سوق الضفة الغربية: حماية الكتب من التزوير أصعب من الشوكولاتة!

 

في سوق الضفّة الغربيّة، تجد أحدث الإصدارات الأدبيّة يُباع بنصف الثمن، على بسطات الشوارع في رام الله، على مداخل المكتبات في بيت لحم، وفي نابلس، وغيرها من المدن. تُباع هذه الكتب علنًا، رغم أنّها مزوّرة، ومستنسخة، ومطبوعة بشكل غير قانونيّ، دونما حقّ للكاتب أو دار النشر، ويُقْبِل عليها المشترون لأنّ أسعارها رخيصة، ولأنّ القارئ ربّما لا يعرف الفرق بين النسخة الأصليّة والكتاب المستنسخ.

لكنّ الجهات المنفّذة للقانون تعرف، والجهات القائمة على القانون تعرف، ولا تفعل شيئًا؛ لماذا؟ هل الخلل في القانون نفسه؟ هل الخلل في تنفيذه؟ وهل يوجد قانون يحمي المؤلّف والناشر من مثل هذه السرقة أصلًا؟

بحثت فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة في قاعدة بيانات منظومة القوانين والتشريعات الفلسطينيّة، ووجدت أنّ ثمّة قانونين يتضمّنان جهات مختصّة بحماية هذه الحقوق في نصّيهما، هما "وزارة الثقافة" و"وزارة الاقتصاد الوطنيّ"، غير أنّ "قانون المطبوعات والنشر"، ساري المفعول في الضفّة الغربيّة منذ عام 1995؛ أي منذ أربعة وعشرين عامًا، لا يتضمّن شيئًا بهذا الخصوص.

 

وزارة الإعلام: هذا من اختصاص وزارة الثقافة

قال القائم بأعمال المطبوعات والنشر، عزّام البلّوطي، إنّ عمل "وزارة الإعلام" يتمثّل في تراخيص وسائل الإعلام، غير أنّه قديم، إلى درجة أنّه لا يحتوي أيّ مضمون يعالج الوضع القائم حاليًّا؛ "لدينا قانونان هما ’قانون المطبوعات والنشر لعام 1995‘، و’قانون المرئيّ والمسموع لعام 2004‘، عدّلنا ’قانون المرئيّ والمسموع‘ عام 2009، ومؤخّرًا في عام 2018 أجرينا تعديلات مقترحة على كلا القانونين، غير أنّنا لم نجد ردًّا من ’مجلس الوزراء‘، ما زال الأمر قيد الانتظار. إنّ مسؤوليّة حماية حقوق المؤلّف تقع على عاتق ’وزارة الثقافة’ بشكل كبير، من جهتنا نحن نختصّ بالتسجيل والإعلام، ومن ضمن اختصاصنا الّذي يتقاطع وحقوق المؤلّف والملكيّة الفكريّة، حاولنا صياغة ’قانون الإعلام الموحَّد‘، الّذي ما زال أيضًا قيد الانتظار".

وأضاف: "كان لدينا قسم للإيداع المؤقّت، تُسَجَّل فيه الكتب الفلسطينيّة؛ لتحصل على رقم إيداعها الدوليّ ISBN، لكنّنا أوقفناه بانتظار أن تستلمه منّا ’وزارة الثقافة‘، وما زال واقفًا إلى الآن.

 

وزارة الاقتصاد الوطنيّ: لا تسجّل دور النشر علاماتها التجاريّة؛ لضعف تواصلنا معها

ينصّ قرار مجلس الوزراء رقم (229) لسنة 2004م، بالتنظيم الهيكليّ والوظيفيّ لـ "وزارة الاقتصاد الوطنيّ"، في مادّته رقم (26)، على أنّ "الإدارة العامّة لحقوق الملكيّة الفكريّة" من مركّبات "وزارة الاقتصاد الوطنيّ"، ينصّ القرار على ما يأتي:

"1-  تتولّى "الإدارة العامّة لحقوق الملكيّة الفكريّة" المهامّ والاختصاصات الآتية:

* تسجيل براءات الاختراع، والعلامات التجاريّة.

* حماية براءات الاختراع، والعلامات التجاريّة، وحقّ المؤلّف والحقوق المجاورة.

* تنسيق الانضمام إلى الاتّفاقيّات الدوليّة، والاتّصال بهذه المنظّمات، وتقديم المشورة للهيئات الحكوميّة، في ما يخصّ الالتزامات الدوليّة في مجال الملكيّة الفكريّة".

وقد أصدرت الوزارة يوم 16 كانون الثاني (يناير) 2019، بيانًا يتحدّث عن محاولة صياغة قانون لحماية الملكيّة الفكريّة، وقد قال علي ذوقان لفُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة، إنّ "هذا القانون ينظّم العلامات التجاريّة والاختراعات والأسماء التجاريّة، ويوحّد القوانين بين الضفّة وغزّة، ويُفترض أن يكون له دور في التنمية الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة؛ إذ يحمي هذا القانون الأسماء، والعلامات التجاريّة الخاصّة بدور النشر والمؤلّفين، من ضمن الجهات الّتي يحميها".

وأضاف: "لقد رفعنا قانون حقوق المؤلّف والحقوق المجاورة منذ عامين، وصغنا مسوّدة ورفعناها إلى "المؤسّسة الدوليّة للملكيّة الفكريّة"، لمراجعته وجعله يتواءم مع الاتّفاقيّات الدوليّة؛ لأنّ هذا القانون ذو بُعد اقتصاديّ كبير، لحماية الإبداع الفلسطينيّ والابتكار الفلسطينيّ، وربّما استطعنا أن نشارك ’وزارة الثقافة‘ في هذا قريبًا".

سألت فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة عن إمكانيّة حماية الكتب، كما تجري حماية السلع التجاريّة والعلامات التجاريّة الأخرى، فقال ذوقان إنّ الوزارة سبق أن سجّلت علامة تجاريّة لأكسفورد، وكتبها الّتي تباع في المدارس والجامعات، وأصبح بالإمكان ملاحقة من يزوّر كتب أكسفورد وعلامتها التجاريّة، وإنّ هذا ممكن لدور النشر أيضًا، لكن "لا تسجّل دور النشر علامتها التجاريّة لدى ’وزارة الاقتصاد الوطنيّ’ رغم أنّه ممكن، ربّما لا يسجّلون لدينا؛ لأنّ ثمّة فجوة بيننا وبينهم، ولا تواصل بيننا وبينهم، ونحن مستعدّون للتعاون معهم منذ الآن إن أرادوا؛ لنسجّلهم علامات تجاريّة، ونستطيع حمايتهم".

 

وزارة الثقافة: نحن نريد أن نحمي حقّ المؤلّف، لكنّنا مقيّدون

ينصّ قرار "مجلس الوزراء" رقم (227) لسنة 2004م، بالتنظيم الهيكليّ والوظيفيّ لـ "وزارة الثقافة"، في المادّة رقم (26)، إنّ من ضمن هيكليّة الوزارة إدارة عامّة للمكتبات والمخطوطات، فيها دائرة للملكيّة الفكريّة، تتولّى حماية حقوق المؤلّف من ضمن مهامّها.

"أوّلًا: تتولّى الإدارة العامّة للمكتبات والمخطوطات الاختصاصات والمهامّ الآتية:

1- رعاية المكتبات العامّة والأهليّة والمتخصّصة والمدرسيّة، وتطويرها، وتدريب العاملين في هذا المجال.

2- وضع المعايير والمواصفات الخاصّة بالمكتبات ومراكز المعلومات، وتحديث نظم الفهرسة والحوسبة، ودعم مكتبات الأطفال.

3- جمع المخطوطات ورعايتها ونشرها، وحماية الملكيّة الفرديّة.

4- المشاركة في الندوات، والمؤتمرات، واللقاءات العربيّة والدوليّة، المخصّصة لهذا الشأن".

تواصلت فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة مع سامي بطراوي، مسؤول الملكيّة الفكريّة في "وزارة الثقافة"؛ فأوضح أنّ ثمّة قانونين فاعلين الآن، هما "القانون البريطانيّ لعام 1924"، و"القانون العثمانيّ لعام 1911"، لكنّهما مغرقان في القدم، ولا يمكن تنفيذهما لهذا السبب، لكنّنا نستند إليهما.

قال بطراوي: "تعمل الوزارة على إقرار قانون حقّ المؤلّف والحقوق المجاورة، لكنّ ’مجلس الوزراء’ لمّا يصادق عليه بعد؛ ليس لدينا أداة قانونيّة نستند إليها؛ لغياب نصّ قانونيّ مختصّ، وغياب محاكم مختصّة بالتزوير والاعتداء على الملكيّة الفكريّة".

وأكّد: "في ’وزارة الثقافة‘ نحن ما زلنا نحاول أن نجدّد لـ ’مجلس الوزراء‘ طلبنا؛ بقراءة هذا القانون والمصادقة عليه، ولمّا يتمّ ذلك حتّى الآن؛ لذلك حتّى إن جاءتنا شكوى إلى الوزارة فلا نستطيع التحرّك، لكنّنا نوجّه المؤلّفين إلى المحامين؛ فربّما استطاعوا إيجاد حلّ ما لهذه الإشكاليّة".

 

وجهة النظر القانونيّة: الأمر ليس أولويّة، ويمكن اللجوء إلى الدعوى المدنيّة

حيث إنّ لدينا كرة متشابكة من القوانين النافذة، وغير النافذة، والسارية، وغير المصادَق عليها؛ لجأت فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة إلى خبير قانونيّ؛ ليحاول حلّ الأحجية.

قال المحامي فريد الأطرش، إنّ "هذا الموضوع ليس أولويّة لدى القانونيّين، ولا صنّاع القرار، ولا حتّى المواطنين، لا يُعَدّ الأمر من الضروريّات لديهم، ولا سيّما في ظلّ غياب ’المجلس التشريعيّ’، وعدم انعقاده لصياغة القوانين، وأيضًا لعدم اهتمام الرئاسة أو ’مجلس الوزراء‘ بمثل هذا القانون؛ لهذا فموضوع حماية الملكيّة الفكريّة، وحقوق المؤلّف مؤجّل، ومماطَل، ولا يجد أيّ اهتمام حقيقيّ".

وأضاف عن آليّة إقرار القوانين: "من جهة إقرار القانون، في حال غياب ’المجلس التشريعيّ‘ وعدم انعقاده، يُرفع مشروع القانون إلى ’مجلس الوزراء‘، وبعد نقاشه يُرفع إلى الرئيس لإقراره، هذه هي الآليّة الموجودة لعدم انعقاد ’المجلس التشريعيّ‘، وهذا لا يبشّر بأنّ الحال سيتغيّر قريبًا، ما دام ’مجلس الوزراء‘ لا يولي هذا الأمر أيّ أهمّيّة".

أضاف الأطرش: "إنّ الموضوع بحاجة إلى ثقافة وتضافر الجهود؛ من أجل متابعة عدم تزوير الكتب، وعدم بيع الكتب المزوّرة، ولا سيّما أنّ حماية الملكيّة الفكريّة، ليست أمرًا ذا أهمّيّة لدى الشارع الفلسطينيّ، ولا له أهمّيّة لدى صنّاع القرار".

سألت فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة عن إمكانيّة التعامل مع الكتب، مثل بقيّة السلع التجاريّة، فقال: "في حال تزوير السلع أو العلامات التجاريّة؛ يمكن المتضرّر أن يشتكي إلى المحكمة لأنّه مخالف للقانون، لكن في حالة الكتب يمكنه أن يحصل على تعويض، في حال رفع دعوًى مدنيّة، لكنّ الإجراءات في المحاكم تستغرق وقتًا طويلًا، وتكون المماطلة فيها كبيرة".

 

إنّ حماية الكتب أصعب كثيرًا من حماية الشوكولاتة

لنفترض أنّ وكيل نوع ما من الشوكولاتة، وجد أنّ الشوكولاتة الّتي يصنعها تُباع منها بضائع مزوّرة، وأنّ اسمه منتحل وعلامته التجاريّة أيضًا؛ بإمكانه التوجّه إلى "دائرة التموين" في "وزارة الاقتصاد"، الّتي تكشف البضائع المزوّرة، وتصادرها، وتعاقب الجاني.

لننظر الآن إلى حقيقة أنّ آلاف النسخ من الكتب تباع مزوّرة، وتسبّب الكثير من الخسائر للمؤلّفين ودور النشر؛ فيتوجّه إلى الجهات المختصّة، الّتي تقول إنّها تبذل جهدًا في حمايته، لكنّها لا تستطيع، فنستنتج أنّ الكتب تجد مكانة أقلّ كثيرًا من مكانة الشوكولاتة، و"يا كاتب، إلك الله".

 

 

نداء عوينة

 

بدأت العمل الصحافيّ وكتابة المحتوى والتحرير عام 2008، نشرت العديد من المقالات في الصحف والمواقع العربيّة والفلسطينيّة. حاصلة على البكالوريوس في اللغتين الفرنسيّة والإنجليزيّة، والدبلوم العالي في الإعلام، ودرجة الماجستير في دراسات التواصل الدوليّ، والدكتوراه في نقد الأدب العربيّ المعاصر.

 

 

 

تعليقات Facebook