ثقافة التوثيق وتدوين الثقافة

pxhere

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

لا شكّ في أنّ دوافعي إلى الكتابة كثيرة، لا سيّما أنّني أُجيد صياغة الوجع على الورق، في محاولات بائسة للهروب من كلّ شيء، ومن اللاشيء، وربّما للتماهي مع ذاتي. أستنزف ذاكرتي المُثقَلة في أيّ وقت أشاء. إلّا أنّني هذه المرّة أكتب في محاولة منّي لإعادة ترتيب مفهوم "محلّي"، يعني ذلك ترتيب الحيّز الّذي يعبّر عن ذاتي وهويّتي.

 

المُبتلى بعشق الكتابة

رُقيّة: اسم لازمني؛ فعرفت أنّه اسمي، به أُنادى فأُجيب. أنا على مشارف ترتيب السطر السادس من عشرينات عمري الّتي بدأت أنساها في هذه الزحمة المخيفة. اكتشفت لاحقًا أنّني وُلدت في سنة وُقّع فيها "اتّفاق أوسلو"، يوم أخذت القضيّة المنحى الآخر سياسيًّا واقتصاديًّا وجغرافيًّا وإيديولوجيًّا. مرّت عليّ انتفاضة ونصف؛ فكنت بحقّ من جيل سقوط بغداد والربيع العربيّ العفِن. عايشت مرويّات النكبة والنكسة سماعيًّا، وبينهما كانت الهُدَن. اهتممت بحروب هذا الشرق المكدّسة على شواطئ الطيب والبخّور، شرق السبايا والحكايا، "فكمل النقل بالزعرور" حين اخترت دراسة تاريخ الشرق الأوسط في الجامعة، مراهنة على ذاكرتي الّتي اكتشفت أخيرًا أنّها تضيق بي ذرعًا.

"فالمُبتلى بعشق الكتابة كمن ابتُلي بجوع جحيميّ، بشبق لاهث وراء سراب. ولكنّها إذا ما تحقّقت، فهي الوليمة الّتي دونها كلّ الولائم"

بينما كنت أتابع مسيرة الكتابة والتفنّن في التعبير، عن الجزء المعتم أو المشرق من تجربتي الحياتيّة والتواصل معها، كنت أعرّج على واحدة من أهمّ أزمات مجتمعنا، تلك الأزمة تتلخّص باستسلامنا وافتقارنا إلى ثقافة اسمها "ثقافة التدوين"، فلا نتماهى مع تدوين الثقافة.

يقول جبرا إبراهيم جبرا عن الكتابة، في مُؤلّفِه "معايشة النمِرة وأوراق أخرى": "فإذا كنت أعجب وأحزن لمن لا يعرف متعة القراءة، فإنّني أرى أنّ الكتابة شأنها شأن آخر، لا يشبه القراءة ولكنّه يصبّ في النهاية فيها، فالمُبتلى بعشق الكتابة كمن ابتُلي بجوع جحيميّ، بشبق لاهث وراء سراب. ولكنّها إذا ما تحقّقت، فهي الوليمة الّتي دونها كلّ الولائم: وليمة الخلق والخيال، وليمة الحسّ والعقل، وليمة الوحي والنشوة، ولا يخرج المرء منها إلّا مضطرًّا، وكأنّه يخرج من عوالم الوهج والإثارة والمستحيل، ليعود إلى عالم عاديّ جدًّا، باهت اللون جدًّا، يبحث فيه عن السحر الّذي لن يلقاه على أشدّه إلّا حين تعاوده حمّى الكتابة، وتستبدّ به بعذابها، وعذوبتها، من جديد".

 

الاستشراق

"الاستشراق Orientalism" من أهمّ النظريّات الّتي أخذت حيّزًا من حياتي، مذ درستُها وانكشفت عليها خلال دراستي للبكالوريوس. الاستشراق الّذي يعبّر عن اهتمامات الغرب ببلدان الشرق، وكان من أبرز الأكاديميّين الّذين كتبوا عن الاستشراق، وتناول الموضوع من وجهة نظر أكاديميّة تحليليّة، الأكاديميّ الراحل إدوارد سعيد، في واحد من أبرز كتبه تحت مُسمّى: "الاستشراق: المعرفة، السلطة والإنشاء"، إضافة إلى كتاب آخر هو "تغطية الإسلام". وقد حلّل إدوارد سعيد مفهوم الاستشراق داخل مخيّلته بالاستعانة بمَلَكَتِه للّغة الإنجليزيّة، والمنهج التحليليّ العلميّ والأستاذيّة الأكاديميّة، علاوة على النضج والمعرفة.

لا بدّ من طرح جملة من الأسئلة، تُطرح على عجالة في ما يخصّ التوثيق؛ هل يكون التوثيق بالكتابة وحدها؟ كيف نتماهى معه؟ هل ينقلب التوثيق ليصير أداة لمناطحة الخطابات والرؤية الرسميّة والأحاديّة، الّذي يعمد بطبيعة الحال إلى فرض الرأي الواحد ونشر ثقافته؟

يعبّر الاستشراق عن الصورة المتخيّلة عن الشرق والذهنيّة النمطيّة المرسومة عنه، وتناسخها وتناقلها جيلًا بعد جيل بسبب جملة مؤلّفات، ومفاهيم، ودراسات، إنجليزيّة، وفرنسيّة، وأمريكيّة، ويعتبرها إدوارد سعيد السبب الرئيسيّ للشرخ الكامن بين الحضارتَين الشرقيّة والغربيّة. أعتبر أنّ انكشافي على مفهوم الاستشراق بالتزامن مع محاولاتي الكثيرة في الكتابة، والسفر لاحقًا ضمن بعثات أكاديميّة إلى خارج البلاد، مكّنني من الانكشاف على مفهوم آخر، يكمن في رسمنا لصور مُسبقة، وربّما نمطيّة، عن أنفسنا أوّلًا، ومجتمعنا ثانيًا، ولا ننسى أنّ التدوين والتوثيق أساسًا كانا من أبرز عناصر ولادة مفهوم وظاهرة الاستشراق.

 

الجماعيّة

التوثيق في أيّامنا لا يقتصر فقط على حمل الورقة والقلم ومن ثَمّ التدوين، بل هي ثقافة تشمل مجمل الحراك الفنّيّ، والأدبيّ، والموسيقيّ، والفكريّ، والعلميّ، والسياسيّ، والمعماريّ، والاقتصاديّ، والاجتماعيّ، والحضاريّ، الّذي يمكن أن ينشأ ويتطوّر في أيّ مجتمع أو حاضرة إنسانيّة. في المقابل، لا بدّ من طرح جملة من الأسئلة، تُطرح على عجالة في ما يخصّ التوثيق؛ هل يكون التوثيق بالكتابة وحدها؟ كيف نتماهى معه؟ هل ينقلب التوثيق ليصير أداة لمناطحة الخطابات والرؤية الرسميّة والأحاديّة، الّذي يعمد بطبيعة الحال إلى فرض الرأي الواحد ونشر ثقافته؟ ماذا نوثّق؟ وكيف؟ ولماذا؟

إنّ الشعوب القادرة على التوثيق تكون قادرة على التماهي مع الحياة بمركّباتها أكثر، هي شعوب منتجة للعلم والإبداع، وهي الأقدر على صياغة واقعها بالاعتماد على أرضيّة المعلومات الوفيرة، الّتي يمكن أن تستخلصها جرّاء الكتابة، والتدوين، والتوثيق بصوره المختلفة والمتنوّعة. علاوة على مساهمة التوثيق في حفظ اللغة القوميّة للشعب، وترسيخ مفاهيمه الثقافيّة والحضاريّة. في المقابل، نجد أنّ الشعوب الّتي لا تكتب ولا تُوثّق تكون الأكثر عرضة للضياع والشرذمة؛ نتيجة لفقدانها بوصلتها الجامعة والموحّدة لها.

كانت الأرشفة والجرائد اليوميّة الّتي تعمل على توحيد الأمّة، وتوجيه الشعوب للتفكير في ماهيّة العوامل المشتركة والجامعة لهم

أسهمت ثقافة التوثيق في عمليّة بناء القوميّة، وفقًا لنظريّة بندكت أندرسون الّتي وضعها ضمن كتابه "الهويّات المتخيّلة"؛ إذ كانت الأرشفة والجرائد اليوميّة الّتي تعمل على توحيد الأمّة، وتوجيه الشعوب للتفكير في ماهيّة العوامل المشتركة والجامعة لهم، ومن ثَمّ يتسنّى للأفراد التفكير في الجماعة، والجماعة تفكّر في تأثير الفرد فيها وتوجيهه لها، من خلال مقال في صحيفة أو منشور في الأماكن العامّة، يكون في متناول الجميع. نجد إضافة إلى ذلك كتاب "تاريخ الشعوب العربيّة" لألبرت حوراني، الّذي جاء تتويجًا لحياة من التعليم في أكسفورد، يصبّ في مضمار التوثيق التحليليّ والدقيق لتاريخ الشعوب العربيّة، متناولًا بذلك مواضيع معقّدة، ممتدّة من القضايا السياسيّة إلى المسألة الفلسطينيّة، إلى دور المرأة في المجتمع، وغيرها، عالَج موضوعات الكتاب بحكم منصف، متوازن ومُجرّد. وعلاوة على ذلك - كما يُضيف ناشر الكتاب - فإنّ أهمّ سمات هذا الكتاب ومزاياه، والتوثيق الّذي يعرضه حوراني، كان التفسير الدقيق الّذي يتناول فيه الثابت والمتحوّل، ومن ضمن ذلك تحالف المصالح الّتي كانت تحدّد مدى قدرة السلطة الحاكمة، تبعًا للزمان والمكان. كما أنّ الكتاب يحيط بتفاصيل الشؤون الحياتيّة العاديّة لمختلف طبقات السكّان والملل؛ الأمر الّذي جعله غنيًّا عن سرد الوقائع والأحداث بالمفهوم التقليديّ للتاريخ.

 

شفاهيّة، فتدوين، فصورة

يشير الناقد الثقافيّ عبد الله الغذّامي في كتابه "اليد واللسان: القراءة والأمّيّة ورأسماليّة الثقافة"، يشير إلى التحوّل التاريخيّ الهائل بفعل الانتقال من عصر الشفاهيّة إلى عصر التدوين: "... جاءت الكتابة لتحتلّ المركز الأوّل ثقافيًّا، وتُزيح الشفاهيّة إلى الهامش، وقد حدثت مرحلة وسطى بين الشفهيّ والكتابيّ، وهي مرحلة التدوين؛ حيث جرى رصد المنطوق وتحويله إلى مكتوب (مدوَّن)، ثمّ انفتح الزمن للكتابة لتصبح الورقة والقلم محلّ اللسان والذاكرة، ومرّ زمن طويل تعوّدت فيه الثقافة على هذه الوضعيّة، حتّى جاء زمن الفضائيّات، وهو زمن ورث كلّ التحوّلات المرحليّة في الإذاعة والسينما، ومرحلة التلفزيون الأولى... ومن هذه الوراثة جاءت ثقافة الصورة لتُعلن تحوّلًا كبيرًا آخر في حياة البشر، هو التحوّل الثاني تاريخيًّا وحضاريًّا من بعد حدث الكتابة الّتي أزاحت الشفاهيّة، ولا شكّ في أنّ ثقافة الصورة قد أعادت كثيرًا من خصائص الشفاهيّة في المباشرة والسرعة والتفاعليّة... الصورة كتاب أيضًا، مثلما هي مصدر ثقافيّ لا يقلّ ثراءً عن الكتاب بمفهومه التقليديّ، وهي لذلك من أهمّ مصادر التثقيف، ولن نشكّ في كونها مصدرًا مهمًّا وفاعليّته عالية جدًّا، ولها من الأثر أضعاف ما للورقة المنقوشة بالكلمات الجامدة".

 

ازدواجيّة الوجود

تصير الصورة الفوتوغرافيّة واحدة من أبرز الأشكال المُستحدثة عن ثقافة التوثيق، وشكلًا من أشكال التطوّر الحضاريّ والتاريخيّ الطبيعيّ لهذه الثقافة؛ الأمر الّذي يتجلّى بوضوح في أعمال الناشطة الثقافيّة ياسمين عمري، وهي المقيمة في الولايات المتّحدة الأمريكيّة، وترى نفسها أمريكيّة - فلسطينيّة، حملت شغفها وكاميرتها وعادت إلى البلاد، شاركت في معرض "محلّيّ: معرض شعبيّ مستقل"، الّذي بادرت إليه وعملت على إتمامه "حركة شباب حيفا". تقف ياسمين عمري في الشتات أمام معضلة الاستشراق؛ فتحاول رسم صورة متخيّلة في ذهنها عن الشرق برمّته، لتحصر الدائرة المتخيّلة في وطنها ووطن أجدادها وعائلتها، فلسطين، وقد كانت تلك النسخة المتخيّلة نسخة مثاليّة.

قف ياسمين عمري في الشتات أمام معضلة الاستشراق؛ فتحاول رسم صورة متخيّلة في ذهنها عن الشرق برمّته، لتحصر الدائرة المتخيّلة في وطنها ووطن أجدادها وعائلتها، فلسطين، وقد كانت تلك النسخة المتخيّلة نسخة مثاليّة.

إنّ ازدواجيّة هويّتها والمكان الّذي منه تُعاين وطنها بين الولايات المتّحدة وفلسطين، حملاها إلى محاكاة وطنها عن قُرب وعلى أرض الواقع. سرعان ما كشف الواقع لها عن قصور وزيف يكمُنان في ماهيّة النسخة المتخيّلة عن وطنها؛ فكان عملها الأوّل يحكي عن معضلة "ازدواجيّة الوجود Duality of Being"، أبرز سمات الازدواجيّة تتجلّى بين القرى والمدن، وربّما حميميّة القرى مقابل جمود المدن، المباني الشاهقة الحديثة مقابل معالم حيفا الأثريّة القديمة، وهي علامات تدلّ على الممارسات السياسيّة بحقّ الشعب الفلسطينيّ على مرّ التاريخ، ناهيك عن انعكاس الازدواجيّة على حياة العرب والفلسطينيّين الّذين بقوا في البلاد، عقب النكبة الفلسطينيّة عام 1948؛ ليبقى السؤال النازف مطروحًا: مَنْ نحن حقًّا؟

يأتي عمل ياسمين الثاني تتويجًا لفكرة الهويّة وطرحها، من خلال اعتمادها على التقاط صور تعتمد على التشويش، والغباش، وظلّ الأشياء، تحت عنوان "معرض الظلال Casting Shadows"، فيه تحاول محاكاة الوقت، ربّما هي مسألة وقت لا أكثر؛ فالظلّ حسب عدسة كاميرتها محاولة لطرح سؤال مصيريّ بنسخة سرياليّة مبطّنة: "هل يمكننا أن نتحكّم بمصائرنا؟ علاوة على محاولات الأفراد داخل المجتمع البحث عن هويّتهم الذاتيّة والفرديّة داخل المجتمع الكبير، الّذي يفرض أحيانًا نمطيّة في التفكير، معتمدًا على آليّات محاكمة اجتماعيّة، تتنكّر لأيّ محاولة جديدة للتغيير أو طرح أفكار أو أساليب عيش وحياة جديدة، ويمكن أن نستشفّ من ذلك جدليّة الهويّة المتقلّبة أو القابلة للتغيير وفقًا للحالة، والزمان، والمكان؛ فهويّة العربيّ في بلادنا قابلة للتغيّر والتبدّل، وتختلف مركّباتها وفقًا للمكان/ للمحلّ الّذي يكون فيه الفرد كالبيت، الشارع، مكان العمل، وربّما عبر الفضاء الإلكترونيّ ووسائل التواصل الاجتماعيّ.

 

استشراف

هنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ التوثيق الّذي يأتي من دوافع وجدانيّة، ومن حاجات ورغبات فيها نزعة تمرّديّة، لا بدّ له من أن يُناطح الرواية الرسميّة والأحاديّة، الّتي تُفرض عادةً من السلطة الحاكمة أو المسيطرة، كصورة متجلّية عن نظريّة المركز والهامش.

فالثابت محاولة كلّ واحدة منّا في توثيق تجربتها في البحث عن محلّها، وإثبات رغبتها في الاستمراريّة وربّما حلم التغيير، والمتحوّل مفهوم الهويّة القابلة للتغيّر والتلوّن وربّما التلاشي وفقًا للحالة، والزمان، والمكان

بين محاولاتي في الكتابة كشكل من أشكال التوثيق، وعدسة ياسمين عمري الّتي تجعل من الصور الفوتوغرافيّة كذلك حالةً من حالات التوثيق، تتجلّى معادلة الثابت والمتحوّل؛ فالثابت محاولة كلّ واحدة منّا في توثيق تجربتها في البحث عن محلّها، وإثبات رغبتها في الاستمراريّة وربّما حلم التغيير، والمتحوّل مفهوم الهويّة القابلة للتغيّر والتلوّن وربّما التلاشي وفقًا للحالة، والزمان، والمكان، ما لم يتبدّد وهْم الاستشراق، نستبدل قافه بالفاء ليصير "الاستشراف"، سعيًا وراء أثر محمود درويش: "على هذه الأرض ما يستحقّ الحياة" وأنّ "مَنْ يكتب حكايته يرِث أرض الكلام، ويملك المعنى تمامًا".

 

* تُنشر هذه المادّة ضمن ملفّ "محلّيّ"، بالتعاون مع حركة شباب حيفا.

 

رقيّة عدوي

 

 

طالبة ماجستير في قسم دراسات الشرق الأوسط والإسلام - جامعة حيفا. مدرّسة في ثانويّة المتنبّي - حيفا. حاصلة على "جائزة أرديتي للكتابة الأدبيّة" عام 2016. تكتب في عدد من المنابر الفلسطينيّة والعربيّة.

 

 

 

تعليقات Facebook