تحرّر العالم من وثاقه

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

في أفلام "كينغ كونغ" يظلّ الكون آمنًا، إلى أن تتحرّر هذه الغوريلّا من وثاقها؛ فتعمّ الفوضى ويتقوّض كلّ شيء. يتكرّر المشهد ذاته في أفلام "الرجل المارد"، الأخضر أو غيره. تظلّ الأمور تحت السيطرة ريثما يتحرّر هذا المارد العملاق من التخدير أو الحبس. في تحرّره من وثاقه تبدأ الفوضى، وينكسر الوقت فوق رؤوس ساكنيه، دمار وموت وشظايا من كلّ شيء. ولا يوقف هذا المشهد سوى تلك المرأة الّتي تلجم العملاق الوحش، وتُمدّنه من جديد بهمسات أو بقبلة أو بمجرّد الإمساك بيده واحتضانه. شيء ما في التحرّر من الإسار أو الوثاق يُثير تداعيات التقويض، وتشويش الكون والنظام، ونشر الفوضى. أتذكّر مشاهد هذه الأفلام وأنا أفكّر في أنّ شيئًا ما في هذا العالم يتحرّر من وثاقه، أقول "شيء ما" لأنّني لا أستطيع تحديده وتسميته، وإن كنت أرى إشارات التحرّر هذه في كلّ مكان، داخل الدول والمجتمعات وفي ما بينها، في كلّ القارّات، وفي الطبيعة أيضًا. كأنّ طبيعة الاجتماع الإنسانيّ من جوهر الطبيعة، وما يحصل في هذه يحصل في تلك؛ فأحد مقاطع الجليد القارّيّة في القطب الشماليّ دخل في سيرورة ذوبان؛ أي يتحرّر من جليده ليسيل ماءً يقوّض المحيطات ويُغرق اليابسة، سبقه ارتفاع درجات حرارة كوكبنا بسبب تأثير الانحباس الحراريّ. الطبيعة والإنسان في سباق إلى انكسار ما في المألوف. لن أخوض في ما يحصل لأمّنا الطبيعة، بل سأقصر حديثي على ما يحدث للاجتماع الإنسانيّ من تحوّل.

 الوثاق هو النظام الاجتماعيّ في إطار "دولة العقد الاجتماعيّ"، وفي محورها تنازل الإنسان عن حرّيّته في سبيل نيل أمنه؛ وهو ما تعبّر عنه فكرة احتكار الدولة للعنف، أو سلطة القانون الّتي من المفروض أن تحلّ محلّ شريعة الغاب

تحرّر الاجتماع الإنسانيّ من وثاقه يحدث بقوّة دفع تحريريّة، ولفظة التحرير هنا لا تحمل دلالات مُستحبّة منشودة، بل تعني عكس ذلك؛ تعني أنّنا مُقدمون على حقبة أخرى ينكسر فيها وقتنا فوق رؤوسنا. أمّا هذه القوّة الدافعة فهي تلك السيرورات المتعدّدة المستويات، المتزامنة والمتوازية الحصول، الّتي تدكّ ما عرفناه من صور للاجتماع، وتتشكّل منذ نشوء الدولة القُطْريّة. إنّها العولمة المندفعة والسيرورات المضادّة لها والمقاومة لمفاعيلها، هي جميعها تدفع الـ "شيء ما" إلى التحرّر من وثاقه، في حيّز الاجتماع الإنسانيّ على مستوى الدول، بوصفها نظامًا سياسيًّا ومجتمعًا، وعلى مستوى العلاقات في ما بينها، أو على مستوى ما سمّيناه "النظام الدوليّ". هنا وهناك إشارات على حصول انعتاق من "الوثاق"، والوثاق هنا ذاك النظام الّذي حكم العلاقات داخل الدول والمجتمعات وفي ما بينها؛ فما الإشارات الدالّة على تحرّره وانفلات العالم؟

 

ولادة الوثاق داخل الدول

 الوثاق هو النظام الاجتماعيّ في إطار "دولة العقد الاجتماعيّ"، وفي محورها تنازل الإنسان عن حرّيّته في سبيل نيل أمنه؛ وهو ما تعبّر عنه فكرة احتكار الدولة للعنف، أو سلطة القانون الّتي من المفروض أن تحلّ محلّ شريعة الغاب، الّتي يأكل فيها القويّ الضعيف وحقوقه. هذا الوثاق الّذي تطوّر مع الزمن إلى دولة الرفاه، بصيغتها الأوروبّيّة أو نظام الحياة الهانئة، كما وفّرتها هذه الدولة في العقود الأربعة الّتي أعقبت الحرب العالميّة الثانية؛ فقد ارتقى مفهوم الدولة إلى حالة من الالتزام الحقوقيّ المتبادل بينها وبين مواطنيها، من مجرّد عقد يتنازل فيه الفرد عن حرّيّته من أجل أن تضمن الدولة سلامته، إلى عقد مركّب أكثر كثيرًا؛ إذ يكون على الدولة في إطاره ضمان جُملة من الحقوق والحرّيّات الأساسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة، في ما عُرف بدولة الرفاه. كان عليها أن تضمن شبكة أمان اجتماعيّ للمعوزين ومحدودي الدخل، بل كان على هذه الدولة بنموذجها الأوروبّيّ، أن تضمن مأوًى ودخلًا للمهاجرين واللاجئين والناس الّذين في ضائقة إذا ما دخلوا أراضيها، وكان عليها أن تتدخّل بطرق شتّى؛ لضمان توزيع عادل أو معقول للثروة والمال العامّ، ومواجهة الفقر والفاقة. نشأ هذا النظام تدريجيًّا جرّاء تطوّر مفهوم العقد الاجتماعيّ، وازدياد ثراء الدولة جزءًا من تحسّن أداء اقتصادات العالم، ولا سيّما في القارّة العجوزـ أوروبّا الّتي كانت لعقودٍ مركز العالم والحداثة والإنتاج "لا ننسى، أيضًا، أنّها استعمرت لعقودٍ وقرونٍ بقاعًا في العالم، ونهبت مواردها وشعوبها". وفي معمعان التحسّن الاقتصاديّ الّذي عمّ دول الشمال، تعزّز مفهوم حقوق الإنسان ومركزيّة الإنسان الفرد مقابل الدولة/ المجتمع. وتطوّر مفهوم حقوقيّ واسع تُشتقّ منه جُملة واجبات على الدولة تجاه مواطنيها، وباختصارٍ؛ انعكس استقرار الدولة وثراؤها على مستوى معيشة الناس ورفاهيّتهم.

إنّ الجهد الكونيّ داخل الدول وفي ما بينها، لتنظيم الاجتماع بأشكاله داخل الدولة وفي ما بين الدول، أعطى للاجتماع العالميّ شكلًا قانونيًّا ورسميًّا منصوصًا عليه، أسهم كثيرًا في بعث نوع من الاستقرار والضبط داخل الدول وبينها

في خلفيّة هذا التطوّر، حقيقة اتّساع نفاذ النظريّات النقديّة في الاجتماع والسياسة؛ جرّاء ما تركته الدولة الحديثة من ثغرات، لجِهة طفرات العنف تجاه المواطنين وتجاه دول أخرى. وكان قد سبق الحرب العالميّة الثانية موجات من العنف والحروب، كان مصدرها الدولة الحديثة، أو النزعات القوميّة الّتي كانت في أساس نشأتها وإدارتها، والصراع على الموارد والثروة والسؤدد بين الدول. إنّ عمليّات الدسترة نظَمَت العقد الاجتماعيّ؛ لخلق توازنات بين السلطة والمواطن، وبين مؤسّسات الدولة. منها ما ظلّ محدودًا في مردود كبح عنف الدولة، وبعث الاستقرار في الاجتماع، ومنها ما أنتج حالة تكرّست فيها الدولة لصالح مواطنيها ورفاهيّتهم وحقوقهم كافّة؛ بمعنى أنّ الدسترة في الدول "العاقلة" أو "السويّة" - إذا صحّ التعبير - استطاعت أن تضع الدولة في خدمة المجتمع كاملًا، وتلجم قوّتها بنظام قانونيّ فاعل يحمي المواطنين ويحمي الأقلّيّة من تعسّف الأكثريّة. بل رأينا كيف انتصرت الدول لمجتمعاتها، وأنشأت نظام حماية عسكريًّا واقتصاديًّا لضمان الاستقرار والرفاهيّة. وأقترح أن نفهم نُظم الحماية الاقتصاديّة؛ الحدّ من الاستيراد، ودعم الإنتاج المحلّيّ؛ ليكون جزءًا من رغبة الدول في حماية مجتمعاتها من تأثيرات اقتصادات أقوى، أو تدخّلات خارجيّة في مرحلة بناء الأوطان والمجتمعات، ضمن حدود الدولة الوطنيّة/ القُطريّة الّتي وصلت ذرواتها في الستّينات والسبعينات من القرن الفائت، قبل طغيان العولمة وسيروراتها.

والوثاق هو هذه المنظومات والإجراءات والتفاهمات الّتي نصّ عليها الدستور والقانون، وكانت مُلزمة للسلطة والدولة مثلما هي مُلزمة للمواطنين، وهي الّتي سُمّيت بـ"النظام الديمقراطيّ" على أنواعه، الّذي شكّل منهجيّة لصيانة الوثاق أو العقد. صحيح أنّ دولًا كثيرة لم تكن ديمقراطيّة على نحو كافٍ، إلّا أنّ النظام الديمقراطيّ شكّل مصدر قياس ومركز بثّ، تأثّرت منه وحاولت أن تُجاريه.

 

نزوع نحو قبول النظام العالميّ الجديد

في مقابل هذه التحوّلات إلى جهة زيادة نجاعة الدولة الحديثة، ووفائها بتعهّداتها لسكّانها الشركاء في العقد الاجتماعيّ؛ حاولت الدول أن تنظّم العلاقات بينها أيضًا، من خلال هيئات دوليّة مختلفة أشهرها "عُصبة الأمم المتّحدة"، ومن خلال سلسلة مواثيق واتّفاقيّات دوليّة، تُعنى بنواحٍ متعدّدة للعلاقات بين الدول، مثل التجارة والملاحة وتسوية النزاعات وغيرها، وهي مواثيق ومعاهدات اتّسعت ونمت كلّما استجدّ أمر لم يُلتفت إليه من قبل. شكّلت هذه المعاهدات والمواثيق أساسًا لقانون دوليّ وعُرف دوليّ، ينظّمان العالم ويُعتمدان في تسوية الخلافات وهندسة العلاقات البالغة التعقيد بين الدول والشعوب. ولنصوص القوانين والمواثيق أثرها في السياسات بين الدول وداخلها.

انتهاء الحرب الباردة، وهزيمة المنظومة الاشتراكيّة في صراع الأيديولوجيّات، شكّل من حيث جوهره حدثًا صمّم العلاقات الدوليّة من جديد، على أساس وجود قُطب واحد و"عقيدة" واحدة تقريبًا

إنّ الجهد الكونيّ داخل الدول وفي ما بينها، لتنظيم الاجتماع بأشكاله داخل الدولة وفي ما بين الدول، أعطى للاجتماع العالميّ شكلًا قانونيًّا ورسميًّا منصوصًا عليه، أسهم كثيرًا في بعث نوع من الاستقرار والضبط داخل الدول وبينها؛ ضبط الدولة كوحدة الاجتماع الرئيسيّة، وضبط العالم بوصفه مجموعة كبيرة من الدول، ومن العلاقات المعقّدة المتعدّدة المستويات. نصوص حفظت توازنات القوى ونظّمتها، وأدارت على نحو متّفق عليه الخلافات، من خلال المحكمة الدوليّة في هاغ مثلًا، أو هيئات الأمم المتّحدة مثل "مجلس الأمن الدوليّ" واللجان والبعثات، وصولًا إلى "المحكمة الجنائيّة الدوليّة" الّتي أُقرّ دستورها قبل سنوات قليلة. ليس هذا فحسب، بل طالت المعاهدات والتفاهمات مواضيع خلافيّة على مستوى الكون كلّه، مثل قضايا البيئة، والانحباس الحراريّ وأثره في الطبيعة البشريّة، وتلوّث مصادر الحياة كالهواء والماء، والمخاطر المحدقة بالطبيعة وثرواتها. واللافت أنّ غالبيّة دول العالم - ولا نقول كلّها - وقّعت وأقرّت المواثيق والمعاهدات، وخاصّةً المتّصلة بحقوق الشعوب الأصلانيّة والأقلّيّات على اختلافها، وبحقوق الإنسان والجماعات والأطفال والنساء وغيرها؛ بمعنى أنّ العالم في حركته الأساسيّة نزع إلى قبول النظام العالميّ الجديد - ولو في مستوى إعلان النوايا - القائم على مواثيق ومعاهدات تنظّم الاجتماع البشريّ، بروح استخلاصات الحربين الكونيّتين، وما رافقهما من تجلّيات تدميريّة للنظُم السياسيّة، ودورات العنف والتوحّش الّتي اجتاحت العالم بأسره.

كانت هذه النزعة في أساس العلاقات الدوليّة خلال فترة الحرب الباردة، الّتي استمرّت من نهاية الحرب العالميّة الثانية إلى انهيار الاتّحاد السوفييتيّ والمنظومة الاشتراكيّة. وأميل إلى اعتقاد أنّ النظام الدوليّ تأثّر بتوازنات القوى في الفترة المذكورة، وسار في إثرها. واتّسم الخطاب الكونيّ بالاستناد إلى لغة ما اتُّفق عليه من مواثيق وأعراف، وإلى "لغة أمميّة" أنتجتها أروقة الأمم المتّحدة، ودستورها، ورؤاها في حالات السلم وحالات الحرب والنزاعات.

 

إضعاف الدولة الوطنيّة

كأنّ توازنات الفترة المذكورة رسمت خرائط العالم وعلاقاته، على إيقاع تقاسم المصالح ومناطق النفوذ وموارد العالم بين قطبَين وأتباعهما. وبدا أنّ الجميع راضون على نحو ما يحفظ الهدوء العامّ، وبدا أيضًا أنّ العالم بقواه الأساسيّة قد خبِر على جلده معنى الحروب وكوارثها؛ فآثر أن يجنح إلى تسوية الصراعات بالدبلوماسيّة، أو عبر القطبَين وما تفرضه التوازنات بينهما. صحيح أنّ نزاعات نشأت هنا وهناك، وأنّ الهدوء النسبيّ مال أحيانًا إلى التصعيد، ومع هذا ظلّت النزعة الأساسيّة في العلاقات الدوليّة هي ضبط النفس، والالتزام باستخلاصات الحرب ونصوص المعاهدات والمواثيق، الّتي تحفظ العالم بلا "تفجيرات" عسكريّة واسعة النطاق. صارت الحروب محدودة، أو قابلة للتطويق بأيدي القطبَين ومقتضيات التوازن بينهما.

فمدينة بروكسل مثلًا - مقرّ هيئات الاتّحاد الأوروبّيّ - تعجّ بهؤلاء الناشطين الّذين يمثّلون شركات أوروبّيّة وعالميّة، مهمّتها تيسير عملها وتجارتها وأرباحها، من خلال إقناع دول الاتّحاد بعدم ضبط الأسواق

إلّا أنّ انتهاء الحرب الباردة، وهزيمة المنظومة الاشتراكيّة في صراع الأيديولوجيّات، شكّل من حيث جوهره حدثًا صمّم العلاقات الدوليّة من جديد، على أساس وجود قُطب واحد و"عقيدة" واحدة تقريبًا، قادتها الولايات المتّحدة الّتي بدت وفق كلّ المؤشّرات منتشية بنصرها التاريخيّ، حدّ ذهاب البعض إلى مقولة "نهاية التاريخ"، على اعتبار أنّه في الأساس سلسلة لا تنتهي من الحروب والصراعات. ليس هذا فحسب، فقد أدّى انتهاء الحرب الباردة، وانهيار أنظمة الحماية الوطنيّة في ثلث دول العالم تقريبًا، إلى تسارع وتيرة العولمة، كجملة سيرورات في أساسها جريان أكثر سرعة وحرّيّة للبضائع ورأس المال، وخطوط الإنتاج والقوى العاملة، والأفكار وثقافة الحرّيّات، وحقوق الإنسان، والرموز، والتمثيلات الثقافيّة القِيَميّة، والأحكام. لم يحصل هذا برضا الدول الوطنيّة والحكومات، بل رغمًا عنها. واتّضح - أكثر من أيّ وقت مضى في التاريخ - تفوّق قوّة رأس المال المُعَوْلَم على الدولة الوطنيّة، وتقدّم الشركات المتعدّدة الجنسيّات الكونيّة على الدول حتّى الكبيرة منها. وكما يقول يورجن هبرماس، فإنّ العولمة أضعفت ليس فقط السيادة الوطنيّة بمفهومها الكلاسيكيّ، بل أضعفت قدرة الحكومات الوطنيّة على بناء السياسات الوطنيّة، أو تطبيق هذه السياسات على الأرض، أو ثمّة ازدياد كبير في ثروة الشركات الخاصّة والقطاع الخاصّ، ليس على حساب الطبقات والفئات الفقيرة والوسطى، بل على حساب الدول نفسها؛ وهو ما جعل من الدول أقلّ قدرة على تنفيذ مشاريع أو ضمان سلّة خدمات معقولة. وقد سبق هذه الحقبة مرحلة انسحاب الدولة الحديثة من مفهوم دولة الرفاه، ومن شبكات الأمان الّتي وفّرتها للمواطنين وعموم المقيمين على أرضها، جزءًا من مفهوم "الحياة الطيّبة"، الّذي اتّسع بعد الحرب العالميّة الثانية جزءًا من علوّ شأن الإنسان المواطن، والمجتمعات المدنيّة في الدولة الوطنيّة. ولو شئنا أن نصِف الوضع بكلمات أخرى، لقُلنا إنّ سيطرة رأس المال على الدول قد تعزّزت في هذه المرحلة، والتوازنات الّتي حكمت هذه العلاقة بينها قد تغيّرت لصالح الشركات الكونيّة على حساب الدول، بل صار من الواضح أكثر فأكثر قوّة الشركات في صياغة السياسات الاقتصاديّة الوطنيّة، وتوجيهها عبر طاقتها الماليّة، أو عبر قبضتها على البورصات والاتّجار فيها، أو عبر شبكات كونيّة من ناشطي اللوبي الاقتصاديّ المنتشرين في كلّ موقع تتقرّر فيه السياسات الوطنيّة والإقليميّة والدوليّة؛ فمحيط مقرّ هيئات الأمم المتّحدة مثلًا يشهد حضورًا كثيفًا لهؤلاء الناشطين، الّذين يعيشون قرب مواقع اتّخاذ القرار، ويمارسون أنواع الضغط المختلفة ليل نهار على صانعي القرار؛ فمدينة بروكسل مثلًا - مقرّ هيئات الاتّحاد الأوروبّيّ - تعجّ بهؤلاء الناشطين الّذين يمثّلون شركات أوروبّيّة وعالميّة، مهمّتها تيسير عملها وتجارتها وأرباحها، من خلال إقناع دول الاتّحاد بعدم ضبط الأسواق، أو تشديد الأحكام المتّصلة بالصحّة العامّة أو بالبيئة أو بالجودة.

 

وثاق السوق

إذا ما رسمنا المشهد خطوطًا وألوانًا فسيكون مرعبًا، من حيث تحرّر العالم من الوثاق الّذي ربط بين مكوّناته، بين الدول ومجتمعاتها والقوى المتعدّدة داخل المجتمعات، وبين القوى العالميّة والدول الّتي تشكّل محاور إقليميّة أو ذات مكانة إستراتيجيّة خاصّة، في الاقتصاد والسياسة والقوّة العسكريّة. إنّ السوق الحرّة - بوصفها النظام التحتيّ للعالم - أنتج قوّة دفع تفكّ شبكات الربط (الوثاق)، وتهتكها في كلّ حيّز نعرفه انحكم سابقًا للوثاق المُشار إليه الّذي نشأ بعد الحرب العالميّة الثانية. إنّ البنية الاقتصاديّة المُعَوْلَمَة أنتجت أفكارًا وعقائد جديدة، تقول بمركزيّة السوق وحرّيّتها على حساب الدولة والمجتمع، وإنّ إطلاق قوى السوق لا بدّ من أن يحقّق الرخاء لعدد أكبر من الناس على مستوى البشريّة، وفي نهاية الأمر يحقّق الحرّيّات، ولو بثمن انحسار مفهوم المساواة وتطبيقاته. ليس هذا فحسب، فقد طغى مفهوم موت الحقيقة الواحدة - المتمثّلة بمركزيّة الدولة وسياساتها الوطنيّة - وولادة حقبة تعدّد الحقائق وشرعيّتها جميعًا. صحيح أنّ الأمر بدأ مع نقد الدولة الحديثة، الّتي أنتجت مظاهر التوحّش في الحربين العالميّتين، لكن قوى السوق أخذته إلى مدًى أوسع كثيرًا، ليطغى على مفاهيم تضمّنها مصطلح "الدولة الحديثة"، مثل شبكات الأمان الاجتماعيّة، والحقوق الاقتصاديّة، وواجبات الدولة في توزيع الثروة بشكل أكثر عدلًا. كأنّ قوى السوق، على جشعها وسعيها الدائم إلى الربح مهما كان الثمن، أضعفت الدولة وسيادتها، ومنظومات التزامها، وثروتها، ومفهوم المواطنة، والديمقراطيّة، إلى حدّ صار الوثاق الأبرز في العالم هو الوثاق الّذي تحدّده قوى السوق الكونيّة، لا إرث الحرب العالميّة الثانية، وما أنتجه من معاهدات وتفاهمات وأعراف، ضبطت العالم على نحوٍ ما!

وكما يقول يورجن هبرماس، فإنّ العولمة أضعفت ليس فقط السيادة الوطنيّة بمفهومها الكلاسيكيّ، بل أضعفت قدرة الحكومات الوطنيّة على بناء السياسات الوطنيّة، أو تطبيق هذه السياسات على الأرض

ونحن إذ نؤكّد أثر العولمة، بوصفها سوقًا عالميّة حرّة، القويّ فيها يأكل الضعيف، يذكّرنا المشهد بما أشارت إليه أدبيّات العقد الاجتماعيّ، من أنّ الحالة قبل العقد هي حالة طبيعيّة، لا أمن فيها ولا أمان، والقويّ فيها يأكل الأضعف منه أو يستغلّه. لا ننسى، أيضًا، الخلل الّذي أصاب خريطة المصالح بعد انتهاء الحرب الباردة، واضطرار القوى الفاعلة إلى محاولة رسمها من جديد، من خلال صراعات مباشرة أو بالوكالة عبر قوًى تابعة، وهو ما نتبيّنه من خريطة الصراعات، على مدار العالم الّذي زاد تعداد الدول فيه نحو 40 دولة منذ انتهاء الحرب الباردة؛ بمعنى أنّ انتهاء الحرب حرّر شعوبًا وفكّك دولًا قائمة كجزء من الضغط الكونيّ على البؤر الضعيفة، من حيث السيادة الوطنيّة، والقدرة على بناء تجانس وتفاهمات بين مجموعات سكّانيّة مختلفة في دياناتها ولغاتها وإثنيّتها، وما إلى ذلك. إنّ انهيار نظام عالميّ قائم على قطبَين، ونشوء عالم ذي قطب واحد أساسيّ ومجموعة مراكز قوًى إقليميّة فاعلة، كان يجب أن يُترجم إلى تقاسم جديد للمصالح ومناطق النفوذ والقوّة؛ الأمر الّذي انعكس في سلسلة من التحوّلات في العديد من المواقع، من أمريكا اللاتينيّة إلى شرق أوروبّا وجنوبها، إلى الشرق الأوسط، إلى أواسط آسيا، إلى شرق آسيا.

صحيح أنّ المكوّنات الأضعف في النظام المُعَوْلَم، هي الّتي كانت الأكثر تأثّرًا من هذه التحوّلات، والعالم العربيّ مثال، لكن هذه التغيّرات أنتجت مفاعيلها في الدول المركزيّة أيضًا، كالولايات المتّحدة وروسيا والاتّحاد الأوروبّيّ والصين والهند، واتّخذت هذه المفاعيل أشكالًا، ولا سيّما في كلّ موقع يمكن فيه تبيان بعض ملامحها، مثل انحسار قوّة الفكرة الديمقراطيّة في معاقلها واستحقاقاتها، وعودة اليمين العالميّ إلى الواجهة، والتراجع عن اتّفاقيّات حفظ البيئة العالميّة والالتزام بمعاهدات الحدّ من ظاهرة الاحتباس الحراريّ، وضرب اتّفاقيّات التجارة الدوليّة وخرقها بمبادرة الإدارة الأمريكيّة في عهد الرئيس ترامب، هذا إضافة إلى اندلاع حروب إقليميّة في مواقع الصراع، وانهيار العديد من الدول أو إضعافها إلى حدّ بقائها بالاسم فقط، مثل أفغانستان وسوريا والصومال وفنزويلا والبحرين، إلى آخر القائمة، بل غدا العالم أكثر قدرة على قبول كيانات، هي أقلّ من الدولة السياديّة وأكثر قبولًا لفكرة إدارة الصراعات لا حلّها. يُعزى ذلك إلى انحسار مفهوم السيادة الوطنيّة واختزالها في سيادة شكليّة (انظر الوضع في سوريا الّتي تحتلّها أربع قوًى خارجيّة إقليميّة ودوليّة، أو الوضع في أفغانستان وليبيا)، لكن في الأساس لأنّ مركز العالم انتقل إلى السوق الحرّة، وانطلاقها على مداها؛ وهذا يعني وجود مراكز قوّة اقتصاديّة، تضبط النظام العالميّ بوصفه سوقًا، بدل أن تضبطه الدول والمواثيق والمعاهدات. إنّ مراكز القوّة الاقتصاديّة، المتحالفة مع مراكز سياسيّة ومواقع صنع القرار في العالم، صارت من القدرة بحيث تستطيع قبول حالات سيولة، أو مناطق الفوضى الخلّاقة، جزءًا من إنتاج بِنى اجتماع تزيد من تحكّمها وتحقيق مصالحها.

إنّ آخر تجلّيات إرث العالم المكبوح المضبوط، والأحكام والمواثيق، كان في انعقاد المحكمة الجنائيّة الدوليّة لمحاكمة مجرمي الحرب في يوغسلافيا، وقبلها في رواندا، أو ملاحقة بعض أمراء الحرب في ليبيريا وسواها

تحرّر العالم من وثاقه يشمل في ما يشمله - كما رأينا - الانتقاص الزاحف من الدولة الوطنيّة صورةً للاجتماع (المناطق المحاذية لروسيا في حدودها الجنوبيّة وشبه جزيرة القرم، ووسط القارّة الأفريقيّة من ساحلها الغربيّ إلى ذاك الشرقيّ)، والانتقال إلى أشكال أخرى. أقلّ من دولة أو أكبر منها، أقلّ من سيادة وطنيّة واضحة المعالم (أفغانستان والصومال)، أو تعدّد السيادات على الأرض الوطنيّة الواحدة مثل سوريا وليبيا واليمن والبحرين. كأنّنا ذاهبون من الاجتماع البشريّ من خلال الدول إلى الاجتماع البشريّ المُعَوْلَم. وبينما الأوّل مضبوط في حدود ومواثيق وأعراف ومعاهدات، يميل الثاني إلى سيولة وحركة دائمة وحيويّة عصيّة على الضبط أو مقصودة، جزءًا من رغبة قوى السوق في ضمان أكبر الأرباح، من خلال تصميم الاجتماع البشريّ، وبنائه على نحو يتجاوز حدود الدولة ومفهومها واجتماعها واستحقاقاتها، وما ألفناه من شبكة محدّدة للعلاقات داخلها أو في ما بينها.

 

نهاية العالم الّذي عرفناه!

شدّتني المحنة السوريّة، ليس فقط من زاوية عودة التوحّش إلى الواجهة، عبر التقتيل والتدمير الشموليّ للحاضرة والمدن والريف، أو عبر التطهير العرقيّ ومعتقلات التصفية والإبادة، بل من زاوية عجز العالم الراهن عن وقف المجزرة المستمرّة منذ ثماني سنوات. طبعًا يمكننا أن نسأل السؤال ذاته حيال حالات أخرى من التوحّش أو الاقتتال، وانهيارات الاجتماع البشريّ، في كثير من المواقع، لكنّي أريد أن أتمحور في الحالة السوريّة بصفتها التجسيد الأبرز للعجز العالميّ عن وقف التوحّش الّذي يبدو عودة على ما أنتجته فترة الحرب العالميّة الثانية، ولبروز عدم التوافق على خريطة المصالح الكونيّة، بين القوى المتنفّذة في اجتماع العولمة. مقطع عرضيّ للمحنة السوريّة يُشير بوضوح إلى تقاسم سوريا على الأرض، بين روسيا وإيران وتركيا والولايات المتّحدة معزَّزة بحليفاتها. سيادات أجنبيّة كاملة الحضور على الجغرافيا السوريّة، تشي بمرحلة جديدة من العلاقات الدوليّة، الّتي تطغى فيها مصالح المراكز على الأطراف والشعوب الساكنة فيها.

إنّ المحنة السوريّة شرّدت وهجّرت نحو نصف الشعب السوريّ، وقتلت أكثر من نصف مليون مواطن، ودمّرت الدولة على مقدّراتها، بفعل تدخّلات خارجيّة أرادت ضمان حصّتها من المصالح على الأرض السوريّة، وليذهب الشعب السوريّ وحقوقه وحياته وأحلامه بالحرّيّة إلى الجحيم! وهي نتيجة لمستها قوى الثورة وأدركتها بعد فوات الأوان. استغلّت هذه القوى الثورة من أجل دولة مدنيّة وحرّيّات وكرامة إنسانيّة، لتنقضّ على الفرصة لضمان حدّ أقصى من المصالح. أمّا دخول "داعش" على الخطّ، فقد شكّل الضباب الّذي جرت تحته كلّ مظاهر التوحّش والتدمير المنهجيّ.

إنّنا في مرحلة انتقاليّة نحو اجتماع مُعَوْلَم يُنتج أسبابًا لانهائيّة للصراعات أو للحروب، مع زيادة الاحتمال بانتصار عقيدة وجوب الصراع وبؤر التوتّر، جزءًا من السيولة الّتي تقتضيها سيرورات العولمة

أيدي النظام السوريّ أساسًا، ولكن بمشاركة فاعلة من قوًى خارجيّة، وتحالفات ذات مصالح محدّدة، طغت على مطلب الشعب السوريّ وسعيه إلى التحرّر، وبدت هذه القوى، ورغم كلّ ما صرّحت به، مستفيدة من المحنة إلى أبعد الحدود، ومعنيّة بإطالة مداها وضجيجها لتحصد الحدّ الأقصى من الثمار والمكاسب؛ فإيران ضمنت تواصلًا جغرافيًّا عبر العراق والشام، مع رأس حربتها الشيعيّة على المتوسّط في لبنان، بصفته منصّة اندفاع تطلّ على أوروبّا، وتركيا ضمنت لنفسها شريطًا عريضًا من الأرض السوريّة، يمنع تشكيل كيان كرديّ في سوريا، يكون نواة لكيان كرديّ يشمل أكراد تركيا ومناطقهم، وروسيا ضمنت حضورًا عسكريًّا واقتصاديًّا معترَفًا به، ولا سيّما في مناطق الساحل السوريّ والعاصمة، أمّا الولايات المتّحدة فضمنت - في إطار قوّات "التحالف الغربيّ" - السيطرة على الرقّة؛ أغنى المناطق السوريّة بالنفط والغاز.

مثل هذا المشهد حصل في العراق من قبل، ويحصل في ليبيا والصومال، ويمكن أن يحصل في اليمن ومالي ونيجيريا، وفي فنزويلا ومنطقة القرم، وهو ما يمكن اعتباره مؤشّرات على مشهد الاجتماع البشريّ في المرحلة القادمة؛ فخلال المحنة السوريّة سأل الناس وبحقّ: لماذا لا يُتعامل مع المسألة السوريّة بمنطق أحكام دستور "مجلس الأمن الدوليّ"، وهي أحكام كانت تفترض حصول تدخّل دوليّ ضدّ الدكتاتوريّة، دفاعًا عن الشعب السوريّ وسلامته؟ وهو ما لم يحصل قطّ. وتفسيرنا لذلك أنّ العالم لم يعد ملتزمًا بأحكام ما بعد الحرب العالميّة الثانية، ومعاهدات ومواثيق تشكّلت لمنع تكرار الجرائم ضدّ البشريّة؛ فقد حصلت هذه الجرائم ببثّ مباشر، وصُوِّرت ووُثِّقت وسُمِّي مرتكبوها، ومع هذا لم نرَ أيّ إشارة باتّجاه تقديم الجُناة إلى المحكمة، أو شروع هيئات الأمم المتّحدة بعملٍ يحقن الدماء السوريّة ويصدّ القتَلة.

إنّ آخر تجلّيات إرث العالم المكبوح المضبوط، والأحكام والمواثيق، كان في انعقاد المحكمة الجنائيّة الدوليّة لمحاكمة مجرمي الحرب في يوغسلافيا، وقبلها في رواندا، أو ملاحقة بعض أمراء الحرب في ليبيريا وسواها. ومع هذا، أشكّ في أنّ العالم في هيئته الراهنة، معنيّ بمثل هذه المحاكمات بعد الآن، أو بمنع الحروب كنزعة أو سياسة؛ لأنّنا في مرحلة انتقاليّة نحو اجتماع مُعَوْلَم يُنتج أسبابًا لانهائيّة للصراعات أو للحروب، مع زيادة الاحتمال بانتصار عقيدة وجوب الصراع وبؤر التوتّر، جزءًا من السيولة الّتي تقتضيها سيرورات العولمة، وجزءًا من انطلاق قوى السوق، متجاوزة مفهوم الدولة الوطنيّة نحو أشكال أخرى للاجتماع البشريّ. فإذا اقتضت مصالح مراكز القوى سيولة أكبر، فسنرى المزيد من هذه السيولة، وإذا اقتضت المزيد من الفوضى، لضمان السؤدد أو لتحقيق الأرباح والسيطرة على منصّات الانطلاق والهجوم، فإنّنا سنرى المزيد من بؤر التوتّر والأزمات كحالة مُثلى لتحقيق ذلك.

مهما يكن، فإنّ الاجتماع البشريّ المُعَوْلَم هو اجتماع مغاير، ويفترض منظومة قيم وأعراف وتوازنات وسياسات، تتجاوز العالم الّذي عرفناه، وحكمنا عليه بعقليّة اجتماع الدولة الوطنيّة. ربّما أنّنا حيال نهاية للعالم الّذي عرفناه! أو بكلمات أخرى، فإنّنا حيال نهاية ثانية للتاريخ، وهذه المرّة بفعل انتهاء اجتماع الدولة، وبداية الاجتماع المُعَوْلَم.

 

 

مرزوق الحلبي

 

 

شاعر وناقد من فلسطين، يكتب في عدد من المنابر الفلسطينيّة والعربيّة. يعمل وينشط في الجانب الحقوقيّ والمجتمع المدنيّ. له مجموعة شعريّة بعنوان "في مديح الوقت".

 

 

 

تعليقات Facebook