أن تقتني كتابًا في غزّة

Guido Cavallini, Getty Images

 

أن تجد كتابًا تبحث عنه في قطاع غزّة، ليس بالأمر السهل. لا يقتصر الأمر على سعر الكتاب، أو الاهتمام من عدمه لدى صاحب المكتبة، على أهمّيّة تلك الأسباب، إنّما يتعلّق بمدى توفّره في المكتبات العامّة أيضًا، بعد أن يمرّ عبر مِجْهَرَيّ الأمن والأخلاق. عندما كنت أبحث عن كتب بعينها، لم أكن أجد مبتغاي غالبًا، ما جعلني في حالة امتعاض دائم من كلّ حوار يتعلّق بالمكتبات في القطاع، وربّما لهذا السبب يأتي هذا الاحتجاج.

 

لا شيء لهذا الكنفاني

نويت ذات صباح أن أقرأ مجلّد القصص القصيرة للأديب الفلسطينيّ غسّان كنفاني، وبينما كنت في مكتبة الجامعة، سألت أمين المكتبة عنه. بعد أن بحث في الحاسوب الخاصّ به، رفع رأسه بتثاقل وأجاب أنّه لم يجد شيئًا لهذا الكنفاني!

لم يكن وقع الأمر مريحًا أبدًا، على الرغم من أنّه لم يسبق وأن تعثّرت بكتب لكنفاني بين رفوف الكتب. ربّما جعلني الفضول أقدم على السؤال، فغسّان يستحقّ أن نسأل عنه ونسائل المقصّرين بحقّه. لم أفقد الأمل، ذهبت إلى مكتبة جامعة أخرى. وجدت المجلّدين الأوّل والرابع من أعمال كنفاني، أمّا مجلّد القصص القصيرة كان مفقودًا، ولا توجد منه نسخة أخرى. عدت أقلّ إحباطًا، وإن لم أحصل على الكتاب الذي أريد... فقد تذكّروا صاحب أدب المقاومة بشيء ما على الأقلّ!

 

الكتب مصادرة

تمكّنت نهاية عام 2012 من السفر إلى مصر، وزرت مكتبة الأزبكيّة التي تزخر بالكتب القيّمة والرخيصة. اشتريت يومها ما يزيد على سبعين كتابًا في الفلسفة، والفكر، والأدب العربيّ، والمترجم. كان من بينها كتب تناقش الخطاب الدينيّ في العالم العربيّ. خشيت أن أواجه بعض المشكلات في نقلها إلى غزّة، مع أنّ الأمر لا يتعلّق بالوزن الزائد، فربّما يصادرونها.

قرّرت، أخيرًا، أن أنقل بعض تلك الكتب بمساعدة صديق "متديّن" ولديه سمات ممتازة لهذه المهمّة! بعد أيّام، التقيت الشابّ في غزّة. أخبرني بأنّه كان مستعجلًا، فارتكب خطأً فادحًا بأن وضع كتبي "الفاضحة" فوق مجموعة "البداية والنهاية" لابن كثير، خاصّته. عندما وصل الجانب الفلسطينيّ من المعبر وفتح الحقيبة للتفتيش اليدويّ، وقعت عين رجل الأمن على كتاب "نقد الخطاب الدينيّ" للمفكّر المصريّ نصر حامد أبو زيد، فالتقطه بيده. الكتاب الثاني لم يكن أقلّ "فضائحيّة"، عندها صرخ في وجه صديقي: "الكتب مصادرة... استغفر الله العظيم". بعد أن أجرى لقاءات مكّوكيّة مع الضبّاط ورجال الأمن ومحاولات التبرير، وبعد أن تذرّع بقراءة هذا النوع من الكتب بغرض مهاجمة "الكفّار"، تركوها له!

 

هذه مكتبة تنشر الفضيلة

كانت زيارتي لمكتبة تتبع أحد التنظيمات الاشتراكيّة في القطاع فرصة مثاليّة للحصول على نسخة من رواية "وليمة لأعشاب البحر"، للكاتب السوريّ حيدر حيدر، إذ كان الحصول على هذه الرواية ورقيًّا أمرًا ممتنعًا عن التحقّق، بعد أن حُجبت عن مكتبات القطاع، إثر قرار حكوميّ يمنع بيعها منذ العام 2011.

كان حرص أفراد الأجهزة الأمنيّة في البحث عن الرواية لافتًا، إنّه الأمن والأمان! والمفارقة المضحكة أنّك لن تجد منهم مَنْ يصرف بعضًا من وقته الثمين في استكشاف عالم الرواية. لم تكن رواية حيدر الأولى، ويبدو أنّها لن تكون الأخيرة، ضمن قوائم الممنوعات في هذه البلاد.

بعد فترة من الزمن، زارني أحد الأصدقاء وكان يحمل في يده نسختين من رواية "جملكيّة أرابيا" للروائيّ الجزائريّ واسيني الأعرج. قدّم لي النسختين هديّة، واحدة لي والأخرى لشقيقي، وقال إنّه استطاع تهريبهما من المكتبة التي يعمل فيها، بعد أن قرّر مالك المكتبة إحراق كتب الأعرج!

أوضح لي أنّ أحد الشيوخ قدم إلى المكتبة وأخبر الموظّف الجالس خلف المكتب، أنّ مالك المكتبة يستطيع أن يبيع كتبًا ويحقّق الربح من دون أن ينشر الكفر والزندقة في مجتمع إسلاميّ! على الرغم من أنّ تلك الكلمات لم تعجب الموظف، فقد أبدى تأييدًا لكلام الشيخ. بضعة ساعات وجاء القرار من المالك: لا تبقوا على رواية واحدة لهذا الكافر، نحن مسلمون وهذه مكتبة تنشر الفضيلة فقط. هكذا تمّ الأمر!

 

16 ساعة من غياب الكهرباء

المكتبة نفسها التي يعمل صديقي فيها، نشرت عرضًا خاصًّا عبر الشاشة الزرقاء، ذكرت فيه أنّ الخصم على الكتب يصل إلى 50%. إنّها فرصتي للحصول على بعض الكتب المتوفّرة ورقيًّا. رتّبت موعدًا مع أحد الأصدقاء، وتوجّهنا إلى المكتبة سويًّا. بعد أن قلّبت عناوين المكتبة واحدًا فواحدًا، اخترت ثلاثة كتب، وتوجّهت بها إلى المحاسب. كان السعر صادمًا، على الرغم من الخصم المُعلن عنه!

تكرار مثل هذا أدّى إلى أن آلف الكتب الإلكترونيّة.

على الرغم من توفّر الكتب الإلكترونيّة بشكل أكبر وأسلس من تلك الورقيّة، وهذا ما يسمح بتجاوز عائق السعر، إلّا أنّ عائقًا آخر يبرز في المقابل: التيّار الكهربائيّ المفقود. إنّ قطع الكهرباء لأكثر من 16 ساعة يوميًّا عن منازل الغزّيّين، يُفقد هذا البديل جدواه. الكتاب الإلكترونيّ يموت إذا غابت الكهرباء، إنّه يموت فعلًا.

 

كتب الـ USAID الثمينة

تفاجأت مرّة بكمّيّة كتب جديدة وصلت مكتبة الجامعة، وبطبعات ثمينة، تحديدًا في قسم الروايات. التقطت إحدى هذه الروايات وقلّبت صفحاتها. أُلْصِقَ على الصفحة الأولى شعار كُتِبَ فيه: "إهداء من الـUSAID ". لم يكن الأمر مريحًا على الإطلاق. مع ذلك، استعرت روايتين، قلت إنّ الأمر يستحقّ المغامرة. كانت الروايتان على قدر كبير من التشويق وجماليّة الأسلوب، فالتهمتهما بنهم.

لم تفارقني الفكرة التي هجست بها منذ اللحظة الأولى؛ إنّه "الخطر الأحمر"، أو "محور الشرّ"، كما يفضّل الأميركيّون تسمية أعدائهم. حتّى هذا اليوم، ما زلت على قناعة بأنّك لن تجد ضمن هذه "الهدايا" رواية تخبرك بما فعلته الولايات المتّحدة في اليابان، مثلًا، من أجل حماية "الحرّيّات" حول العالم!

 

الكتب مضيعة للوقت!

حصرتني نوعيّة الكتب المتوفّرة في مكتبة الجامعة في استعارة بعض الروايات العربيّة والمترجمة. اخترت مرّة رواية لم أعد أذكر اسمها، توجّهت بها إلى مكتب الموظّف الخاصّ بتسجيل الكتب المستعارة. التقط الموظّف الرواية وألقى نظرة سريعة على العنوان، وباشر بعمليّة التسجيل الإلكترونيّ.

نظر إليّ، ثمّ قرّر أن يهبني نصيحته: "يا ابني، هذه الكتب بلا فائدة، من الأجدر بك أن تستثمر وقتك في شيء مفيد!"

على الرغم من غرابة الحالة، إلّا أنّني لم ألتفت إلى تلك النصيحة، ولم أعر الرجل وآراءه أيّ اهتمام. أردت أن أتقدّم بشكوى ضدّه حينها، لكنّني لم أفعل!

 

مهنّد عاهد

 

من مواليد مخيّم اليرموك للّاجئين الفلسطينيّين، لعائلة مهجّرة من قرية حمامة، ويعيش في غزّة منذ عام 1997، بعد عدة تنقّلات بين سورية والأردنّ واليمن. ناشط حقوقيّ ومهتمّ بالشأن الثقافيّ. يعبّر عن أفكاره في مدوّنة "إرهاصات فكريّة".

 

 

تعليقات Facebook