أمعاء خاوية: أزمة السجّان عبر إذلال الجسد

بلطف عن الكرامة برس

 

لم يَعُد للسجّان سوى وسيلة واحدة للسطوة على الأسير: إذلال الجسد وإرهاق النفس.

إذن، أيّها السجّان، سأسلب منك هذه النعمة الّتي اسمها جسدي؛ سـ "أقتلها" كي لا تنعم بتحقيرها.

إنّ الأسير، في علاقته الجديدة بجسده، وضمن جدليّة العلاقة بالسجّان، إنّما يرتقي بنفسه فوق الطبيعة المفترَضة، عبر تحويلها إلى شيء آخر يختلف عمّا كانت عليه من قبل؛ يغيّر السجين نفسَه ويتحوّل إلى خالق لمصيره الخاصّ، وبخلاف السجّان، الّذي يتغيّر فقط بوساطة من عمل السجين ذاته، يجد السجّان نفسه في حالة "انسداد وجوديّ"، غير قابل للإشباع أمام رفض السجين منحه الاعتراف به، في أدنى تقدير، وسلبه آخر أدوات سُلطته: الجسد، في التقدير الأخير. هذا، بينما يحتفظ السجين بإمكانيّة بلوغ إشباع حقيقيّ، عبر "تغلُّب جدليّ" على عجزه القسريّ وشعوره بالغُبن.

 

جدليّة السيّد والعبد

في هذا الفعل الجبّار، الّذي نتضاءل جميعًا أمامه: الإضراب عن الطعام والشراب قد يطول إلى أشهر، كما شهدنا في معارك الأمعاء الخاوية المتكرّرة داخل سجون الاحتلال الإسرائيليّ. رحلة عذاب بطيئة للجسد والنفس، لا يمكن فهمها بأدوات التحليل الّتي نطبّقها على وقائع اعتياديّة. إنّنا هنا أمام حدث جلل، يملك في معناه وفي تأثيره النفسيّ ما يمكن أن يغيّر التاريخ وسيرورة العالم، في سياق العلاقة بين "السيّد" و"العبد"، وهي علاقة جدليّة صِداميّة ومعقّدة عبر التاريخ، أخذت حيّزًا من الاهتمام في نصوص هيجل "فنومنولوجيا الروح" (1807)، ثمّ خصّص لها جاك لاكان كثيرًا من اهتمامه عبر دراساته لهذه الجدليّة، وتطرح سؤالًا كبيرًا حول "حرّيّة الإرادة"، السؤال الكبير الّذي لا يزال مفتوحًا، ومثار جدل علميّ وفلسفيّ.

ووفقًا للاكان، الّذي يعتمد على قراءة كوجيف لهيجل؛ فـ "إنّ جدليّة السيّد والعبد، هي نتيجة محتومة لحقيقة أنّ الرغبة لدى الإنسان، هي الرغبة في اعتراف الآخر به، ولكي يحصل للذات الاعتراف بها فإنّها بحاجة إلى أن تفرض تصوّرها عن نفسها على آخر؛ ولهذا فإنّ الذات موجودة في علاقة تناحريّة بالآخر. يتوجّب على هذا الصراع من أجل الاعتراف؛ أي الحصول على ’الهيبة الخالصة‘، أن يكون ’صراع حياة أو موت’" (للنظر S1, 223 وأيضًا Kojève, 1947:7)؛ إذ إنّه فقط مَنْ يكون مستعدًّا بالفعل ليخاطر بحياته؛ من أجل الحصول على هذا الاعتراف، هو إنسانيّ حقًّا. ومن الوجهة العمليّة فإنّ على هذا الصراع ألّا ينتهي بمقتل أيٍّ من الطرفين، وبما أنّ الاعتراف لا يكون إلّا من قِبَل الأحياء؛ فإنّ الصراع ينتهي عندما يستسلم أحد الطرفين، متخلّيًا عن رغبته في أن يُعترف به. المستسلم هو مَنْ يقرّ للمنتصر بـ "السيادة" متحوّلًا إلى "عبد" له. وفي الواقع، فإنّ المجتمع الإنسانيّ يغدو ممكنًا، فقط في الحالة الّتي يوافق فيها بعض الناس على عبوديّتهم، عوضًا عن الصراع حتّى الموت؛ فمجتمع الأسياد غير قابل للوجود. (ترجمة د. هشام روحانا).

 

يصغر الخطاب

أمام عظمة هذا التصدّي، بسلاح الجسد، للسجّان وشروطه الجائرة، يصغر الخطاب المرافق لهذه المعركة، الّتي ربّما لم تبتكر سلاحًا جديدًا في تاريخ علاقة السيّد بالعبد، أو تاريخ العلاقة بين السجّان والسجين، لكنّها تجيد استخدام هذا السلاح، الّذي يُستلّ من غمد الضرورة القصوى وربّما اليأس؛ اليأس الّذي يصبح أمًّا ولّادة للشجاعة؛ فالخطاب المرافق يتراوح بين صمت ما اصطُلح على تسميته بـ "الربيع العربيّ"، الّذي يُفترض أنّه يعبّر عن نفَس جديد للشعوب العربيّة أو بعضها، وبين ضجيج صامت وغير فعّال للمؤسّسة الرسميّة الفلسطينيّة ومكوّناتها، الّتي يُفترض أنّها المسؤولة أمام هؤلاء الأسرى وأُسَرهم ومجتمعاتهم، وبين صمت الشارع الفلسطينيّ والإنسانيّ، إضافة إلى المنظومات الحقوقيّة الّتي تؤدّي عملًا مهنيًّا فحسب، لكنّه خجول ومسخ أمام عظمة المشهد، المحتجب خلف جدران السجون السميكة. ويصغر هذا الخطاب أيضًا - في الإعلام الفلسطينيّ بخاصّة - حين يغطّي هذه الملحمة البطوليّة، بلغة الفصائل والأحزاب أحيانًا، مُسهبًا في تفصيل انتماءات الأبطال إلى معسكرات التناحر الفلسطينيّ، المألوفة لنا جميعًا.

 

تجربة جديدة في عصر جديد

شرعت في الكتابة حول هذه القضيّة للمرّة الأولى عام 2012، كانت "معركة الأمعاء الخاوية" في بداياتها، وكان من الصعب بمكان تخيّل مدى قدرة هؤلاء السجناء، من مثل بلال ذياب، على الصمود أمام هول الجوع وأُوار العطش، المصحوبَين بالشعور القاسي بالظلم، وربّما الشعور الأقسى من الظلم، وهو الخُذلان، وبات من الصعب سرد أسماء الأبطال؛ فهم في تزايد، ومع هذا التزايد تتراكم أسئلة كثيرة، وتتململ كالحمم داخل بركان هذه الملحمة الإنسانيّة البطوليّة. أسئلة ليس أبسطها: لماذا يُضرِب إنسان عن الطعام والشراب أشهرًا، بلا تدخّل مؤثّر لأيّ جهة سياسيّة أو حقوقيّة في العالم؟ كيف يمكن تحليل هذا "التواطؤ" وفهمه؟ كيف تتمّ سَلْعَنة أرواح هؤلاء الأبطال، في سوق السياسة البغيض؟ كيف تستثمر كلّ الأطراف ما يحدث لحساباتها؟ وما هذه الحسابات، في ما السجناء يتهافتون على الموت الحيّ والمعيش ببطء شديد؟

هذه ليست مازوخيّة كالّتي عرفناها عبر كثير من الأمثلة، في تاريخ البطولة في الأدب العالميّ، على طريقة "الماركيز دي ساد"، أو في أدبيّات العرب على اختلافاتها وأنواعها، منذ توفيق الحكيم حتّى يومنا، مرورًا بنجيب محفوظ وعبد الرحمن منيف، وأبطال الرجولة المخصيّة والفحولة المُنْتَعِظَة في مجتمعاتنا الشرقيّة. إنّ المازوخيّة الكلاسيكيّة الّتي ارتبطت بـ "البطولة" في التاريخ العربيّ وأدبيّاته، كانت تتوقّع الحصاد والجنى، بينما هنا، نحن أمام أبطال من نوع أفرزتهم تجربة جديدة في عصر جديد؛ تجربة ظلمٍ تخضع لعقليّة مركّبة، هي خليط من ساديّة العصور الوسطى، ومازوخيّة ما بعد الحرب العالميّة الثانية، مقابل نفوس تعيش قلبًا وقالبًا في القرن الحادي والعشرين، الّذي تتبرعم فيه مقولات الحرّيّة وحقوق الإنسان والكرامة، في العالم العربيّ وفلسطين، رغم عُسر المخاض.

إنّ مأساة السجّان هنا، الّذي يَعُدّ نفسه سيّدًا، تكمن في أنّه غير قادر على تمثيل نفسه تمامًا؛ ثمّة - دائمًا - فائض ما يتملّص من عمليّة التمثيل هذه، وهنا تكمن أزمة السجّان وضائقته.

 

ساديّة تُمارس على الزمن

عندما نطالع أدب السجون، ثمّة محور مهمّ نجده متكرّرًا، يخيّم على ما يحثّ السجناء على الكتابة ويؤثّر فيها، ويشكّل متنًا ما في نصوصهم الظاهرة أو المستترة خلف الكلام؛ إنّه الزمن الّذي يتّخذ معناه داخل جدران السجون، انطلاقًا من فقدانه المعنى، وداخل هذا الفقدان/ الخَواء يختمر خواء الأمعاء في بُعده النفسيّ العميق.

يتباطأ الزمن ويَثقل، بل يتوقّف أحيانًا، كلّما اقترب أكثر من عتمة هذا الثقب الأسود/ الزنزانة، أوغل فيها نفَسًا وجسدًا؛ فيصير من السخف أن نسأل عن درجة الحرارة، ولون الغيم داخل السواد المُقفل، ويصير للأحلام زوايا حادّة مؤلمة، أمّا الأوكسجين فيستحيل أداةَ تعذيب تُعيد إلى الزمن المتثاقل -  بإصرارٍ يائس - حيويّة الضوء.

ثمّة ساديّة تُمارَس على "الزمن"؛ بوصفه عامل وعْي وسيرورة كفيلة بتحويل جسد الإنسان، من مجرّد شيء هناك "مُلقًى" في الطبيعة الصامتة، إلى جسد تاريخ؛ ساديّة تُمارَس عُنفيًّا على الزمن، تحوّله إلى سلاح يُشهَر في وجه هذه الساديّة، على نحوٍ يرتقي بالتلذُّذ المازوخيّ إلى مرتبة الوعي، لا على طريقة الروائيّة النمساويّة إلفريدا يلينيك في روايتها "معلّمة البيانو"، بل على نحوٍ يرتقي إلى مرتبة الحيوان، الّذي يبحث عن رُكن يموت فيه، شاعرًا بأنّ الزمن لا وجود له كما هو في أوهام الحياة وخيالاتها، بل هو هنا، والآن فقط في حوزتك، بوصفه حالة فولاذيّة من التصالح مع الفناء، وتماهي اليائس مع الشجاعة؛ الزمن هنا المقاوم الأكبر عبر الجسد؛ خواء الجسد/ فقدان الزمن.

ومن هنا أيضًا، يصير فعل الإطعام القسْريّ فعلًا ساديًّا؛ لأنّ الساديّ لا يبحث فقط في إرادة التلذُّذ عن ممارسة العنف، بل عن تعهّد المعذَّب بالعجز؛ أفي هذا اللاإذعان ما يجعل المعذَّب ساديًّا تجاه جلّاده أيضًا؟

 

 

د. وسام جبران

 

مؤلّف موسيقيّ وشاعر. درس التأليف الموسيقيّ في عدد من العواصم العالميّة، مثل موسكو وبرلين، كما درس علم الدماغ في برلين وفلسطين. له المئات من المؤلّفات الموسيقيّة، وهو حاصل على 40 جائزة عالميّة ومنحة إبداعيّة في الموسيقى والبحث العلميّ والشعر. صدر له عدد من المؤلّفات البحثيّة والأدبيّة والأسطوانات الموسيقيّة. أسّس عام 2013 "أكاديميّة جبران للموسيقى والفنون" في الناصرة.

 

 

تعليقات Facebook