يحصل في الحرم: من القلاية حتى بيت لحم 2020

إحدى جولات "مجموعة جبرا التطوّعيّة"

.

أكملت لما وليد عامها الأوّل في قسم التمريض في "جامعة بيت لحم" حديثًا، لكنّها وفي الفترة الزمنيّة ذاتها حقّقت وآخرين من طلبة الجامعة إنشاء "مجموعة جبرا التطوّعيّة".

تبدأ المجموعة نشاطها بالتعريف بأصل اسمها العائد لجبرا إبراهيم جبرا، الكاتب والرسّام والمترجم الفلسطينيّ التلحميّ؛ لتتّضح بعد ذلك أهدافها وما تسعى للوصول إليه.

تتميّز مجموعة لما وزملائها المؤسّسين الثلاثة عشر، بأنّها تختصّ بالشأن الثقافيّ المرتبط بالقضيّة الفلسطينيّة؛ فنشاطهم الأوّل كان توزيع مادّة إعلاميّة في "يوم المرأة العالميّ" عن مساهمة الفلسطينيّات في النضال ضدّ المحتلّ الإسرائيليّ. رفعت المجموعة أعلام فلسطين في الجامعة في ذكرى النكبة الفلسطينيّة، لتأكيد الوحدة ومحوريّة حقّ العودة واللاجئين، ووزّعت الشعارات الّتي تؤكّد أحقّيّة الشعب الفلسطينيّ في أرضه.

 

"عونة" ثقافيّة

ترى لما وليد في حديثها إلى فُسْحَة – ثقافيّة فلسطينيّة، أنّ حال المجتمع ينعكس مباشرة على الطلبة؛ فالمجتمعات العربيّة - بعامّة - استهلاكيّة، حتّى أنّ هذا الاستهلاك انسحب على الأداء الثقافيّ العامّ، بينما تركّز المجموعة على قيم التطوّع الآتي من مفهوم "العونة" الفلسطينيّة، الّتي كانت في مراحل معيّنة كالواجب على الفرد لخدمة مجتمعه، ولم تكن مجرّد ساعات مجتمعيّة تُحتسب للطالب مادّةً مطلوبة ضمن الخطّة الدراسيّة الجامعيّة.

 

لما وليد، عضو "مجموعة جبرا التطوّعيّة"

 

"حلقة قلّاية"!، ردّت لما عندما سألناها عن أبرز نشاطات "جبرا" الأخيرة، حيث استضافت المجموعة 50 شخصًا من طلبة الجامعة وآخرين من خارجها، للمشاركة في مسار ببلدة بتّير غرب بيت لحم، وفي واحدة من أهمّ فقرات النشاط، أن ينقسم السائرون إلى مجموعات، تلتفّ كلّ واحدة منها حول "قلّاية" على النار، وتبدأ المجموعة بالنقاش في موضوع معيّن، ثقافيّ أو سياسيّ أو اجتماعيّ، لكنّ اختلاف "حلقة قلّاية" عن النشاطات الأخرى، أن تتحدّث وتعطي رأيك في مساحات مفتوحة، وتناقش وتحلّل وسط أشجارها، وفي مكان يحاكي قِدمها وآثارها.

رؤية لما ومجموعتها "جبرا" أن الحالة الطلّابية تنعكس على المجتمع بوجه عامّ؛ فالشعوب تتغيّر بعامّة عبر الشباب والطلّاب، وفلسطين بحاجة إلى التغيير والانعتاق من المحتلّ، ولهذا يرون في أنفسهم مسؤوليّة.

تطمح مجموعة "جبرا" بالإضافة إلى نشاطاتها الحاليّة، لإنشاء "نادي القراءة"، الّذي يعطي الطلبة فيه ملخّصًا عن كتاب قرؤوه، وصولًا إلى التحفيز للإنتاج الثقافيّ.

 

"بالكتب نهدم الجدران"

لم تكن هذه المجموعة الوحيدة في "جامعة بيت لحم"؛ فمجموعتا "آفاق" و"دراما"، والفرق الموسيقيّة المختلفة في الجامعة، تطرح الشأن الثقافيّ بطريقة مختلفة، ورغم هدوء النشاط الثقافيّ أحيانًا، إلّا أنّ إدارة الجامعة معنيّة باستمرار الفعل الثقافيّ، الّذي يَنتج من الطلبة أنفسهم؛ ففرقة "وجد" الموسيقيّة تقدّم العروض المختلفة، وتميّزت بعد انضمام مدرّب محترف لها، وفرقة "مجدل" الّتي تقوم بالأنشطة الطلّابيّة للحفاظ على الهويّة والتراث الفلسطينيَّين ولإبقائهما حاضرَين في أذهان الطلبة.

 

فريق "بالكتب نهدم الجدران"

 

وثمّة نشاط مهمّ تشهده الجامعة بين فينة وأخرى، يقوم به فريق "بالكتب نهدم الجدران"، وعبره يتمّ تنظيم فعاليّات مرتبطة بالكتاب، قراءته وتعميمه، وكذلك تناول قضايا في الشؤون الجنسانيّة والدينيّة والاجتماعيّة، في السياق الفلسطينيّ تحديدًا، وتُختار نخبة من الطلبة لنقاش هذه المواضيع، والهدف منها تشجيعهم على التفاعل مع قضايا المجتمع وحلّ مشاكله.

وتختلف مشاركة الطلبة في الفعاليّات حسب موضوعاتها والوقت الّذي تجري فيه، لكنّ المهمّ حضورها واستمرارها بلا انقطاع، ما يترك في نهاية المطاف أثرًا إيجابيًّا في مجتمع الطلبة.

ويُضاف إلى ذلك، الأنشطة الّتي تكون على مدار الأسبوع؛ من عرض الأفلام الخاصّة بالخرّيجين وغيرهم من الطلبة، وأنشطة المؤسّسات الزائرة، الّتي تدعمها الجامعة من خلال التحضيرات اللوجستيّة، وتوجيه الدعوات، والحشد الطلّابيّ للمشاركة وإيصال رسالة أيّ فعاليّة إلى مجتمع الجامعة بأكمله.

 

شخصيّة فلسطينيّة متنوّرة

يرى عميد "شؤون الطلبة" في "جامعة بيت لحم"، الأستاذ عدنان رمضان، أنّ أهمّ رسالة للجامعة تكمن في فكرة التنوير والثقافة، وهي أحد أسباب وجود الجامعة أصلًا؛ فالهدف بناء شخصيّة فلسطينيّة أكاديميّة معرفيّة متنوّرة.

 

عدنان رمضان، عميد شؤون الطلبة

 

ويقول رمضان لفُسْحَة – ثقافيّة فلسطينيّة إنّ "عمادة شؤون الطلبة" تُسهّل تنظيم الأنشطة الطلّابيّة المختلفة، مثل "معرض صور أهالي الأسرى الفلسطينيّين في سجون الاحتلال"، الّذي جرى بالتعاون مع "الصليب الأحمر"، وتدفع الطلبة أيضًا نحو الندوات والمؤتمرات من قِبَل الكلّيّات ذات العلاقة، وخاصّة ذات الطابع الثقافيّ والتنويريّ".

ويتحدّث رمضان عن ساعتين أسبوعيًّا للأنشطة الطلّابيّة المختلفة، الّتي تُقام كلّ يوم خميس بين الساعة الـ 11:00 صباحًا والـ 13:00 ظهرًا، ويُمنع فيها عقد المحاضرات الأكاديميّة، وهي رسالة من إدارة الجامعة بأنّ الأنشطة الطلّابيّة - ومنها الثقافيّة – مهمّة، ومن أسس الجامعة.

 

معرفة الشعوب

لا يقتصر دور "جامعة بيت لحم" في المجال الثقافيّ فقط على مجتمع الطلبة الداخليّ أو المجتمع الفلسطينيّ المحلّيّ، بل يمتدّ إلى استقبال الوفود بأنشطتهم المختلفة حول العالم.

ويؤكّد في هذا السياق النائب التنفيذيّ لرئيس "جامعة بيت لحم"، د. ميشيل صنصور، أنّهم معنيّون دائمًا باستضافة الثقافات العالميّة، من خلال مشاركات من الدول المختلفة، موسيقيّة وفنّيّة وفكريّة داخل أروقة الجامعة، ومن أهداف هذه الأنشطة - حسب صنصور - تعريف الطلبة بتقاليد المجتمعات في العالم وثقافاتهم المختلفة، لاحترامها أوّلًا، والعمل على التبادل الثقافيّ والاجتماعيّ؛ لأنّ العروض عادةً ما تعكس المعرفة المتنوّعة لهذه الشعوب، وتتيح للطالب تقدير جمال ثقافات الآخرين واستيعابها، وفهم منابعها المختلفة.

 

د. ميشيل صنصور، النائب التنفيذيّ لرئيس الجامعة 

 

وبهذا الصدد، استضافت الجامعة - مؤخّرًا - فرقة موسيقيّة من إيرلندا، قدّمت عرضًا موسيقيًّا فنّيًّا تقليديًّا، كما استضافت معرض صور ورسومات بالزيت والفحم، والتصوير الفوتوغرافيّ، بالتعاون مع فنّانين من مختلف دول العالم.

تفاعل طلبة "جامعة بيت لحم" كثيرًا حين عمل "معهد الفندقة السياحيّة" على استضافة بعض القنصليّات وممثّليّات الدول، لتقديم عروضها الثقافيّة عبر الطعام والطبخ.

يؤكّد صنصور أنّ نشاطات الجامعة الدوليّة لا تقتصر على استضافة وفود ومشاركات أجنبيّة، بل تساهم في تنظيم الطلبة عروضًا ومشاركات دوليّة، ومن ضمنها التبادل الطلّابيّ، الّذي يجري مع دول مختلفة من العالم.

 

بيت لحم 2020

تنخرط "جامعة بيت لحم" اليوم - حسب صنصور - في النشاط الأهمّ الّذي يتمثّل في "بيت لحم 2020 عاصمة الثقافة العربيّة"، وتعمل الجامعة مع مختلف الجهات الفلسطينيّة والعربيّة والعالميّة، منذ ستّ سنوات متواصلة، على التعريف ببيت لحم وتاريخها وحاضرها وما قدّمته للإنسانيّة، وعلى إبراز أهمّيّتها ووجودها على التراث العالميّ والثقافيّ.

 

الباحة الرئيسيّة في الجامعة

 

وشاركت "جامعة بيت لحم" في تنفيذ مخطّطات بيت لحم 2020، وستشارك في إطلاق الكتب المختلفة، واستضافة المؤتمرات والأنشطة خلال هذا الحدث المهمّ، وتسعى من خلال كوادرها وعلى رأسهم الطلبة، وجغرافيّتها ومكانتها الثقافيّة والاجتماعيّة، تسعى إلى أن تقدّم واجبها تجاه تعزيز صورة بيت لحم عاصمةً للثقافة العربيّة.

ولا يقتصر عمل "جامعة بيت لحم" الثقافيّ على طلبتها المنتظمين، بل تحاول التواصل معهم بعد تخرّجهم، لأنّ من رسالتها الاستمراريّة في الفعل الثقافيّ والمجتمعيّ والأكاديميّ، وتسعى إلى ألّا يتوقّف الطلبة على أنشطتهم في داخل الجامعة، خاصّة أنّ الانشغالات بالحياة ومتطلّباتها بعد التخرّج كثيرة، وتسعى الجامعة إلى أن تُبقي طلبتها ملتصقين بما قدّموه في أثناء سنوات دراستهم.

 

 

فادي العصا

 

 

صحافيّ ومذيع من بيت لحم.

 

 

 

 

تعليقات Facebook