كواليس "يوميّات أكرم زعيتر"

.

نشر "المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات" في نيسان (أبريل) الماضي، كتابًا جديدًا، عنوانه "يوميّات أكرم زعيتر: سنوات الأزمة 1967 - 1970". وهو واحد من أجزاء ستصدر لاحقًا، لاستكمال يوميّات زعيتر من بعد عام 1949؛ إذ تضمّ يوميّاته عددًا هائلًا من دفاتر المفكّرات، تغطّي فترة 35 عامًا، بين عامَي 1949 و1984، تتكوّن من آلاف الوثائق. علمًا أنّ يوميّات زعيتر عن فترة ما قبل 1949 نُشرت سابقًا، كما نُشرت أوراقه عن الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة.

 

عين المشارك

تغطّي كتابة زعيتر في يوميّاته أحداثًا يوميّة وسياسيّة على مدى هذه السنوات؛ إذ كتب يوميّاته يومًا بيوم، وفي كثير من الأيّام كان يكتب غير مرّة في اليوم ذاته، وفي حالات أخرى، كان ينقطع عن الكتابة فيبيّن أسباب الانقطاع لاحقًا، أو يعود ليدوّن ما حدث خلال توقّفه عن الكتابة. كان يذكر أسبابًا للانقطاع، مثل عزوفه عن الكتابة ليستغرق في القراءة والمطالعة، ويعود ليذكر ما قرأ من كتب، أو ما حدث من أحداث مهمّة. تجدر الإشارة إلى أنّ المركز حصل على يوميّات زعيتر بخطّ يده من عائلته، وبموافقتهم للتصرّف بها وإصدارها.

تتميّز كتابة زعيتر ليوميّاته بالمواظبة على فعل الكتابة، من أجل التوثيق والشهادة براهنيّة الحدث، وهو ما يشير إليه زعيتر في غير موقع في يوميّاته.

 

يكتب زعيتر الأحداث من عين المشارك فيها، القريب منها، تارة، ويكتبها بعين المراقب من علٍ، تارة أخرى؛ فيتخرّج الدروس، ويبني النقد، ويحلّل. يتداخل الشخصيّ والسياسيّ في هذه اليوميّات؛ إذ يسرد زعيتر أحداثًا سياسيّة هي مركزيّة ومؤسّسة في التاريخ السياسيّ للمنطقة؛ فيراها ويحلّلها من موقعه السياسيّ، وينتقدها ويحكي عنها من منظوره الشخصيّ، والوطنيّ، والقوميّ. كلّ ذلك بلغة بليغة فذّة، احتاجت من طاقم الإعداد والتحرير أحيانًا إلى معجم لفهمها؛ لا قصورًا بلغة زعيتر، بل تفوّقًا منه على لغتنا.

تتميّز كتابة زعيتر ليوميّاته بالمواظبة على فعل الكتابة، من أجل التوثيق والشهادة براهنيّة الحدث، وهو ما يشير إليه زعيتر في غير موقع في يوميّاته، مع ضرورة الإشارة إلى أنّ ثمّة إقلالًا من هذا النوع من الكتابة اليوميّة في عصرنا لسياسيّين. هذا ما يجعلنا نتساءل عن دافعيّة الكتابة عند زعيتر وارتباطها بالمسؤوليّة السياسيّة التاريخيّة، والتساؤل عن الإقلال في هذه الممارسة لجيل كامل من السياسيّين. بالمقابل، فإنّ الشهادات "المذكّراتيّة"، إن صحّ التعبير، أمقابلاتٍ تلفزيونيّة كانت أم كتابيّة، هي الأكثر شيوعًا، إلّا أنّها تختلف اختلافًا جوهريًّا عن الكتابة اليوميّة، خاصّة شكل كتابة زعيتر من حيث الامتداد الزمنيّ.

يكمن الاختلاف بين النموذجين في صدقيّة الكتابة اليوميّة العالية، في مقابل التذكّر التاريخيّ أو كتابة المذكّرات، من حيث بيان التغيّرات والتقلّبات في الآراء والمواقف من شخصيّات أو تجاه أحداث معيّنة، في مقابل صلابة الرأي والموقف في تذكّر الحدث واستعادته بعد زمن، وبالضرورة، تغيّر المنصب السياسيّ للشخص وخروجه من المسؤوليّة المباشرة – غالبًا - فيكون "طقس تطهّر"، من خلال شهادة انتقائيّة لأحداث معيّنة، حدثت في لحظتها آلاف الأحداث الأخرى الّتي شكّلتها وجعلتها حدثًا واحدًا بذاته، من الممكن أن يكون شأنها تغيير الموقف تجاه ذات الحدث، أو تغيير روايته وبنيته بصفته حدثًا تاريخيًّا.

 

العمل على الوثائق

ضمن مشروع بحث وتوثيق القضيّة الفلسطينيّة في "المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات"، بدأنا العمل على ملفّ أكرم زعيتر بإجراء مسح ضوئيّ للمفكّرات، بحالتها الأصليّة بخطّ يده، وحفظها بنسخة إلكترونيّة، ونسخة ورقيّة. لاحقًا، رُتّبت الوثائق تبعًا لتسلسلها الزمنيّ في المفكّرات المختلفة، من خلال تتبّع "خريطة زعيتر" في التوجيه للانتقال بين المفكّرات والتواريخ المختلفة، لإتمام يوم واحد من الأيّام الّتي كتب فيها. حدث أحيانًا أن يكون اليوم الواحد ممتدًّا على 30 ورقة متفرّقة في مفكّرات مختلفة، وتواريخ مختلفة، وقد كانت إشارات توجيه زعيتر المرشد لترتيبها، حتّى بدا أنّه كان يكتبها وهو واعٍ لأنّه يخاطب أحدًا ما، في زمنٍ قادم سيرافقه في إرشاداته بين سطور خطّ يده. وقد كان زعيتر حريصًا، دقيقًا، واضحًا في توجيهاته؛ فرسم أسهمًا، وكتب توجيهًا لإرسالنا إلى تاريخ ما إكمالًا ليوم ما، واتّبع طريقة ترقيم واضحة (مثلًا: لتاريخ 17 حزيران، أكمل الكتابة في يوم 2 أيلول، فذيّل يوم 17 حزيران بملحوظة تشير: "إلى 2 أيلول"، وروّس ذلك التاريخ بملحوظة تابعة: "(2) من 17 حزيران". في أحيانٍ كثيرة، اضطررنا إلى قصّ أجزاء من صفحات المفكّرات "النسخة الصورة منها"، ولصقها على صفحات تابعة لها، وإجراء مسح ضوئيّ لها؛ ليتكوّن لدينا صفحة كاملة ليوم واحد أو جزء من يوم، مع تأكيد كامل الحرص في التعامل مع الوثائق، والتدقيق في ترتيبها، حفاظًا على أصالتها.

إنّ عدد الوثائق المكتوبة بخطّ يد زعيتر أكبر من أن يُنشر بشكله الكامل؛ لذلك كان من اللازم قراءة الوثائق وترشيح ما يمكن منها للنشر، واقتطاع ما لا يمكن نشره.

أُجري مسح ضوئيّ للوثائق بعد ترتيبها زمنيًّا، وحُفظت بنسخة إلكترونيّة، وأخرى ورقيّة، وطُبعت اليوميّات. احتاجت هذه المرحلة إلى وقت وجهد كبيرَين من طاقم عمِلَ على الطباعة والتدقيق بجدّ، لفترة امتدّت قرابة عام ونصف العام. طُبعت المادّة بدايةً بصيغتها الأصليّة، مع الحفاظ على شكل الكتابة، وتقسيم الفقرات، وكلّ ما كتبه زعيتر حرفيًّا. بعد ذلك روجعت الموادّ المطبوعة بدقّة، وقورنت بالنسخة الأصليّة للكشف عن أخطاء مطبعيّة، أو إكمال كلمات لم تُقرأ في مرحلة الطباعة لصعوبات تقنيّة أو لغويّة. لا شكّ في أنّ بعض التحدّيات كانت رفيقة لمرحلة الطباعة؛ إذ إنّ الخطّ المكتوب لم يكن واضحًا دائمًا، والحديث هنا عن فترة 35 عامًا، تغيّر خلالها خطّ يد زعيتر، وتطوّرت لغته وأسلوبه الكتابيّ تطوّرًا ملحوظًا.

 

رحلة التحرير

إنّ عدد الوثائق المكتوبة بخطّ يد زعيتر أكبر من أن يُنشر بشكله الكامل؛ لذلك كان من اللازم قراءة الوثائق وترشيح ما يمكن منها للنشر، واقتطاع ما لا يمكن نشره، لأسباب اختارها زعيتر أحيانًا؛ فشطب ما كتبه، وأبقى أحاديث رأينا حذفها نظرًا إلى محدوديّة إمكان النشر من الأوراق. يُذكر أنّ الوثائق بصيغتها الكاملة محفوظة لدى "المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات" لاطّلاع الباحثين والباحثات.

للمركز سياسة تحريريّة خاصّة في تحرير المخطوطات لإعدادها للنشر. في يوميّات أكرم زعيتر لم تُطبَّق السياسة التحريريّة على النصّ نفسه؛ صونًا لنصّ يُعتبر وثيقة تاريخيّة، وحفاظًا على لغة زعيتر البليغة ونفَسٍ أدبيّ ما عاد موجودًا في الكتابة السياسيّة. عمليّة التحرير كانت عبارة عن ترقيم وتنسيق للنصّ، ووضع علامات تشير إلى الحذف بما يتلاءم وحجم المشطوب، وتقسيم النصّ إلى فقرات تتلاءم والمحتوى، والطول الملائم. كما أُضيفت إلى النصّ عناوين للأيّام، أو لأجزاء منها، بناءً على المضمون أو الحدث السياسيّ المذكور، تسهيلًا على القارئ. نصّ زعيتر مليء بذكر شخصيّات سياسيّة وأدبيّة، وموضوعات وأحداث وأماكن ومعاهدات، رأينا من المهمّ وضع هوامش تعريفيّة لبعضها. وتشمل اليوميّات أيضًا فهرسًا عامًّا، يبيّن جميع الأعلام، والأماكن، والأحداث، والمعاهدات والاتّفاقيّات، مع تبيّن أرقام صفحات ورودها في الكتاب.

 

لغة زعيتر

يتميّز زعيتر بلغة عربيّة قويّة، وخلوّ نصّه من الأخطاء اللغويّة تقريبًا، ويُشار إلى استعماله تعابير بليغة جميلة، أضفت على النصّ السياسيّ – التاريخيّ عمقًا وجمالًا؛ فكان يعبّر عن حالة ذهنيّة رافقته بـ "الذهن منطفئ سراجه"، وتعليقًا على حدث جلل أصاب أمّته بـ "سكبت المدرار من الدمع"، ويقول واصفًا موقفًا ما "تبكيتًا وجدانيًّا"، والـ "التبكيت" يعني التقريع والتوبيخ. يستعمل زعيتر "لواعج الأسى" واصفًا الأشجان، و"الأرزاء" بديلًا للمصائب، "الرُّزء" مفردها، و"ينبط رجاؤه" رديفًا لينبع، و"الكميّ الحميّ" وصف للشجاع المحامي. ويقول: "استمرّت الحملات تترى"، ليصف تتابعًا من غير فتور، ويقول "التُّؤَدة" رديفًا للرويّة والسكينة، و"الإحنة" معنًى للحقد والضغن.

تُظهر كتابة اليوميّات في حالة زعيتر دراما الأحداث التاريخيّة؛ وهذا يعمّق قراءة الحدث التاريخيّ من موقعنا الحاليّ اليوم، زمانيًّا ومكانيًّا.

استعمل زعيتر في نصّه كلمة "رَآسة" برسمها بالألف ذات المدّة، بدل الهمزة المتوسّطة على نبرة، وهي كتابة صحيحة حسب "لسان العرب"، عند حرف الراء، [رأس]: "ورأس القوم يرأسهم رَآسة"، بفتح الراء. لم نبقِ على رسم كلمة "رآسة" لورودها لدى زعيتر بالرسمين، فاستحسنّا التوحيد حسب الشيوع.

انتقد زعيتر المحرّرين اللغويّين في الصحف عند تغييرهم لكلمات استعملها؛ فنشر مقالات يشير فيها إلى فداحة أخطائهم، وكان عنوان مقالة له "مناقشة حول أخطاء في اللغة"، نُشرت في 5 آذار (مارس) 1975، في صحيفة "الدستور"، وأخرى بعنوان "هذه الأغاليط"، في 29 أيلول (سبتمبر) 1979، في صحيفة "الرأي" الأردنيّة، وهي محفوظة لدى أرشيف المركز. ويذكر زعيتر أيضًا في يوميّاته دأبه على تشكيل لجنة خاصّة في "مجلس الأعيان" الأردنيّ، لمراجعة مقترحات القوانين لغويًّا قبل عرضها على مجلسي الأعيان والنوّاب.

 

انبهار دائم، وتحدّيات

النصّ التاريخيّ السياسيّ، وتداخل الشخصيّ لزعيتر، والشخصيّ لي محرّرةً، بأحداث تاريخيّة مُؤسِّسة في التاريخ الفلسطينيّ [الإعلام في النكسة، أحداث أيلول، الفساد السياسيّ]، وكذلك العمل على نصّ بهذا الحجم الهائل، صاحبه شخصيّة فذّة، يمتدّ زمنيًّا على 35 عامًا، هو أمر ماتع لا شكّ! إلّا أنّه مليء بالتحدّيات والصعوبات والانبهار الدائم.

في أثناء عملي على تحرير جزء "سنوات الأزمة 1967 - 1970"، رافقني نصّ زعيتر على مدى سنة ونصف السنة من العمل، والقراءات المتتابعة بعد كلّ مرحلة تحريريّة. لهذا الامتداد أثر قويّ؛ على مدى طول قراءتي لنصّ زعيتر، ونظرًا إلى خصوصيّة طريقته الكتابيّة المبهرة، وجدتني شريكة بمشاهدة الأحداث المذكورة، والمواقف والكواليس، حتّى أنّني أخذتها معي إلى البيت بعد انتهاء دوامي.

لكتابة زعيتر خصوصيّة، أحد منابعها بالنسبة إليّ كان حميميّة الكتابة بالنسبة إليه، وكتابته العاطفيّة جدًّا؛ فقد كانت الكتابة بالنسبة إلى زعيتر التزامًا، وعملًا وطنيًّا، هي عمل جلل، نفسيًّا وسياسيًّا، لا مثيل له في الوقت الحاضر.

 

دراما الأحداث التاريخيّة

تُظهر كتابة اليوميّات في حالة زعيتر دراما الأحداث التاريخيّة؛ وهذا يعمّق قراءة الحدث التاريخيّ من موقعنا الحاليّ اليوم، زمانيًّا ومكانيًّا. مثال حاضر بقوّة على ذلك، يتمثّل في نقل البرقيّات المكتومة خلال أيّام حرب حزيران؛ إذ يقول زعيتر إنّ حرصه على نقل البرقيّات حرفيًّا للأمانة التاريخيّة، ومن جهة أخرى يكتب يومًا بيوم، وفي كلّ ساعة، أحداث الحرب، مع تقلّباته وانفعالاته منها، وتقييمه واستقرائه لما هو جارٍ. ينقل كذلك النشرات الإخباريّة من بعض الإذاعات العربيّة في القاهرة، مثل إذاعة "القاهرة" وإذاعة "صوت العرب"، والبيانات العسكريّة الرسميّة، والإعلام الإسرائيليّ من جهة أخرى؛ فيمنحنا فرصة تتبّع الأحداث وقراءة واقع سياسيّ يحكم السياسات الإعلاميّة من جهة، والعسكريّة من جهة أخرى، لقراءة حدث سياسيّ مؤسّس في التاريخ الحديث، حرب حزيران، ما يسهم في الكشف عن بنية الحدث التاريخيّ، وسياقه في لحظة وقوعه، لإدراكه في يومنا هذا إدراكًا مغايرًا لما يكون من دون هذه التفصيلات اليوميّة. تشكّل اليوميّات هنا دراما تاريخيّة ممتدّة.

في يوميّات أكرم زعيتر لم تُطبَّق السياسة التحريريّة على النصّ نفسه؛ صونًا لنصّ يُعتبر وثيقة تاريخيّة، وحفاظًا على لغة زعيتر البليغة ونفَسٍ أدبيّ ما عاد موجودًا في الكتابة السياسيّة

ومن الأمثلة أيضًا، وفاة عبد الناصر عام 1970، حيث يشاركنا رأيه فيه من خلال سرد وقائع تاريخيّة، يبني من خلالها موقفه النقديّ تجاهه، وقبلها يشيد بجوانب عدّة في شخصه قائدًا، وإنسانًا. يهتمّ زعيتر بذكر لقاءاته بعبد الناصر، حفاظًا على مصداقيّته بإبداء رأيه بناءً على معرفة؛ يذكر لناصر قدرته على الاتّعاظ من حرب حزيران وأخطائها، ويشيد به قائدًا لهذا الاتّعاظ، ويذكر له أخطاء في اليمن، أودت بحياة آلاف الجنود، ما كان يجب أن يقع فيها.

 

* تنشر فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة هذه المداخلة بالتعاون مع مكتبة الأرشيف، حيث استضافت ندوةً بعنوان "حواريّة حول كتاب ‘يوميّات أكرم زعيتر: سنوات الأزمة‘".

 

 

هبة أمارة

 

باحثة ومحرّرة في المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات. حاصلة على بكالوريوس العلوم الاجتماعيّة والدراسات النسويّة من جامعة تل أبيب، وعلى شهادة تدريب في التفكير النقديّ من معهد الفلسفة التطبيقيّة في باريس. عملت في توجيه المجموعات في مجالات عدّة؛ التربية الجنسانيّة، الهويّة والقيادة الشابّة، مجموعات الصراع ومجال التفكير النقديّ.

 

 

 

تعليقات Facebook