيّة والعربيّة.

"احتضان" وتفكيك

الحمّص والفلافل يمثًلان نموذجًا لتوجّه إسرائيل نحو الهيمنة على رمزيّتهما وتحويلهما إلى عنصر فولكلوريّ لدولة حديثة، فيُستثمر "قوميًّا" واقتصاديًّا على المستويين المحلّيّ والعالميّ. ونحن نشهد تطوّرًا مستمرًّا في الممارسة الإسرائيليّة تجاه المطبخ الفلسطينيّ، استعماريّة (Cuisine Colonialism) وإمبرياليّة (Cuisine Imperialism)، وفي الحالتين ثمّة عمليّتا "احتضان" وتفكيك.

منتجات حمّص إسرائيليّة في أحد الحوانيت التجاريّة | سوزان شاين

يتمثّل "الاحتضان" باعتماد التسمية العربيّة دون تغييرها لهاتين الأكلتين، "حمّص" و"فلال"، من دون خطاب تشويهيّ كما حدث في حالة إقصاء الجبنة العربيّة البلديّة التي تُصنع بيتيًّا ويدويًّا. وهذا "الاحتضان" شكل ذكيّ ولطيف للهيمنة، وقد يخلق لدى البعض شعورًا ساذجًا وبريئًا بالتصالح معه.

وفي المقابل، ثمّة عمليّات تفكيك للمنتوج المحلّيّ اليدويّ، من خلال تفكيك طقوس تناول الحمّص والفلافل، بالإضافة إلى الغزو التجاريّ المكثّف للبيوت والمطاعم العربيّة، التي أضحت بغالبيّتها تستهلك الحمّص التجاريّ على حساب البلديّ، من دون الالتفات إلى هذا التفكيك، وعلى رأسه خنق قطاع الحمّص الزراعيّ. كما أنّ الممارسة الإمبرياليّة تجاه هاتين الأكلتين، على المستوى العالميّ، من شأنها أن تتحكّم بالمعاني وتنتج معرفة مضلّلة حول هويّتهما.

"לנגב חומוס!"

الحمّص والفلافل حالة غذائيّة حاضرة شعبيًّا، ومتجذّرة، وطبيعيّة، وتلقائيّة، إلّا أنّ هذه الحالة، وفي ظلّ الواقع الاستعماريّ، قد تُفرز أزمات ثقافة وانتماء، وتُحدث عرقلة في النموّ الاقتصاديّ؛ لذا ثمّة حاجة إلى أن تتحوّل هذه الحالة لمركّب أساسيّ في عمليّات بلورة الهويّة الفلسطينيّة وصقلها.

ثمّة ضرورة لتعزيز مكانة هاتين الأكلتين الثقافيّة، من خلال تسييس صناعتهما واستهلاكهما الاعتياديّ؛ وذلك بتناول خصائص التذوّق الشعبيّ، والكتابة النقديّة في ثقافة الطعام، وتوثيق هذه الثقافة، مثل تناول الحمّص، من نوع الحبوب حتّى لون الطبق، وشكله، ودرجه تجويفه.

ملصق للدفاع عن هويّة الفلافل الفلسطينيّة

أن يكون الفلسطينيّ مدركًا لمعنى "تغميس الحمّص"، وبارعًا فيه، أمر يقع في الضدّ من "ليناغيف خوموس" (לנגב חומוס)، وهو تعبير ليس ساذجًا ولا اعتياديًّا، بل تسلّل لمساحات طعام الفلسطينيّ، سعيًا إلى الهيمنة عليه من خلال إقصاء علاقة الأخير الحسّيّة والحميميّة مع الحمّص، وتحويلها إلى علاقة استهلاك مجرّدة من مضامينها.

العناية بالتفاصيل

وعي عمليّة الإقصاء للعلاقة الحسّيّة والحميميّة يتطلّب فعلًا مبادرًا يدرك معاني المنتوج الغذائيّ واستهلاكه؛ فالطعام مركّب حميميّ ومادّيّ في عمليّة بناء أو تعزيز الهويّة الوطنيّة وحمايتها، والتعامل معه من هذه الزاوية، وبهذا المستوى، يعدّ حماية للنفس أيضًا (Dietler Michael 2001, 2007). تعني هذه العمليّة، بالضرورة، إدراك الفرق بين الحمّص بصفته وجبة مغذّية (Meal)، وإدراك أهمّيّة تفاصيل الطقوس الفرديّة والجماعيّة للوجبة (Retual).

وتتطلّب الطقوس التوعويّة استبطانًا وصقلًا للتفاصيل، مثل: نوع الطحينة، والبقدونس البلديّ وجودته، والثوم البلديّ، والشطّة ومركّباتها، وحبوب الحمّص البلديّ مقابل حمّص "الكيبوتسات" والحمّص المستورد، وأوقات أكل الحمّص، وما يرافقه من بصل ومخلّلات، بالإضافة إلى سلوك الأفراد والجماعات في عمليّة أكل الحمّص، والجدالات الداخليّة حول أفضل حمّص وأفضل فلافل، وتفاصيل أخرى كثيرة تسهم في خلق وعي جماعيّ ثقافيّ واجتماعيّ قادر على مقاومة محاولات الطمس.

الحيّز

إذا كنّا تحدّثنا عن ضرورة حماية التفاصيل المرتبطة بالحمّص والفلافل، فلا بدّ من التطرّق إلى حضور الحيّز الجغرافيّ/ المعماريّ في هذه التفاصيل؛ إذ له دور مركزيّ في تعزيز هويّة المطبخ الفلسطينيّ. يمكن لمطاعم الحمّص والفلافل أن تطرح مقولات سياسيّة وثقافيّة من خلال اللغة، والصور، والأغاني التي تعبّر عن هويّة المكان وأصحابه، لتصبح الأماكن المشهورة بحمّصها وفلافلها، مثل عكّا، والقدس، وغيرها من المدن والقرى، فضاءات ترفض الهيمنة، ولا تقبل محاولات الإقصاء والتهميش الثقافيّ والهويّاتيّ.

"مطعم أبو شكري" في القدس

العودة إلى الحيّز يعني تكثيف أشكال الحضور، مثل إقامة مهرجانات خاصّة بالحمّص والفلافل، ومسابقات محلّيّة تُعنى بالطعم والتذوّق، والتوثيق التأريخيّ للأماكن والفضاءات التي توجد فيها المطاعم الخاصّة بهما. تكثيف التفاصيل وتوثيقها ليس تجديدًا في هذا السياق، فالعديد من البلدان التي شهدت صراعات أو نزاعات لها علاقة بالهويّة والانتماء، أو بلدان تعرّضت للاستعمار، أو دول يتعرّض مطبخها للاندثار، تطوّر آليّات لتعزيز هويّة مطابخها الوطنيّة وتوثيقها، فنجد دراسات، وأعمالًا توثيقيّة، ومهرجانات، ومتاحف، ومطاعم حول العالم تُعنى بمطابخ محدّدة، مثل كوريا الجنوبيّة، واليابان، وإيطاليا، وإيرلندا، والهند، والشعوب الأصلانيّة في أمريكا الجنوبيّة، وكندا، وأستراليا.

في مطاعم القدس الصغيرة خارج الأسوار، من حمّص "العكرماوي"، وحمّص "أبو حسن"، وصولًا إلى حمّص "أبو شكري" داخل الأسوار، تكوّنت الصداقات، وتطوّرت الأحاديث الثقافيّة والسياسيّة والاجتماعيّة. ولطالما كان الحمّص والفلافل تفصيلين يعمّقان الارتباط والانتماء.

 

فايد بدارنة

 

 باحث وكاتب. حاصل على البكالوريوس في علم الاجتماع والأنثربولوجيا والعلوم السياسيّة، والماجستير في مجال السياسات العامّة من الجامعة العبريّة في القدس، كما يحمل شهادة في الدراسات الثقافيّة. يحضّر لرسالة الدكتوراه في موضوع المجتمع المدنيّ وبلورة الهويّة الوطنيّة في الجامعة العبريّة. كتب عدّة مقالات في السياسة، والنقد الموسيقيّ والمسرحيّ، والسينما.

 

 

تعليقات Facebook