كيف أحيا محمّدوف فنون القتال المختلطة في العالم الإسلاميّ؟

نِزال محمّدوف ومكغريغور عام 2018

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

لطالما ادّعى جو روغان، معلّق فنون القتال وصاحب المدوّنة الشهيرة، أنّ القتال شكل متقدّم ورفيع من حلّ المشاكل. لتجسيد هذه الفلسفة بإمكاننا أن نتذكّر أيّ عراك بالأيدي كنّا جزءًا منه أو شاهدين عليه، أمّا أنا شخصيًّا فما زلت أذكر في أيّام المدرسة، كيف سُرق هاتف صديقي النقّال تحت تهديد السكاكين، كان هذا اليوم الّذي تيقّنت فيه أنّه لا غِنى عن السيطرة على فنون القتال والدفاع عن النفس؛ فالقانون لا يمكن أن يحمي الجميع من التنمّر أو العنف في الشوارع أو البيوت.

حين يكسر أحدهم العقود الاجتماعيّة أو القوانين البشريّة يجب أن يُعاقَب، لكن إذا رفض كلّ طرق التواصل واستمرّ بفعلته، فلا بدّ من التهديد الجسديّ والمواجهة للقتال. ومن منظور إضافيّ، ثمّة ادّعاء سيكولوجيّ يقول إنّ وراء كلّ تفاعل اجتماعيّ طبيعيّ، إمكانيّة خفيّة لا واعية لاستخدام العنف. مثال: إذا كان أحد الطلّاب في الصفّ مُتيقّنًا من أنّ العنف أداة غير مُتاحة، فسيكون من السهل جدًّا عليه خرق القوانين الصفّيّة أو السلوكيّة؛ من هنا يمكن فهم شيوع فنون القتال بأطيافها في المجتمعات البشريّة كافّة، وحتّى ما بعد مرحلة الصيّادين الجامعين، فإنّ العراك الجسديّ من أهمّ أشكال حلّ المشاكل والنزاعات.

 

أثر بروس لي ومحمّد علي كلاي

من المهمّ الإشارة إلى أنّ فنون القتال لم تكن دائمًا في المركز؛ ففي سنوات ما بعد الحرب العالميّة الثانية، أدّى تسليط الأضواء على الحرب الباردة وأسلحة التدمير الشامل؛ أدّى إلى تقزيم فنون القتال وإهمالها في السياق الإعلاميّ. تغيّرت هذه المعادلة في سنوات الستّين والسبعين، بفضل شخص يُدعى بروس لي. إضافة إلى أنّه مُختصّ وباحث وفيلسوف في فنون القتال والروحانيّات الشرق آسيويّة؛ فبروس لي كان أوّل مَنْ أقحم فنون القتال التقليديّة الصينيّة واليابانيّة والكوريّة إلى عالم هوليوود والأفلام الغربيّة. هذه الفترة أدّت إلى ما يُسمّى "موجة الكونغ فو" في السينما، واتّسمت بأفلام عديدة عن فنون القتال والمباريات مثل "فان دام"، و"تشك نوريس"، وغيرهما. من بعد دخول فنون القتال عالم السينما، بدأ الناس يهتمّون بهذا الجانب، وبدأت الدوجوهات (القاعات القتاليّة) تعجّ بالطلّاب الّذين يحلمون بنَيل نصيب من الثقة بالنفس، والتقنيّات القتاليّة الّتي يشاهدونها على الشاشات، وهذه هي السنوات الّتي ازدهرت فيها نوادي "الكاراتيه"، و"الجودو"، و"التاي – كوان – دو"، في البلاد وفي العالم.

 

بروس لي

 

بشكل مُوازٍ، في سنوات الستّين والسبعين، ظهر مُقاتل آخر أدّى دورًا مهمًّا في التاريخ، هو كاسيوس كلاي، الّذي عُرِفَ لاحقًا باسم محمّد علي كلاي. محمّد علي كلاي، الملاكم الشهير، ومحارب من أجل حقوق السود الأمريكيّين والأفارقة (أصرّ على إقامة نِزال في زائير عام 1974)، اشتهر في كلّ العالم بأنّه ملاكم أسطوريّ وشخصيّة كاريزماتيّة جذّابة. وجود شخصيّة مثل محمّد علي كلاي جذبت مئات الآلاف، بل ملايين المشجّعين الجُدُد في كلّ أنحاء العالم، إلى رياضة الملاكمة، لكن من المهمّ الإشارة إلى أنّ الملاكمة آنذاك لم تكن ضمن تصنيف "فنّ قتال"، بل مجرّد رياضة؛ فهي لم تكن مصحوبة بفلسفات حياة وحِكَم ومنظومات أخلاقيّة، مثل الفنون القتاليّة الشرق آسيويّة.

بروس لي، من جهة، يمثّل فنون القتال الآسيويّة والفلسفة العميقة من ورائها، أمّا محمّد علي كلاي، من جهة أخرى، فيمثّل فنون القتال الغربيّة، الّتي استغلّها لكشف الفجوات الأخلاقيّة وعرضها في الولايات المتّحدة آنذاك؛ ماذا سيحدُث لو التقيا في الحلبة لنِزال بقوانين جديدة تُتيح لهما القتال؟ هذا التساؤل أدّى إلى تجهيز أرضيّة خصبة لرياضة جديدة في العالم باسم "فنون القتال المختلطة".

 

جيو جتسو... من إنتاج عائلة جريسي البرازيليّة

"فنون القتال المختلطة" جاءت لتُجيب عن السؤال: "أيّ فنّ قتال هو الأفضل والأنجع؟". للإجابة عن هذا السؤال لا مفرّ من تلخيص منظومة قوانين فضفاضة، تُتيح للمقاتلين تطبيق تقنيّاتهم كلّها، باستثناء التقنيّات الّتي قد تؤدّي إلى إنهاء حياة المقاتل، أو إحداث ضرر كبير جدًّا في أعضاء جسده، مثل العيون أو الأعضاء التناسليّة. وقد أخرج هذا المشروع إلى حيّز التنفيذ عائلة جريسي البرازيليّة، مندوبة فنّ القتال الّذي يُسمّى "جيو جتسو" البرازيليّ، ويتخصّص في إسقاط الخصم أرضًا وإخضاعه، بحركات تقنيّة لا تُتيح له أن يتحرّك كثيرًا.

عائلة جريسي كانت مُتيقّنة من أنّ "جيو جتسو" البرازيليّ فنّ القتال الأنجع والأفضل؛ ولذلك بادرت إلى بناء منظّمة UFC، الّتي تُعَدّ اليوم المنظّمة المُهيمنة الكبرى في العالم في "فنون القتال المختلطة".

النزال الأوّل في "فنون القتال المختلطة" كان في حَدَث UFC1 عام 1993، الّذي به صُعِق العالم بالـ "جيو جتسو" البرازيليّ ونجاعته، حين انتصر مندوبو هذا الفنّ على الكثيرين، لكن سُرعان ما التحق بقيّة المقاتلين بالـ "جيو جتسو" وتعلّموا تقنيّاته، وأصبح بإمكانهم الدفاع والهجوم المضادّ بفنونهم، وتحديدًا الملاكمة والـ "كيك بوكسنغ" بأشكاله؛ وبهذا ظهر فنّ قتال جديد اسمه "فنون القتال المختلطة"، الّذي به يتعلّم التلاميذ أفضل التقنيّات من جميع الفنون القتاليّة؛ ليطبّقوها في المباريات.

 

محمّد علي كلاي

 

استمرّت رياضة "فنون القتال المختلطة" بالنموّ، وشدّت مشجّعين جُدُدًا سنويًّا، حتّى لُقِّبَت برياضة القتال الأسرع نموًّا. لكن كلّ هذا كان هامشيًّا حتّى مجيء مقاتل من أصل أيرلنديّ باسم كونور مكغريغور، الّذي بدأ سيرورته في منظّمة UFC عام 2013، ومنذ نِزاله الأوّل بات واضحًا أنّه قد يصل إلى ارتفاعات شاهقة بسبب طريقة قتاله الجذّابة، وشخصيّته الكاريزماتيّة، والحرب النفسيّة الّتي كان يشنّها على خصومه. مكغريغور صعد إلى القمّة بسرعة شديدة، وحصل على البطولة في وزن الريشة بأسرع ضربة قاضية بتاريخ بطولات الـ UFC، في 13 ثانية فقط! ومن ثَمّ صعد إلى الوزن الخفيف ليحصل على البطولة ليصبح مكغريغور أكبر نجم في "فنون القتال المختلطة" بلا منافس، وثمّة من ادّعى أنّه أكبر نجم في رياضات القتال، الأمر الّذي أدّى إلى نِزال ملاكمة تاريخيّ بينه وبين فلويد مايويثير، الّذي يُعَدّ من أنجع الملاكمين في التاريخ وأفضلهم، والوحيد الّذي لم يُهزَم منذ روكي مارسيانو في سنوات الخمسين. وعلى الرغم من هزيمة مكغريغور، إلّا أنّه حقّق أرباحًا ماليّة طائلة، تُقَدّر بعشرات إلى مئات ملايين الدولارات، وكذلك شدّ انتباه مشجّعي رياضة الملاكمة إلى "فنون القتال المختلطة". كلّ هذا أنجزه مكغريغور وهو لا يكاد يصل سنّ 30 عامًا!

 

كيف وصلنا اسم حبيب نور محمّدوف؟

مَن هو أيضًا في جيل مكغريغور، لكنّه لم يحز على الشهرة والمال مثله حتّى السنة الماضية، الداغستانيّ حَبيب نور محمّدوف، صاحب السجلّ القتاليّ الكامل (28-0) الشديد الندرة في عالم "فنون القتال المختلطة". لو سألت شخصًا في الشارع عن حبيب نور محمّدوف قبل عام 2018، ما عرفه على الأغلب، لكن اليوم اختلفت الصورة، وثمّة الكثير من الشباب، وخاصّة في العالم الإسلاميّ والعربيّ، يتطلّعون إلى حبيب قُدوةً في الرياضة والحياة. إذن، كيف وصلنا حبيب نور محمّدوف؟ المفتاح لفهم شهرة حبيب فهْم عاملَين، أحدهما يتعلّق بفنون القتال، والآخر عامل ثقافيّ اجتماعيّ وتاريخيّ.

في داغستان الجبليّة والفقيرة نسبيًّا، لم يكن ثمّة العديد من إمكانيّات الاشتراك في رياضات كثيرة، الجبال لا تُتيح إقامة ملاعب كبيرة، والوضع الاقتصاديّ لا يُتيح بناء برك السباحة والقاعات الرياضيّة؛ ولهذا ازدهرت المصارعة في هذه المنطقة، وأصبحت الرياضة القوميّة الشائعة، إلى درجة أنّ كلّ طفل داغستانيّ كان يخوض تدريبات مصارعة شديدة منذ الصغر. ولمن جرّب "فنون القتال المختلطة"، أعتقد أنّه بات واضحًا أنّ المصارعة إحدى أفضل الخلفيّات للاندماج لاحقًا في مباريات مثل الـ UFC؛ فقُدرة المصارع على السيطرة على مكان القتال، إن كان سيستمرّ على الأرجل أو أنّه يريد إنزاله أرضًا، هي قُدرة حيويّة جدًّا في هذا العالم.

حبيب نور محمّدوف كان أحد أكبر أبطال المصارعة والمصارعة الروسيّة "سامبو"، قبل وصوله الـ UFC، وحين وصل إليها كان قد اختصّ بالمصارعة إلى درجة احتراف وإتقان استثنائيّة، أدّت إلى استطاعته إنزال جميع خصومه أرضًا والسيطرة عليهم تمامًا. قُدرة حبيب على إنزال خصومه أرضًا كانت المفتاح لنصره على مكغريغور العام الماضي؛ فعلى الأرض مكغريغور لا يملك القوّة لتحقيق أيّ ضربات قاضية.

 

كارلوس جريسي، مؤسّس الجيو جتسو البرازيليّ

 

إضافة إلى العامل التقنيّ والرياضيّ، كان لنِزال حبيب مكغريغور بُعد ثقافيّ وفلسفيّ عميق. من جهةٍ، نرى مكغريغور البطل المتعجرف الّذي يُحقِّر خصومه كلاميًّا، بشنّه الحرب النفسيّة قبل النزال، والّذي يمثّل المدرسة الغربيّة من فنون القتال، الّتي رجعت إلى أيّام محمّد علي كلاي والملاكمين في الفترة الذهبيّة، حين كان النزال كلاميًّا قبل أن يكون جسديًّا. ومن الجهة الأخرى، نرى حبيب نور محمّدوف الّذي يمثّل المدرسة الشرق آسيويّة من فنون القتال، الّتي تتّسم بقِيَم الاحترام والروح الرياضيّة ومبدأ الدفاع عن النفس، لا التحقير والهجوم على الخصم كلاميًّا بأيّ شكل من الأشكال. نصر حبيب نور محمّدوف كان بمنزلة نصر لفلسفة الروح الرياضيّة، والتواضع، والاحترام في فنون القتال، على فلسفة الرياضة الرأسماليّة الغربيّة الّتي تبيع الدراما والعنف الكلاميّ والتنمّر للمشاهدين.

على الرغم من وجود الكثير من النقاط الّتي يمكن إثارة الجدل فيها عن نِزال مكغريغور وحبيب نور محمّدوف، إلّا أنّنا اليوم نعلم يقينًا أنّ هذا النزال هو الّذي أحيا "فنون القتال المختلطة"، في العالمَين العربيّ والإسلاميّ، بقوّة وطاقة مُجدّدة.

 

 

جاد قعدان

 

 

باحث ومدرّب وناشط. متخصّص في علوم الدماغ (بيولوجيا وعلم نفس)، وعلم النفس الإدراكيّ اللسانيّ. يدرس حاليًّا ضمن برنامج الدكتوراه في الدراسات الإدراكيّة اللسانيّة، في "جامعة تل أبيب". معلّم بسيخومتري منذ 2007، ومدرّب للدبكة التراثيّة الفلسطينيّة.

 

 

تعليقات Facebook