"النوى": أن تثني الحديد بيديك... في دير البلح

"الحاكورة" - أحد مرافق "النوى"

خاص فُسْحة - ثقافية فلسطينية

لم تكن الزيارة متوقَّعة، بالأحرى كان عندي رغبة في زيارة مدينة دير البلح الواقعة على بُعد 15 كيلومترًا فقط، جنوبًا من مدينة غزّة، وذلك للالتقاء بالصديقة القديمة والناشطة المعروفة ريم أبو جبر، على إثر تأسيسها جمعيّة غير ربحيّة عام 2014، لكن استغرق هذا اللقاء خمس سنوات حتّى يتمّ، لا أدري بالضبط ما السبب، لكن في غزّة قد تتمكّن من التواصل مع صديق لك في أوروبّا مثلًا، أكثر ممّا تتواصل مع أحدهم هنا؛ وهذا يعود إلى أسباب كثيرة، قد يستغرقني المقال كاملًا للحديث عنه، لكن سأحاول في مقال آخر التحدّث عن الأمر. ورغم تأخّر هذا اللقاء، إلّا أنّني عقدت العزم على المضيّ قدمًا على تحقيقه، بعد أن صادفت ريم في مقهًى في يوم سبت، وقد مضى على عدم لقائنا أكثر من عشر سنوات.

 

 

كانت مفاجأة سارّة، تبادلنا الأحاديث المتسارعة، استذكرنا أشياء ممّا مضى، ثمّ طلبت منها تحديد موعد لزيارتهم. حملت كلماتها بعضًا ممّا قد يكون مفاجِئًا لي، لكنّي لم أدرك ما حملته كلماتها لتجعلني أقود سيّارتي صوب دير البلح. عند مدخل دير البلح على طريق صلاح الدين، اضطررت إلى التوقّف وسؤال أحدهم عن العنوان الّذي أعطتني إيّاه ريم وهو "شارع ترزي"، وفور سؤالي أجابني: "تقصد أنّك تريد الوصول إلى ‘نوى‘؟ نعم، تستطيع سلوك الطريق هذا وذاك". وأشار بيده مع ابتسامة جميلة، شعرت فيها بالترحاب. وصلت إلى الشارع، ومن بعيد ظهر لي مبنًى كبير وجميل مكوّن من ثلاثة طوابق، بدا حديثًا، ولمّا اقتربت أكثر كانت هذه هي "النوى" كما يحبّون تسمية أنفسهم. ركنت سيّارتي ونزلت مُتلهّفًا لأتفاجأ بمساحات مُتقَنة بامتياز، وصلت الطابق الثالث حيث الإدارة، وهناك قابلت ريم في مكتبها الّذي بدا أنّه طاولة عمل، وليس مكتبًا لشخص واحد، جلسنا أحدنا إلى الآخر، أنا أعبّر عن دهشتي بالمكان، وهي تقول لي: "ليس بعد، يجب أن تزور كلّ الأماكن"، تبادلنا أطراف الحديث، حديث ثقافيّ وفنّيّ شائق. تتمتّع ريم بروح وثّابة وطموحة، وتحمل في وجهها وهجًا وحبًّا لعملها قلّما تجده عند كثيرين، لكن ولأنّني قدمت متأخّرًا عن موعدي بقليل، بسبب زحمة السير وعطل صغير في السيّارة، استأذنَتْ ريم بعد نصف ساعة من اللقاء لحضور اجتماع، وقد عرّفتني على منسّقة العلاقات العامّة، الّتي ستصحبني في جولة في مقرّ "النوى"، وهي شابّة صغيرة اسمها دينا، فلسطينيّة لأمّ مصريّة، وتتحدّث بلهجة مصريّة، بدأت بتعريفي بالـ "نوى" طابق الإدارة، ثمّ نزلنا إلى الطابق الثاني، حيث "معرض الحركة والسكون"؛ وهنا كانت دهشتي الأولى.

 

"الحركة والسكون"

قاعة مفتوحة مساحتها 250 مترًا مربّعًا، مقسّمة إلى ثمانية أقسام مختلفة، يحتوي كلّ قسم منها على نوع من العلوم التفاعليّة الذكيّة، يُتيح للجمهور تجربة معرفيّة جماليّة تعتمد على الاستكشاف والاستقصاء، ويهدف إلى تعزيز الاستخدام الفعّال للتعليم غير الرسميّ بمختلف أدواته، مع التركيز على العلوم التفاعليّة، وهو معرض بالشراكة مع "مؤسّسة عبد المحسن القطّان - برنامج البحث والتطوير التربويّ" - القدس، ويحتوي على مجموعة من المعروضات تحاكي الحركات الفيزيائيّة في علاقتها بالزمن والسرعة والإزاحة والقوّة.

 

 

تعرّفت بدايةً "غرفة الغموض" الّتي تتحرّك، لترسل العين إلى الدماغ معلومات بأنّ المكان يتحرّك، بينما تصل معلومات إلى الدماغ تفيد بأنّ المكان ثابت، وقد قمت بالتجربة، وكانت المرّة الأولى الّتي أجرّب فيها شيئًا كهذا، ثمّ انتقلنا إلى "القرص الدوّار"، وهو قرص متحرّك، في مركزه عمود مثبّت، يستقلّه الطفل، ويعتمد على وزن الجسم وموقعه ليكتسب سرعة دوران حين يتحرّك الجسم دائريًّا، وكلّما ابتعد الجسم عن المحور قلّت سرعة دورانه، والعكس صحيح. ثمّ انتقلنا إلى "قرص الاتّزان"، ويُجيب هذا القرص عن تساؤل: "هل يمكن تحقيق توازنك بنفسك بغير المشاركة مع الآخرين؟"، ويستقلّه الأطفال بشكل متقابل بطريقة تناغميّة حول نقطة الارتكاز، إمّا بالاقتراب وإمّا بالابتعاد لتحقيق حالة من التوازن. ثمّ انتقلنا بصحبة المشرفات في المعرض إلى "البسكليت الطيّار"، وهو درّاجة هوائيّة متّصلة بأسطوانة زجاجيّة فيها كُرة، تتفاعل مع راكبها عند قيامه بالتبديل على الدوّاسات، لتدور عجلته أضعاف السرعة نتيجة لحركة المسنّنات والبكرات، وحينذاك ستبدأ المروحة بالعمل، وستدفع الكرة الكسولة إلى الأعلى في الأسطوانة الزجاجيّة.

بعد ذلك، بدأت إحدى المشرفات - شابّة في بداية العشرينات - بتعريفنا "معروضات الهارمونغرافات"، وهي معروضات تثبت العلاقة الوطيدة بين العلم والفنّ. يُهديك البندول الرسّام رسمة، تحرّكها بنفسك وترسمها، وتعمل المعروضة ضمن نظام ميكانيكيّ يتتبّع حركة البندول (الوزن والذراع)، وينتج عن ذلك رسمة منتظمة. وهي أربع معروضات مختلفة: الهارمونوغراف الأحاديّ، والهارمونوغراف الثنائيّ، والهارمونوغراف الثلاثيّ، وأرجوحة الهارمونوغراف. في تجربة فريدة من نوعها شعرتُ بالمتعة فيها، وبقدرة هذا البندول على الرسم وصناعة الفنّ، وفي الخلف من المعروضات كان ثمّة رسمات عديدة جميلة، معلّقة بأسماء أطفال رسموها عبر البندول.

"معرض الحركة والسكون" تستضيفه "نوى للثقافة والفنون"، بالتعاون مع "مؤسّسة عبد المحسن القطّان - أستوديو العلوم"، وهو من إنتاج برنامج البحث والتطوير التربويّ، وبتمويل من "الصندوق العربيّ للإنماء الاقتصاديّ والاجتماعيّ" – الكويت.

بعد انتهائنا من "معرض الحركة والسكون" نزلنا إلى الطابق الأرضيّ، حيث "روضة الحكايات".

 

"روضة الحكايات"

هي الحكاية الأولى لـ "النوى"، وقد تأسّست الروضة على يد الناشطة ريم أبو جبر عام 2011، مساهَمة مجتمعيّة منها لمنطقة دير البلح، ومن ثَمّ تبرّعت بها كاملةً لـ "النوى". ومع التطوّر المتسارع لـ "النوى"، وعلى إثر بنائهم "المركز الثقافيّ" عام 2016، الّذي نحن فيه الآن، والّذي يعكس في تصميمه بعض عناصر البيوت الفلسطينيّة القديمة، لربط الأطفال بجذورهم وتراثهم؛ انتقلت الروضة لتحتلّ الطابق الأوّل، وأُلحِق بها حديقة تعليميّة مميّزة وصديقة للبيئة.

 

 

بهدف تمكين مجتمع دير البلح ثقافيًّا وفنّيًّا وتعليميًّا، تقدّم الروضة خدمات الطفولة المبكّرة، وتعزّز الاستخدام الفعّال للتعليم غير الرسميّ بمختلف أدواته، لنحو 100 طفل وطفلة سنويًّا، وتدعم أيضًا دور أهالي الأطفال بصفتهم المعلّم الأوّل، من خلال رفع الوعي وبناء القدرات، وتقديم أنشطة مشتركة بين الطفل والأهل. وبالتنسيق مع رياض أخرى، تهدف الروضة أيضًا إلى تعزيز قدرات التربويّين ومهاراتهم في مجال التعليم غير الرسميّ، وإنشاء شبكة التربويّين وإدارتها في مجتمع دير البلح والمحافظة الوسطى.

تقدّم الروضة نشاطات تفاعليّة للأطفال، مستمدّة من التراث الفلسطينيّ وتقنيّات "والدورف شتاينر"، الّتي تعتمد على رواية القصّة والفنون والألعاب الحركيّة، إضافة إلى الرحلات التعليميّة والترفيهيّة.

تتلقّى مربّيات الروضة تدريبات مستمرّة، من خلال شراكة استثنائيّة مع تربويّي "والدورف شتاينر" في ألمانيا.

تبدو الروضة متقدّمة على سواها من الروضات الّتي تقدّم خدماتها للأطفال في سنّ مبكّرة، في محافظات غزّة المختلفة؛ إذ يعاني الأهالي من عدم كفاءة الروضات القريبة من منازلهم، وعدم أهليّتها ليمارس أطفالهم الأنشطة المختلفة فيها. تسعى "النوى" للوصول إلى حالة كفاءة على مستوى روضات الوطن كافّة، لتكون انطلاقة ملائمة للأطفال في هذه السنّ المبكّرة.

 

البيّارة والحاكورة

تحرّكت بنا السيّارة بعدها لنبتعد عن "المركز الثقافيّ"، عبر سلسلة من الحقول المزروعة، والنخيل المنتشر على جانبَي الطريق، الّذي تراه في كلّ مكان في دير البلح؛ إذ يشكّل النخيل أهمّ سِمة للمدينة. عندما وصلنا ونزلت من السيّارة كنت أمام باب كبير تعلوه يافطة عريضة.

تلك كانت دهشتي الثانية، فور دخولي إلى المكان شعرت براحة نفسيّة، أينما تقع عيني أرَ شيئًا مميّزًا وجميلًا في حالة متناغمة مع الطبيعة، الأشجار والأزهار واللوحات الفنّيّة والمساحات المعدَّة بعناية وإتقان، تجعلك راغبًا في التفاعل والانسجام. تعتبر "النوى" لعب الأطفال في المتنزّهات والطبيعة عاملًا جوهريًّا في تعلّمهم ونموّهم الاجتماعيّ، ويساعدهم أيضًا على زيادة التركيز، والتعلّم، وتحسين المستوى الأكاديميّ؛ ولذلك أنشأت "النوى" متنزّهات "البيّارة والحاكورة" على مساحة دونمين (2000 متر مربّع)، وصُمِّمت بشكل صديق للبيئة، لتشمل مكتبة ومسرحًا خشبيًّا مفتوحًا في الهواء الطلق، وأركانًا متعدّدة وجذّابة للفنون والرسم واللعب الحرّ، وركنًا لإعادة الاستخدام للعناصر البيئيّة المتاحة.

 

 

جولة في المكان كفيلة بإطلاق العنان للفكر، وباعثة على الاتّساق مع الطبيعة الخلّابة. هناك تجد باصًا صغيرًا تحوّل إلى مكتبة، عندما اقتربت أطلّ منها معاذ، فتًى في الثانية عشرة من عمره، وهو يمسك بيده قصّةً مبتسمًا، ضحكتُ وسلّمت عليه، واعتذرت عن مقاطعته، ثمّ سألته عن المكان، فقال لي إنّه المكان الأحبّ إليه؛ كلّ يوم يأتي إلى هنا للجلوس والاستلقاء في الباص/ المكتبة، والقراءة حتّى وقت متأخّر. شعرت بالامتنان لذلك، ثمّ طلب منّي أن أجرّب الدخول إلى المكتبة. من الأشياء الّتي أصابتني بالحبّ في الحاكورة، هذا الطفل اليافع، شعرت بأنّ القراءة انعكست عليه وجعلته لبقًا ولطيفًا إلى هذا الحدّ. انتقلنا إلى الزوايا الأخرى، التقطت صورًا عديدة، ثمّ اصطحبنا المنشّط المسؤول عن البيّارة سالم غنّام، ليطلعنا على زاوية في قيد التجهيز لها، وهي زاوية توائم الأطفال ذوي الإعاقة حركيًّا، وتساعدهم على الاندماج مع الآخرين، وهي ألعاب حركيّة تتّسع لكرسي متحرّك فيها، وأشار سالم إلى أنّها ليست ألعابًا للأطفال ذوي الإعاقة فقط، بل هي ألعاب للجميع، كي لا يشعر الطفل من ذوي الإعاقة بالعزلة.

سالم غنّام، الشابّ المسؤول عن الحاكورة، يعبّر بحبّ عن انتمائه إلى المكان، وعن أنّه جزء من حياته؛ إذ عمل بيديه على بناء الحاكورة، وإعادة استخدام عناصر البيئة المختلفة وتدويرها لتلائم الحاكورة، الّتي بدت في عينيه بيته الثاني، إن لم يكن الأوّل على حدّ قوله.

تستقبل متنزّهات "نوى" يوميًّا المئات من الأطفال والأهالي والمجتمع المحلّيّ، للاستفادة من نشاطات الثقافة والفنون والتعليم غير الرسميّ والبيئة، وبالتنسيق مع رياض أطفال ومدارس ومؤسّسات محلّيّة ودوليّة أخرى. تستقبل المتنزّهات زيارات من الأطفال والمهتمّين، تُنظّم خلالها برنامجًا ترفيهيًّا حيويًّا، يشمل: عروض الموسيقى، وعروض التهريج، وأنشطة رواية القصّة، والقراءة، وأنشطة الفنون وإعادة الاستخدام.

لم أكتفِ من الحاكورة، اضطررنا إلى التحرّك بعدها لتعرُّف بقيّة مقرّ "النوى"، ووعدت أن أعود قريبًا لأتعرّف المكان أكثر. ثمّ رافقتُ دينا بعدها إلى المدينة حيث السكّان والبيوت، ومن الشارع الرئيسيّ سلكنا شارعًا فرعيًّا لأُصاب بدهشتي الثالثة.

 

دير الخضر الأثريّ

بدا المكان من الخارج مكانًا مُدهشًا، قديم الطراز مُرمَّمًا حديثًا. الشارع المؤدّي إلى الدير كسته حجارة الفسيفساء المُعاد استخدامها، وقد حملت أسماء نشطاء "النوى" الّذين أشرفوا على إعادة ترميم المكان، وتحويله إلى "مكتبة الخضر للأطفال".

يُعَدّ الدير من الآثار القديمة النادرة، وهو كنيسة قديمة بُنِي فوقها مسجد صغير منذ أكثر من 300 عام، هذا الموقع ربّما يكون دير الروم من العصور الوسطى، وقد ذكره جاك دي فيتري على أنّه بيت يونانيّ – دير الروم، وقد جرى تحصينه على يد الملك أمالريك بأربعة أبراج... ثمّ استولى عليه ريتشارد قلب الأسد، وحصّنه بسبعة عشر برجًا وخندق. الموقع اليوم ضمن أملاك "بطركيّة الروم" في القدس، واسمه القديم كما يذكر أهل القرية هو "دير مارجورجيوس" و"دير الخضر".

 

 

المسجد اليوم يُعرف بـ "الخضر" أو "القدّيس جورج"، وهو فوق موقع أثريّ كبير، كان يُدخَل إلى المبنى من خلال حظير في الجهة الجنوبيّة. من الأكيد أنّ الموقع كان كنيسة مسيحيّة. إحدى درجات المدخل في الجدار الجنوبيّ تحتوي على بقايا نقش لاتينيّ. يقع الدير قديمًا عند بوّابة غزّة، على الطريق المؤدّي إلى القرية، الّتي كانت تُعرف بباب الدارون. كان في القرية سكّان مسيحيّون منتصف القرن التاسع عشر.

المكان زاخر بالآثار والدلالات والحجارة الّتي قامت عليها الكنيسة والمسجد من بعدها؛ تتناثر في الأرجاء أعمدة رخاميّة وقطع مزخرفة ونقوش لاتينيّة، وثمّة نقوش أحدث في شمال قاعة الصلاة وجنوبها، وفي وسط القاعة المركزيّة، ويُقال إنّها لقبر "سيّدنا الخضر".

استطاعت "النوى" بعد جهد كبير في إقناع السكّان المحيطين بالدير والسلطات المحلّيّة، بإعادة ترميم الدير وجعله مكتبة للاستفادة منه، وقد نجحوا في ذلك. أصبح المكان مزيجًا متناغمًا بين الماضي والحاضر، بين جذور الأهل وحاضرهم المعرفيّ والثقافيّ. تحوّل المكان إلى تحفة فنّيّة فريدة من نوعها، وليست فقط مزارًا للسيّاح، بل أيضًا مكتبة للقراءة. يعمل طاقم يتبع لـ "النوى" على الإشراف على المكان وتفعيله من حكواتيّة وفنّانين تشكيليّين ومنشّطين، ليكون هذا المكان أبرز نجاحات "النوى"، وأكثرها عمقًا وأثرًا. يزور المكان كلّ من يرغب في ذلك. يمكن الطفل في المكتبة أن يشترك بمبلغ رمزيّ ليرتاده طوال العام.

كانت دهشتي هذه أكثرها غرابةً، وأعمقها أثرًا. التقطت الكثير من الصور، ولم نستطع المكوث أكثر لاستكمال جولتنا، لكنّني أيضًا وعدت القائمين هناك بتكرار الزيارة، للتمعّن في كلّ زاوية في الدير، وهو مكان خلّاب يقع بين بيوت السكّان في موقع غير مألوفٍ إيجاد آثار فيه، لكنّ السكّان يؤكّدون أنّ الدير يقع في منطقة أثريّة كبيرة، تحكي تاريخيّة المكان ودلالته على قِدم الحياة فيه.

بعد انتهائنا من "دير الخضر" الأثريّ، الّذي تحوّل إلى مكتبة، توجّهنا إلى المكان الّذي انطلقت منه "النوى"، وهو بيت قديم نسبيًّا ما زال في حاضنة "النوى"، وقد تحوّل إلى روضة أطفال ومرسم للفنّ التشكيليّ، وفي باحاته يمارس الأطفال مع مجموعة من المدرّبين ألعاب رياضة مختلفة كالجمباز والكاراتيه. هناك شعرت بالحلم، الحلم الّذي تملّك الناشطة المسؤولة عن هذا الإبداع كلّه، ريم أبو جبر، الّتي استطاعت تجاوز العقبات والتهميش لمدينة كاملة، لتحوّل الحلم إلى حقيقة، وتعمل على إحياء دير البلح ثقافيًّا وفنّيًّا وتعليميًّا.

أصبح مقرّ "النوى" الآن مكانًا يجذب الكثير من العاملين على رياض الأطفال، والمهتمّين بالتعليم النشط وأنواع الفنون المختلفة. استطاعت أبو جبر أن تعزف مقطوعة موسيقيّة فريدة في واقع صعب هنا، في غزّة، واقع يفرض عليك تقبّل شحّ الموارد والحصار المفروض والعدوان المتكرّر، وخلق أجيال مشوّهة وغير متعلّمة؛ هنا استطعت تعرّف طريقة ثني الحديد بالأيادي، تعرّفت قدرة الفرد على إحداث تغيير في مجتمع بأكمله، هل يمكن ذلك؟ تُجيب ريم: لا شيء مستحيل، عليك البدء بما تحلم، ومواصلة الكفاح من أجل تحقيق ما تريد.

شكرًا لـ "النوى" على هذه الجولة الخلّابة.

 

 

أسعد الصفطاوي

 

 

صحافيّ وكاتب من غزّة.

 

 

 

 

تعليقات Facebook