بين قطار ومدينة

القطار الخفيف - القدس

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة.

الساعة: 7:40.

الحالة: انتظار القطار في شعفاط (القطار الخفيف، يربط مستوطنات شرق القدس بغربها، كلّف 4 مليارات شيكل، وتورّطت في بنائه وصيانته شركات إسرائيليّة وأوروبّيّة، منها "شركة Alstom" الفرنسيّة، و"شركة Ineco" الإسبانيّة. اليوم بُنيت خطوط إضافيّة، لربط مستوطنات أكثر ببعضها وتسهيل حياة المستوطنين. تؤدّي التجهيزات للقطار إلى تغييرات كثيرة في الشوارع، وأزمات سير كثيرة ومقيتة)، وبالمناسبة، أنا أكره هذا القطار، فبالإضافة إلى كلّ شيء؛ إنّه جهاز غبيّ.

الهدف: الوصول إلى منطقة "المحطّة المركزيّة".

يصل القطار، "بُنْغُلْ نَغِلْ" بالعالم، ضجّة وطلّاب مدارس وعمّال، ومستوطنون من "بِيسْجاتْ زيئيفْ"، وصباح باكر. يعبر من شعفاط ليصل إلى "جِفْعاتْ هَميفْتار" - قرب التلّة الفرنسيّة، القريبة من "الجامعة العبريّة" وسكن الطلّاب - ويصعد إلى القطار الكثير، منهم طلّاب الجامعة. يكمل القطار طريقه ليصل إلى "جفْعاتْ هَتَحْموشِتْ" - سمّاها الإنجليز بذلك، كانت مستودع أسلحة، اليوم هي موقع تذكاريّ للجنود الصهاينة - ويكمل ليصل إلى "شِمْعونْ هَتَصَديقْ"، يعني الشيخ جرّاح، ثمّ "شيفْتي يِسْرائيلْ" (قرب أحياء "الحَريديم")، ثمّ باب العمود. هنا يسود الصمت، يصعد العديد من العمّال والعاملات العرب، ويشعر الإسرائيليّون بعدم الراحة (ببيّن عليهم)، ويصعد أيضًا أفراد من "حرس الحدود".

أتعلمون حجم الرقابة في باب العمود؟ رقابة بشريّة وتكنولوجيّة في آن واحد، وكاميرات عديدة من إنتاج "شركة سوني" وغيرها. إنّ التقنيّة التكنولوجيّة العالية تُمكّن من التنبّؤ بأفعال الشخص، وفقًا لمواصفاته وخلفيّته. ملايين الشكليم من أجل الرقابة، وشركات تتفاخر بالقدرات التكنولوجيّة العالية، الّتي قد نراها تستهدف شعوبًا أخرى في العالم؛ فالاضطهاد كثير، لكنّ أسبابه تكون متشابهة عادةً، ويكون الفاعلون أصدقاء. يكمل القطار طريقه ليصل إلى البلديّة (عاملينها "أوروبّا ستايل"، وفي بيانو وموسيقى وأغاني وأشياء، بس الدنيا لسّا صبح، الدنيا بعالم ثاني أصلًا)، ويكمل إلى مركز البلد (شارع يافا، دكاكين ومطاعم لسّا مش فاتحة)، ويستمرّ إلى محطّات أخرى، ليصل إلى "المحطّة المركزيّة" حيث أنزل (أبو 25 دقيقة سفر بدكو تقولو).

في مرّة من المرّات، كان ثمّة فلسطينيّ ينتظر القطار من الجهة الثانية، فاقترب منه "المفتّشون" ليطلبوا هويّته (كأنّهم شرطة، وهم مزعجون جدًّا وهمجيّون، يصعدون مرّتين وثلاثًا إلى القطار ليفحصوا التذاكر، وتشعر بهم يتلذّذون بتوبيخ مَنْ ليس لديه تذكرة؛ 180 شيكل تكلفة الغرامة). في مرّة ثانية، صعد فلسطينيّان وجلسا أمام صبيّة إسرائيليّة، قامت من مقعدها مباشرةً وانتقلت إلى مقعد آخر، واطمأنّ أحد أفراد الأمن عليها. لقد نسيت أن أذكر السيّاح الّذين يصعدون إلى القطار من محطّة "باب العمود". أتعلمون أنّ القدس أكثر كثيرًا من رومانسيّات الطبقة الوسطى وما فوق، الّتي تحبّ التمظهر والتسليع، وتعتقد أنّه يكفيها أن تقول "على هذه الأرض ما يستحقّ الحياة"؟ في القدس البحث عن التحرّر، في القدس مواجهة للكثير. ثمّ إنّني أخاف من نفسي حين أجد مئة سبب لعدم المواجهة.

نقطة على الهامش: يجب الوقوف عند الإعلانات المنتشرة في محطّات القطار الخفيف. قهوة "عيليت" الفوريّة بمذاق الشوكولاتة أو الموز؛ كي تعطيك نكهة الميلك شيك؟ ما هذا الرجس والكفر؟ هل يغذّي هذا الهراء أيّ رغبة استهلاكيّة؟ ويجدر بالذكر هنا أنّ "شركة عيليت" جزء من "شركة شتراوس". ريكارد وهيلدا شتراوس جاءا من ألمانيا إلى فلسطين عام 1936، واستوطنا في نهاريا، حيث أقاما سقيفة لزراعة الخضار. تقع نهاريا قرب قرية المزرعة، قرية صغيرة وجميلة محاطة بالمستوطنات، ومشهورة بقناطرها، وبقبّعة جدّي على الأقلّ بالنسبة إليّ. إنّ للشركة دورًا مركزيًّا في توفير منتوجات الحليب، للمستوطنين والقوّات الصهيونيّة عام 1948. طوّرت الشركة شراكة مع الشركة الفرنسيّة "جاربا" (دانوني)، لكن عام 1982، وجرّاء مقاطعة العالم العربيّ للمنتوجات الإسرائيليّة، تفكّكت الشراكة (من موقع الشركة).

 

الساعة: 8:15.

الحالة: دخول محطّة القطار الجديد (قطار استيطانيّ آخر، مجتمع حقوق الإنسان والقانون الدوليّ يراه استيطانيًّا؛ لأنّه يمرّ من الضفّة الغربيّة بنقطتين رئيسيّتين. تورّطت في بنائه وصيانته شركات بناء واستشارة هندسيّة إسرائيليّة، وأوروبّيّة، وأمريكيّة، منها "الشركة السويسريّة").

الهدف: الوصول إلى المطار.

الحالة: محطّة قطار "كأنّها من المستقبل"، غريبة ومتطوّرة، كبيرة وواسعة، تنقصها طائرات فضائيّة. انتظار لشراء تذكرة (22 شيكل روحة رجعة)، الدخول إلى المصعد من أجل الوصول إلى القطار (لسّا باقي 10 دقائق ليمشي). أضع السمّاعات، إمّا أسمع الموسيقى وإمّا أشاهد مسلسلًا على نتفلكس (نعم، لقد حمّلت التطبيق على هاتفي الخلويّ، شخصيّة إدمانيّة، والغريب أكثر أنّني أتعاطف دائمًا مع الشخصيّات القاسية في المسلسلات، على ما يبدو فالشخصيّات البشريّة فعلًا مركّبة، وفيها الخير والشرّ وما إلى ذلك). أنا أستسخف نفسي حين لا أجرؤ على رؤية مشاهد عنيفة في المسلسلات والأفلام، كأنّ الواقع حولي خالٍ من العنف. يمشي القطار، العديد من الأنفاق الّتي تسدّ الأذنين، يصل إلى المطار، ناس مع حقائب سفر تخرج وتدخل من القطار وإليه، والمطار فوق رأسي، لكنّني ذاهبة إلى "جُوّا" تل أبيب (جوّا ولّا برّا، شو فرقت؟). ما زلت أضع السمّاعات وأكمل الحلقة، أو أعيد سماع نفس الأغنية مرّة تلو أخرى (أغانٍ غير ملائمة للصباح وفق المعايير العامّة).

 

الساعة: 8:55

الحالة: انتظار القطار الّذي يصل إلى "نهاريا"، فقط لأنّه يقف في جميع محطّات تل أبيب، حيث استوطنت هيلدا وريكارد. يأتي القطار، لا شيء يحدث، أنزل في محطّة "هاشالوم"، الكثير من الشركات المحيطة، والمجمع التجاريّ، ضجّة ورطوبة وإحساس غير لطيف. تشعرين كأنّك آلة صغيرة تافهة وعديمة الأهمّيّة. عالم غريب فعلًا! وحش كبير يريد أن يلتهمني. لا أرى فيها أيّ ذرّة من الجمال والإحساس، لا أرى فيها غير كلّ ما هو سيّئ في العالم، عديمة الأمان كغيرها. تعزّز الإحساس بالتشرذم، حالة التشرذم هذه الّتي نعيشها مخيفة، كحالة التجريد المادّيّ والمعنويّ الّتي نعيشها.

بعد ذلك عمل، وبعد ذلك عودة في نفس المسار، لكن بساعات مختلفة وبالاتّجاه المعاكس - إلّا في حال تعطّل القطار من المطار إلى القدس؛ لأنّه جديد وصيانته سيّئة، أو توقّف القطار الخفيف بالقدس، لمدّة نصف ساعة - أتعلمون أنّ جيل الإعداديّة جيل مزعج؟ ثمّ لماذا يملؤون القطار؟ مزعجون فعلًا، الموضوع ليس شخصيًّا، فقد أطيق بعضكم أفرادًا، لكنّي لا أطيقكم حين تلتقون، بصراحة.

لكن لحظة، أين حيفا في المعادلة؟ هذه تتطلّب نصًّا آخر، لكن لحظة، لماذا المدن أصلًا؟

 

* تُنشر هذه المادّة ضمن ملفّ "محلّيّ"، بالتعاون مع حركة شباب حيفا.

 

حلا مرشود

 

 

تعمل باحثة في مؤسّسة "مَنْ يربح من الاحتلال؟"، الّتي تعمل على كشف الشركات المتورّطة في الاحتلال الإسرائيليّ، وكذلك تبحث الاقتصاد السياسيّ للاحتلال. حاصلة على ماجستير علم الاجتماع وعلم الإنسان من "الجامعة العبريّة" في القدس.

 

 

تعليقات Facebook