قضايا التحرّش... هوس الإثباتات

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

كلّما فُضحت جريمة تحرّش جنسيّ لرجل، ارتسم الحيّز الافتراضيّ وما خارجه، كلوحة يملؤها بشر يصرخون بأفواه فاغرة: "وين الدليل؟"، وتزيد الضوضاء صخبًا: "نريد إثباتات!"، "وين شهادات الصبايا؟". تحديدًا من الرفاق القلقين على مصيرهم؛ إذا كانت الخبريّة حول ناشط حزبيّ، مدير جمعيّة أهليّة، موسيقيّ أو شخصيّة معروفة في الحياة الليليّة في حيفا مثلًا، أو في أوساط المثقّفين البدلاء أو المبادرين والمؤمنين بالتغيير الاجتماعيّ، وهم عادةً يتصرّفون بحرص وحذر شديدَين، شديدَين جدًّا حتّى إثارة الشكّ، مدّعين قلقهم على الحقيقة.

أحيانًا، أحبّ لو كنت أنا مدرّستهم في المرحلة الثانويّة لمساق "الحرّيّات والمدنيّات"، لعملت جاهدةً على ألّا يرسب رجل واحد في العلوم الديموقراطيّة، ولنمت الليل طويلًا آمنةً بتخريجي هذا العدد الهائل من المدافعين عن حقوق الفرد والمساواة، وجبت ساعات طوالًا في أزقّة الحارة، لأرى حسين مع مريوله المنقّش "مبروك الحنّة"، معلّقًا برجل واحدة على حافّة الشبّاك الزجاجيّ الكبير، وأخرى تلوح في الهواء، وهو منهمك في التلميع، أو عليّ وهو متعرّق في تعزيلات موسميّة، بعد أن أفرغ البيت من محتوياته.

لا أبالغ إن قلت إنّنا كلّ يوم نُصعَق أكثر وأكثر، من ضيق الدوائر وطول القوائم، حتّى بتنا نختنق منكم: ناشطين، وسياسيّين، ومديري جمعيّات، وحقوقيّين، وأطبّاء، ومصمّمي غرافيك، وصيادلة، ومحاسبين، ومجرّد رجال بلا تصنيفات مهنيّة.

عودة إلى الواقع. أكتب هذا النصّ لأقول لكم أعزّائي الرجال "إنّه نحنا" النساء، أو الصبايا كما تُؤْثرون تسميتنا لتصغيرنا حتّى لو كنّا في جيل الثلاثين، نكتب شهاداتنا ونعلّقها على الحيطان، بعيدًا عن أعينكم المشكّكة فينا والمستهترة أحيانًا. هناك، حيث لا تكونون، تتفتّح جروحنا على وسعها، نُصغي إلى الثغرات في الجُمل المتقطّعة بتأثير الصدمة - لأنّنا نصدّقها أوّلًا -، هناك تنزف واحدة تلو الأخرى منّا شهادتها بتفاصيلها الحاضرة والغائبة منها، وتمتزج شهاداتنا كلّها؛ فنحن معشر يُتقن فنّ تزامن الدماء، حتّى تتّحد القصّة وهي واحدة: أينما انتشر عدم المساواة بين الجنسين انتشر طرديًّا التحرّش الجنسيّ بالنساء. كلّ واحدة منّا تعرّضت للتحرّش جنسيًّا - كلاميًّا وجسديًّا -، امرأة من كلّ خمسٍ اغتُصبت.

نحن نعرف الحقيقة العارية والمتنازِلة مسبقًا عن تحليلاتكم وآرائكم المسبقة، ودونما حاجة إلى استجداء الحقيقة من الجزء الواصل بين آذانكم إلى أسنانكم؛ إذ نجمع أساميّ المعتدين والمتحرّشين، وندرجها ضمن قوائم ملوّنة بالألوان الأبيض والأخضر والأحمر والأسود كالعلم، نعرفها عن ظهر قلب، ولا أبالغ إن قلت إنّنا كلّ يوم نُصعَق أكثر وأكثر، من ضيق الدوائر وطول القوائم، حتّى بتنا نختنق منكم: ناشطين، وسياسيّين، ومديري جمعيّات، وحقوقيّين، وأطبّاء، ومصمّمي غرافيك، وصيادلة، ومحاسبين، ومجرّد رجال بلا تصنيفات مهنيّة.

نحن لا نثق بكم، نستشيط غضبًا عليكم، ونسبّ معشركم، ونخطّط يوميًّا كيف نثور على منظوماتكم القائمة على تصغيرنا واستغلالنا، وتضييق حيّزنا، وتهديد أجسادنا وأماننا في أماكن عملنا، وبيوتنا وفراشنا، ومقاهينا وشواطئنا ومواصلاتنا، ونوادينا الليليّة، وأحزابنا. من اليوم، حين تسمع امرأة تصرخ حقيقةً: "متحرّش جنسيّ"، بالعلانية أمامك، فاعلم أنّها رفضت مسبقًا المرور في بلاطك لإثبات جريمة ضدّ امرأة ارتكبها رجل، ربّما هو أنت. نحن لا نتوق إلى عدالتكم؛ فنحن لا نثق بكم، كيف لنا أن نثق برجال مجرمين ومتحرّشين في الغالب؟ أنتم المتّهَمون؛ فأنتم مَنْ مُنِحتم امتيازات من قبل ولادتكم، وأنتم المتورّطون في الجريمة اليوميّة في حقّنا. وبعد فضح حقيقتكم تطالبوننا نحن ضحاياكم بإثبات صحّة جرائمكم؟ خسئتم.

أحيانًا أتمنّى رُبْع بجاحتكم، حين يكون أقصى ردّكم على جريمة اعتداء جنسيّ، تصريحًا ضبابيًّا على وسائل التواصل الاجتماعيّ، محفوفًا بالحذر، كُتب بيد ترجف، وباليد الأخرى تؤدّون دور السيّد الحاكم، تنبشون في جثثنا بحثًا عن دليل يقنعكم. أنتم مَنْ تدّعون النسويّة والشراكة في النضال، أنتم هم خيبة الأمل. بربّكم، أسمعتم مرّة على مرّ التاريخ عن مجموعة أخرى، غيرنا نحن النساء، تُقتَل وتُعنَّف ويُمارَس ضدّها كلّ أفعال الكراهية والعبوديّة والإبادة الجماعيّة، من قِبَل مجموعة أخرى، ألا وهي الذكور، وحتّى اليوم لم تردّ بالمثل؟

أسعى إلى عالم أفضل يرتكز على الشخصيّ؛ لأنّه سياسيّ بامتياز. تأمين الحيّز الخاصّ والعامّ خاليًا من الاعتداءات الجنسيّة والتحرّشات. هذا مطلب لا يستحمل المساومات السياسيّة أو الثقافيّة أو الوطنيّة؛ فأنا لا أرى فلسطين حرّة بلا نساء حرائر...

الآن، تخيّلوا الماضي مع تعديلات إصلاحيّة: دعوة علنيّة تقودها "خليّة مكافحة الإرهاب الجندريّ"، في "لجنة المتابعة لشؤون الفلسطينيّين في الداخل المحتلّ"، تتجمّع في مدخل الحارة الشماليّة، متّجهة إلى بيت عضو المكتب السياسيّ، مُطالِبة بإقالته الفوريّة ومقاطعته السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة؛ لأنّه قام بإيحاءات جنسيّة للرفيقة في أثناء مُحاججة حول الثورة السوريّة، فأرسلها جسدًا للمزاودة والبيع بالبخس في سوق السبايا الداعشيّ!

بهذا، أسعى إلى عالم أفضل يرتكز على الشخصيّ؛ لأنّه سياسيّ بامتياز. تأمين الحيّز الخاصّ والعامّ خاليًا من الاعتداءات الجنسيّة والتحرّشات. هذا مطلب لا يستحمل المساومات السياسيّة أو الثقافيّة أو الوطنيّة؛ فأنا لا أرى فلسطين حرّة بلا نساء حرائر، إمّا الاثنتان معًا وإمّا أن نُكمل ثورتنا لمواجهة جميع أنظمة القمع المفروضة علينا، وهذه هي الثورات الحقيقيّة. هذا تصريح حُسن نوايا، يصبو إلى عدالة تاريخيّة إصلاحيّة تعترف أوّلًا بمسؤوليّة الرجال، بلا استثناءات، على قمع النساء واضطهادهنّ اليوميّ على مرّ التاريخ، وهو ما مكّن علوّ شأن الرجل على حسابنا، وتسارُع عجلة المنظومة الذكوريّة المسيطرة اجتماعيًّا وسياسيًّا وثقافيًّا. وثانيًا، التزام الرجال بأخذ خطوات فعليّة ضدّ أبناء جلدتهم، للتخلّص من امتيازاتهم كمحور أساسيّ للتعبير عن المسؤوليّة، الّتي تتمحور حول إحقاق العدالة واسترداد كرامة النساء.

أعزّائي الرجال، أنتم مَنْ عليهم الانشغال يوميًّا بإثبات ولائكم لقيم الحرّيّة والمساواة، للعالم وللنساء بصفتهنّ ناجيات من اعتداءاتكم؛ فإن أخطأت فلا تجادل، تَعلَّم وعدِّل وجاهر بالمسؤوليّة، أو سلِّم نفسك إلى الشرطة إن اقتضت الحاجة. أبدًا لا يمكن الاعتذار وحده، بلا محاسبة وعقاب، أن يمنحك عفوًا، على غرار العفو الرئاسيّ، من جريمة ارتكبتها بحقّ امرأة؛ لأنّ هذا أكثر ما يجعلنا نستشيط غضبًا، عليك أن تُعاقَب وتدفع الثمن أوّلًا؛ فهذا عربون صدقك، وبعدها للحديث تتمّة. 

 اليوم وكلّ يوم اسأل نفسك، وزميلتك في العمل، أختك، صديقتك، أمّك، الرفيقة الجالسة في البار بجانبك، اسألها ما رأيها في التصرّفات أو الكلمات أو الإيحاءات، الكلاميّة والجسديّة، الظاهرة منك. أمهل وقتك للحديث مع الذكور من حولك حول خلق حيّز آمن للنساء، خاصّة في أماكن وجودهنّ، لأنّك صرت تعلم أنّ أكثر من 85% من الاعتداءات والتحرّشات بالنساء، يكون من شخص معروف للضحيّة، أحيانًا هو أنت! انخرط في جمعيّات تُعنى بنشاط توعويّ أو نضاليّ ضدّ التحرّشات والاعتداءات الجنسيّة؛ لأنّك جزء من الآفة وحلّها، ولأنّ المسؤوليّة مُلقاة عليك أيضًا. عاود الكَرّة كلّ يوم.  

عندما تسمع عن متحرّش أو مُعتدٍ، ابحث عنه، حاسبه واطلب منه إثباتاتٍ لبراءته. انظر مع رفيقاتك إن كنّ ضحيّته، واكتفِ بجوابهنّ المقتضَب من غير أن تنبش جروحهنّ النازفة؛ فما أصعب أن يُشكّك فيك مَنْ تظنّينه شريكًا فكريًّا في التحرير!

إذا كنت رجلًا فاخلع رداء النسويّة المقتصر على التصريح، واعتمد الفهم والتطبيق في علاقاتك بالنساء، وفي داخل منزلك وخارجه، لتكون هي تلك شهادة حُسن السيرة والسلوك لديك.

أمّا المرّة القادمة، فعندما تسمع عن متحرّش أو مُعتدٍ، ابحث عنه، حاسبه واطلب منه إثباتاتٍ لبراءته. انظر مع رفيقاتك إن كنّ ضحيّته، واكتفِ بجوابهنّ المقتضَب من غير أن تنبش جروحهنّ النازفة؛ فما أصعب أن يُشكّك فيك مَنْ تظنّينه شريكًا فكريًّا في التحرير! وتذكّر كلّ مرّة تُوجِّه عينيك وفمك نحو امرأة مطالبًا بالأدلّة والإثباتات؛ فأنت فعليًّا تُدير ظهرك لمتحرّش مُعتدٍ وتعفيه من المسؤوليّة. ولأنّه لا وطن حرًّا بلا نساء حرائر؛ ارفع صوتك العالي والعلنيّ في وجه المتحرّشين والمعتدين والمشاركين في الجريمة حتّى يُعاقَبوا، وللعقاب أشكال عدّة، منها الاقتصاديّ والاجتماعيّ والجنائيّ؛ فهذا أضعف الإيمان. ولا تصمت ولا تكن خجولًا؛ لأنّ الحقيقة تكمن في داخلك.

أينما انتشر عدم المساواة بين الجنسين، انتشر طرديًّا التحرّش الجنسيّ بالنساء.

 

 

ميساء إرشيد

 

 

 

محامية من فلسطين. حاصلة على الماجستير في دراسات الجنوسة، ناشطة اجتماعية وسياسية. تهتمّ بقضايا المستضعفين/ ات.

 

 

 

تعليقات Facebook