غادر الفرنسيّون: مَنْ ينقذ آثار غزّة؟

آثار بيزنطيّة مكتشفة حديثًا وسط مدينة غزّة (2016)

يبلغ الاستهتار بالمناطق الأثريّة في قطاع غزّة أقصى مداه، بتخصيص حكومة غزّة منطقة أثريّة تدعى 'تلّ السكن'، تقع شمال مدينة الزهراء وسط القطاع، من أجل إقامة أبراج سكنيّة لموظّفيها، تعويضًا عن مستحقّاتهم الماليّة المتأخّرة منذ عام 2015.

ولم تمنع المناشدات التي وجّهتها جهات محلّيّة ودوليّة مثل 'اليونسكو'، ووزارة السياحة والآثار في رام الله، ووقفات احتجاجيّة، مواصلة أعمال التجريف في الموقع، التي أتت على 20 دونمًا منه.

ولعلّ مثل هذا القرار الذي استفزّ الأوساط المهتمّة بالآثار والثقافة، كان محفّزا للبحث عن دواعي توقّف أعمال التنقيب عن الآثار في غزّة منذ أكثر من 12 عامًا، وإهمال المناطق المكتشفة، غير أنّ الإجابات لم تكن منطقيّة إلى حدّ كبير، إذ تمحورت حول ضعف الإمكانات وقلّة الأدوات.

باتيست

وقد شهدت غزّة عام 1998 مشروعًا للتنقيب عن الآثار بجهود وزارة السياحة والآثار آنذاك، وبمساعدة بعثة فرنسيّة قادها خبير الآثار الفرنسيّ جان باتيست، المسؤول عن التنقيب في غزّة بموجب اتّفاقيّة وقّعها الرئيس الفلسطينيّ الراحل، ياسر عرفات، مع الرئيس الفرنسيّ الأسبق، جاك شيراك، عام 1994.

عالم الآثار الفرنسيّ جان باتيست

وقد اكتشف خلال هذا المشروع عدد من المواقع الأثريّة، كان من أبرزها 'تلّ السكن' الذي يشهد على حضارة تعود للعصر البرونزيّ الأوّل، أي قبل 5000 عام.

غير أنّ أعمال التنقيب توقّفت عقب اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000، مدّة خمس سنوات متتالية، لتُستأنف بعد الانسحاب الإسرائيليّ من القطاع عام 2005، وما لبث أن استمرّت عامين آخرين، حتّى توقّفت بفرض الحصار على غزّة.

منذ ذلك الحين، لم تحظ المواقع الأثريّة المكتشفة، أو حتّى المغمورة، باهتمام الجهات الرسميّة، لتوقّف البعثة الفرنسيّة عن زيارة تلك المواقع، ولضعف الإمكانات المتاحة محلّيًّا، على الرغم من وجود وزارة سياحة وآثار من مسؤوليّتها أداء هذا الدور.

سماسرة

وبناء على شهادة أحد منقّبي الآثار في غزّة، رفض الكشف عن هويّته (محفوظ لدى هيئة التحرير)، فقد عثر على عشرات القطع الأثريّة خلال عمليّات تنقيب مختلفة قادها بمفرده، انطلاقًا من اهتمامه بالآثار، فضلًا عن جمعه قطعًا نقديّة أثريّة قديمة، يقول إنّ مَنْ يقدّر قيمتها هم 'الأجانب' فقط.

موقع 'تلّ السكن' المكتشف عام 1998، والذي يُجرّف حاليًّا لبناء أبراج سكنيّة

وأكّد المنقّب الذي يعاني الأمّيّة، أنّه لا يستطيع تفسير ما خُطّ على القطع الأثريّة، كما لا يستطيع أن يقدّر أعمارها، لكنّه يدرك جيّدًا أنّها يمكن أن تدرّ عليه مالًا كثيرًا إذا قرّر بيعها.

وأكّد خبير الآثار ناصر اليافاويّ على أنّ نحو 70% من آثار غزّة  سُرِقَتْ عبر سماسرة الآثار، ووُضعت  في متاحف غير فلسطينيّة، من بينها متحف 'روكفلر' الإسرائيليّ، ناقلًا عن المؤرّخ  فلندرز قوله: 'لو حفرت كلّ شبر في غزّة، لوجدت فيه آثارًا، كونها كانت جسرًا وقنطرة يمرّ عليها كلّ القادمين من الشرق والغرب'.

وأشار اليافاويّ إلى أنّ العديد من المواقع الأثريّة في غزّة مهدّدة بالاندثار، منها تكايا ومساجد في غزّة القديمة، وقبر المغازاة وسط قرية المصدر، ومقبرة الشوبانيّ الأثريّة على ساحل النصيرات، ومجموعة من الصوامع كان البدو يطلقون عليها 'هرابات'، وقد طُمِسَت فعلًا، ومنها رومانيّة، وكنعانيّة، ومقام الوليّة الصالحة خضرة الطنطاويّ في المصدر أيضًا.

حاويات قمامة

تكشف المعاينة الميدانيّة لتلك المواقع عن أنّ الكثير منها قد دثر تحت وطأة الاستهتار، ولا سيّما موقع 'البلاخية' (ميناء الأنثيدون القديم) المتاخم لشاطئ 'مخيّم الشاطئ' غرب مدينة غزّة، والذي شهد أعمال تنقيب مضنية خلال حقبة التسعينات وبداية الألفيّة الثانية، أمّا الآن فتغطّيها تلال رمليّة وحاويات قمامة.

من أعمال ترميم 'سبيل الرفاعية' في غزة عام 2014

ووفق ما جاء في موقع وزارة السياحة والآثار، فإنّ نتائج التنقيبات  في 'البلاخية' أظهرت وجود سور مدينة مبنيّ بالطوب اللبن، يعود تاريخه إلى العصر الكنعانيّ (العصر الحديديّ الثاني، القرن 8 ق. م)، ضمن أقدم طبقة أثريّة عُثر عليها في الموقع، وهو مزامن لفترة السيطرة الآشوريّة على المنطقة.

رمال وأعشاب

منطقة 'تلّ أمّ عامر'، وهو موقع أثريّ وسط القطاع يعود إلى عام 329م، ويُعرف أيضًا 'بدير القدّيس هيلاريون'، أحد أهمّ الأديرة في بلاد الشام، فتتوقّف أعمال التأهيل منذ مدّة، وقد غطّت الرمال والأعشاب جزءًا من تفاصيل آثاره، فضلًا عن عدم وجود جدار حماية على طول الموقع الأثريّ.

أحد مشرفي وزارة السياحة والآثار على موقع 'هيلاريون'، محمّد عبد الجواد، أرجع توقّف تأهيل الموقع إلى ضعف الإمكانات، مؤكّدًا على أنّ المكان بحاجة إلى أعمال صيانة بين فترة وأخرى، لكنّ ذلك غير ممكن حاليًّا بسبب عدم توفّر الظروف الملائمة.

وذكر عبد الجواد أنّ الموقع شهد قبل نحو عامين أعمال تأهيل رعتها منظّمة 'اليونسكو'، امتدّت شهرين متتاليين، استهدفت الدير، والأرضيّات الفسيفسائيّة، والممرّات، ومنذ ذلك الحين لم يشهد الموقع أيّ أعمال تطويريّة.  

دير القدّيس هيلاريون

أمّا الكنيسة البيزنطيّة شمال قطاع غزّة، التي يعود تاريخ بنائها إلى عام 444م، وهو أقدم تاريخ سجّل في النصوص الكتابيّة السبعة عشر التي كُشِفَ عنها في أرضيّات ومداخل الكنيسة، وكان ذلك مزامنًا لحكم الإمبراطور ثيودوسيوس الثاني، فهي لم تختلف كثيرًا عن سابقتها من المواقع الأثريّة، إذ تعاني من إهمال واضح، ولا سيّما أنّ أرضيّات الفسيفساء غطّتها كثبان الرمال، وأصبحت مداسًا للزوار. 

أموال الدول المانحة!

وضعت فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة المشاهد التي عاينتها عن قرب على طاولة وزارة السياحة، للوقوف على دواعي هذا الإهمال، فاكتفى مدير عام الآثار، جمال أبو ريدة، بتقديم سببين: ضعف الإمكانات وامتناع الدول المانحة عن تقديم مشاريع تخدم الآثار.

وقال أبو ريدة: 'ضعف الإمكانات السبب الرئيسيّ لوقف أعمال التنقيب، فضلًا عن التوقّف شبه التامّ عن أعمال الصيانة والترميم في المناطق الأثريّة للسبب نفسه'، مؤكّدًا على أنّ الموازنات الخاصّة التي كانت تنفق على مشاريع التنقيب عن الآثار، وحفظها، وصيانتها، كانت تأتي عبر الدول المانحة، غير أنّها توقّفت بعد أحداث الانقسام عام 2007. وأفاد أبو ريدة بأنّ كلًّا من الألمان والفرنسيّين كانوا مهتمّين بمثل هذه المشاريع، إلّا أنّهم توقّفوا عن دعمها منذ عشر سنوات، 'ومنذ ذلك الحين ونحن نعاني من أجل الحفاظ على الآثار، ولا سيّما أنّ مناطق أثريّة لا يقلّ عمرها عن 200 عام بحاجة إلى صيانة دوريًّا' كما قال.

عسى المصالحة...

وأكّد أبو ريدة على أنّ توقّف تأهيل وصيانة المواقع الأثريّة يؤثّر سلبًا في الموقع الإنشائيّ الأثريّ، ولهذا فهي بحاجة إلى صيانة دوريّة، ولا سيّما مع اقتراب قدوم فصل الشتاء، نافيًا أن تكون الحكومة القائمة، أو سابقتها، قد خصّصت جزءًا من موازناتها لصالح وزارة السياحة والآثار.

الدكتور جمال أبو ريدة، مدير عامّ وزارة السياحة والآثار في غزّة

وذكر أبو ريدة أنّ وزارته بحاجة إلى موازنات ضخمة للقيام بعمليّات تنقيب عن الآثار، والموجودة في معظم محافظات قطاع غزّة، وأضاف: 'أقلّ قيمة ماليّة يحتاجها مشروع تنقيب عن أيّ موقع أثريّ مليون دولار، ولا سيّما أنّ أعمال التنقيب تحتاج إلى عمل يدويّ، وبالتالي إلى استثمار أكبر كمّ من العمل، وهذا يتعذّر توفيره في الوقت الحاليّ'.

وعلّق أبو ريدة آمالًا على إنجاز المصالحة، وأن تعود حكومة الوفاق الوطنيّ لمواصلة عملها في غزّة، وذلك من أجل دعم مشاريع الحفاظ على الآثار والتنقيب عنها، ولا سيّما أنّ الدول المانحة تربط تنفيذ مشاريع الآثار بعودة السلطة لممارسة عملها في غزّة.

 

فادي الحسني

 

إعلاميّ من قطاع غزّة. يعمل في مجال الاستقصاء الصحافيّ، وقد صدر له 'إعلاميّون منهجيّون في كشف الحقائق'. حاصل على عدّة جوائز إعلاميّة، من بينها المركز الثاني على مستوى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في جائزة التحقيق الاستقصائيّ (2013)، وجائزة فلسطين للإبداع الشبابيّ – فئة الكتابة الصحافيّة (2012). يرأس تجمّع قرطبة الثقافيّ في غزّة

تعليقات Facebook