لجان التحقيق في إسرائيل: قضيّة بشارة والمسؤوليّة العربيّة (4/6)

عزمي بشارة

 

عالجت "لجنة أور" للتحقيق تظاهرات هبّة أكتوبر 2000، الّتي شهدتها الأراضي المحتلّة عام 1948، بوصفها شغبًا منظّمًا، وتعاملت معها أجهزة الأمن الإسرائيليّة بوصفها أحداثًا معادية للدولة؛ ولذلك استخدمت كلّ وسائل القمع الّتي تستخدمها في الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة عام 1967، ولم تكن "المواطنة" - بصفتها مفهومًا سياسيًّا - مانعًا في اعتبار العربيّ عدوًّا للدولة. وفي جانب من جوانبها، اعتبرت اللجنة أنّ للظاهرة أسبابها الاقتصاديّة والسياسيّة الّتي يجب معالجتها من قِبَل الحكومة، كالأرض والمساواة والعمل، لكنْ كلّ ذلك في إطار "حكم القانون" الإسرائيليّ، الّذي سبق التعرّض له، بوصفه خضوعًا للهيمنة الصهيونيّة السائدة في أجهزة الدولة ومؤسّساتها.

بعد عقود طويلة من عمليّة الأسرَلة والدعوات الإسرائيليّة والعربيّة "المعتدلة" للاندماج في المجتمع الإسرائيليّ، أتت هبّة أكتوبر 2000 لتمنح الهويّة الوطنيّة الفلسطينيّة في أراضي 48 صلابةً، وزخمًا، وتجربة جماعيّة

مع ذلك، فقد اعتبرت اللجنة دعوات التضامن مع الشعب الفلسطينيّ في الضفّة وقطاع غزّة، بمنزلة تمثيل للدولة على أنّها عدوّ، واعتبرتها تماثلًا وانسجامًا مع المنظّمات الفلسطينيّة الّتي تخوض كفاحًا مسلّحًا ضدّ الدولة خلال ما يُعرف بالانتفاضة الثانية الّتي انطلقت في أيلول (سبتمبر) 2000، إثر اقتحام أريئيل شارون للحرم القدسيّ.

 

ظاهرة استثنائيّة

كانت هبّة أكتوبر 2000 ظاهرة استثنائيّة في حدّ ذاتها؛ إذ لم يكن الإضراب الّذي عمّ المدن العربيّة في الأراضي المحتلّة عام 1948، يوم 1 تشرين الأوّل (أكتوبر) 2000، يُطالب بإزالة غبن أو تحقيق مطلب يوميّ اقتصاديّ كما فهمته اللجنة، بل كان إضرابًا للتعبير عن احتجاج سياسيّ، إضراب تحوّل إلى هبّة شعبيّة واسعة، وكان من بعده إضرابان آخران للاحتجاج على القمع الّذي تعرّضت له الجماهير العربيّة[1].

بعد عقود طويلة من عمليّة الأسرَلة والدعوات الإسرائيليّة والعربيّة "المعتدلة" للاندماج في المجتمع الإسرائيليّ، أتت هبّة أكتوبر 2000 لتمنح الهويّة الوطنيّة الفلسطينيّة في أراضي 48 صلابةً، وزخمًا، وتجربة جماعيّة ما كان يمكن أن تكون مراكمتها في أعوام من الحياة اليوميّة، كما أنّها أكّدت الروابط الوطنيّة الإنسانيّة بين أبناء الشعب الفلسطينيّ في مختلف أماكن وجودهم ضمن المعازل الاستعماريّة[2].

إنّ كون تظاهرات هبّة أكتوبر 2000 عملًا سياسيًّا هويّاتيًّا وطنيًّا، شيء كانت "لجنة أور" تدركه تمام الإدراك، لكنّه لم يدفعها إلى التساؤل أو بحث هذه التظاهرات، بوصفها تعبيرًا عن احتجاج سياسيّ يتجاوز مجرّد المطالب اليوميّة، بل هو جزء من صراع أعمق وأوسع، صراع بين مستعمِر ومستعمَر؛ لذا عدّت هذا العمل فقط خروجًا عن الدولة.

كون تظاهرات هبّة أكتوبر 2000 عملًا سياسيًّا هويّاتيًّا وطنيًّا، شيء كانت "لجنة أور" تدركه تمام الإدراك، لكنّه لم يدفعها إلى التساؤل أو بحث هذه التظاهرات، بوصفها تعبيرًا عن احتجاج سياسيّ يتجاوز مجرّد المطالب اليوميّة

إذن، وظّفت اللجنة أيديولوجيا الهويّة العربيّة لبناء القضيّة النهائيّة ضدّ الاحتجاجات العربيّة، بينما بما يتعلّق بباراك والحمقى الثلاثة الآخرون، وجدت اللجنة أنّ أفعالهم كانت تخلو من أيّ دوافع أيديولوجيّة هويّاتيّة، وعالجتها بوصفها أخطاء تقنيّة ناجمة عن الكسل، والحمق، واللامُبالاة أو عدم الاكتراث.

 

من "العقلانيّة" إلى المحاكمة

هنا تنتقل اللجنة من خطابها العقلانيّ الأداتيّ، الّذي يعالج أفعال أجهزة الدولة بوصفها أخطاء تقنيّة، وأيضًا من كونها أداة تطهيريّة للمجتمع من شروره الأيديولوجيّة الّتي تطفو على السطح بين الحين والآخر، وتفريغها من أيّ محتوًى أيديولوجيّ لتأكيد حياديّة الدولة في مقابل أفرادها، وللحفاظ على الثنائيّة المتخيَّلة القائمة بين الدولة والمجتمع بأفراده... تنتقل إلى أن تكون محكمة للآخر: العربيّ، فتستخدم الخطاب العقلانيّ الأداتيّ نفسه، لتمييز خطابه الأيديولوجيّ وتصنيفه معاديًا للدولة والمجتمع، وتستخدم أجهزتها المخابراتيّة لبناء قضيّتها ضدّه، عبر جمع المعلومات المصوّرة والمسموعة والمنطوقة، ومعالجتها معالجة مخابراتيّة أمنيّة لا تمتّ إلى الخطاب الدولانيّ الّذي تتبنّاه بصلة، لاستبعاده من المجتمع والدولة على حدّ سواء، ولتبرير حالة الاستثناء الّذي يخضع لها أصلًا قبل إجراء التحقيق.

وقد اعتمدت لجنة التحقيق على كمّيّات كبيرة من المعلومات، الّتي زوّدتها بها أجهزة المخابرات المختلفة، ولا سيّما جهاز "الشاباك"، وتطرّقت هذه المعلومات أساسًا إلى تحليل التيّارات السياسيّة في المجتمع العربيّ، وقد بقي أهمّ هذه المعلومات وأكثرها حساسيّة سرّيًّا وغير مكشوف. كما مَثُل رئيس "الشاباك"، آفي ديختر، والمسؤول عن المنطقة الشماليّة في نفس الجهاز، أمام لجنة التحقيق بصورة سرّيّة؛ أي في جلسات مغلقة.

اعتمدت لجنة التحقيق على كمّيّات كبيرة من المعلومات، الّتي زوّدتها بها أجهزة المخابرات المختلفة، ولا سيّما جهاز "الشاباك"، وتطرّقت هذه المعلومات أساسًا إلى تحليل التيّارات السياسيّة في المجتمع العربيّ

ومن المنطقيّ افتراض أنّ المعلومات الّتي أمدّ بها "الشاباك" لجنة التحقيق، ولا سيّما تلك المتعلّقة بالتيّارات السياسيّة في المجتمع العربيّ، لا تشكّل تحليلًا موضوعيًّا لتطوّر هذه التيّارات، بل هي - وبمجرّد أنّها معلومات مخابراتيّة عن تيّار سياسيّ ناشط في الدولة - تُشكّل موقفًا سياسيًّا حكوميًّا صريحًا يتّسم بالعدائيّة ضدّ المجتمع العربيّ[3].

ولغاية بناء قضيّتها ضدّ المجتمع العربيّ، اختارت اللجنة ثلاثة شخصيّات عربيّة، تُمثِّل الفلسطينيّين في أراضي 48، وهم: الشيخ رائد صلاح، والنائب عبد المالك دهامشة، والنائب عزمي بشارة.

 

الشيخ رائد صلاح

قرّرت اللجنة أنْ ثَبُتَ ما نُسب إلى الشيخ رائد صلاح، بأنّه - وبصفته رئيسًا للجناح الشماليّ لـ "الحركة الإسلاميّة"، ورئيسًا لبلديّة أمّ الفحم، وشخصيّة جماهيريّة - كان مسؤولًا في الفترة الّتي سبقت هبّة أكتوبر 2000، وخاصّة في السنوات 1998 -2000، عن بثّ بلاغات متكرّرة تشجّع على استخدام العنف والتهديد بالعنف، وسيلةً لتحقيق مطامح "الوسط العربيّ"، وثبت أيضًا أنّه نظّم تظاهرات جماهيريّة حامية حول موضوع المسجد الأقصى الحسّاس.

وثبت أيضًا، وفق اللجنة، أنّ الشيخ صلاح مسؤول عن بثّ بلاغات تنفي مجرّد شرعيّة دولة إسرائيل، وتعرض الدولة على أنّها عدوّ، كما ثبت أنّ الشيخ صلاح كان مسؤولًا عن بثّ بلاغات حول تنفيذ مجزرة مخطّطة ظاهريًّا، في المسجد الأقصى في تاريخ 29 أيلول (سبتمبر) 2000، وكان مسؤولًا عن المقولات الّتي كالت المديح لاندلاع أعمال العنف الحادّة والواسعة النطاق، الّتي حدثت في "الوسط العربيّ" بداية شهر تشرين الأوّل (أكتوبر) 2000.

كما ثبت أنّ الشيخ صلاح كان مسؤولًا عن بثّ بلاغات حول تنفيذ مجزرة مخطّطة ظاهريًّا، في المسجد الأقصى في تاريخ 29 أيلول (سبتمبر) 2000، وكان مسؤولًا عن المقولات الّتي كالت المديح لاندلاع أعمال العنف الحادّة والواسعة النطاق

وأخذًا بعين الاعتبار أنّ الشيخ رائد صلاح لم يشغل أيّ منصب رسميّ مع إصدار توصيات اللجنة، بوعد اعتزاله رئاسة بلديّة أمّ الفحم، وبأنّ مهامّه الآن تقع ضمن تنظيم تطوّعيّ؛ فإنّ اللجنة لم ترَ مكانًا لتقديم توصيات ضدّه[4].

 

النائب عبد المالك دهامشة

نُسِب إلى النائب عبد المالك دهامشة أنّه - وفي أثناء إشغاله منصب عضو في الكنيست، ورئاسته "القائمة العربيّة الموحَّدة"، وكونه شخصيّة جماهيريّة - كان مسؤولًا في الفترة الّتي سبقت هبّة أكتوبر 2000، وخلالها، عن بثّ بلاغات تدعم العنف وسيلةً لتحقيق مطامح "الوسط العربيّ"، وأسهم بذلك إسهامًا كبيرًا في تسعير الأجواء، وتصعيد أعمال العنف الّتي حدثت في "الوسط العربيّ". وقد ثبتت هذه الحقائق أيضًا، في نظر اللجنة. وبما يشابه وضعيّة النائب بشارة، فإنّ دهامشة منتخب جمهور، يمثّل حزبه في الكنيست. في مثل هذا الوضع، لم ترَ اللجنة مكانًا لتقديم توصية شخصيّة بشأن دهامشة[5].

 

النائب عزمي بشارة

د. عزمي بشارة رئيس "حزب التجمّع الوطنيّ الديمقراطيّ" وممثّله في الكنيست. في سبيل تقييم معاني الرسائل الّتي يبثّها النائب بشارة؛ رأت اللجنة أنّه يجب وضعها في الإطار الشامل لمواقفه السياسيّة المعلنة، والّتي يعبّر عنها في كتبه ومقالاته الكثيرة، وفي برنامج حزبه أيضًا... واستنادًا إلى بيان بشارة والموادّ الّتي نشرها حزبه، رأت اللجنة أنّه كان لهم دورهم في المبادرة، وإدارة عمليّات المقاومة العنيفة للشرطة، خاصّة عندما كانت تُقدم على تنفيذ أوامر هدم البيوت... كما كان "التجمّع" متورّطًا في أعمال عنف أخرى وفق اللجنة، وكان ذا دور ناشط في هبّة أكتوبر 2000، الّتي تطوّرت ووصلت حدّ خرق النظام. في اليوم الأوّل من تشرين الأوّل (أكتوبر)، نشر الحزب بيانًا في الصحف، قال فيه إنّه جرت بمبادرته، في اليوم السابق، عشرات التظاهرات الاحتجاجيّة على الشوارع الرئيسيّة، وعلى مفارق الطرق في الجليل والمثلّث.

استنادًا إلى بيان بشارة والموادّ الّتي نشرها حزبه، رأت اللجنة أنّه كان لهم دورهم في المبادرة، وإدارة عمليّات المقاومة العنيفة للشرطة، خاصّة عندما كانت تُقدم على تنفيذ أوامر هدم البيوت

وفي تلخيصنا لموقف "لجنة أور"، نحصل على الصورة الآتية: إنّ النائب عزمي بشارة يقود - في "الوسط العربيّ" - خطًّا علنيًّا من العمل المدنيّ بطرق شرعيّة، لكنّ الكثير من الأدلّة يشهد على أنّه في أعماله وأفعاله، في السنوات الّتي سبقت هبّة أكتوبر، خلالها وفي أعقابها، لم يحافظ على تمسّكه بهذا الخطّ؛ ففي كثير من الأمور الّتي عبّر عنها في خطاباته، وفي المقابلات الّتي أُجريت معه، وفي مقالاته المنشورة في الصحف، وفي المناشير، وفي تصريحاته الّتي أدلى بها خلال نقاشات عديدة، سعى إلى نقل رسالة تؤيّد استخدام العنف وسيلةً لتحقيق أهداف "الوسط العربيّ". ووصف أعمال الاحتجاج بـ "الانتفاضة"، ووصف الأحداث في الحرم المقدسيّ بـ "المذبحة المخطَّطة"، واعتبر "حزب الله" نموذجًا، ومجّد الأسرى الفلسطينيّين.

ثمّ إنّه يمكن استنباط دعم العنف، وفق ادّعاءات اللجنة، من خلال تصريحات مزدوجة المعنى، يتّضح جوهرها الخطير من خلال ما ترتبط به. واستندت اللجنة في ذلك، على سبيل المثال، إلى دعواته "للكفاح" وتمجيد النشاطات الاحتجاجيّة، ودعمه "للمشاركة" في كفاح الفلسطينيّين في الأراضي المحتلّة عام 1967.

رأت اللجنة، أنّ تصريحات عزمي بشارة قد صبّت الزيت على النار؛ لقد أسهمت إسهامًا ملموسًا في تأجيج الأجواء، وغذّت بذلك الميلَ نحو القيام بأعمال عنف[6].

في تعليقه على تقرير "لجنة أور"، قال بشارة إنّ اللجنة "عمدت إلى إحداث توازن ظاهر في تحمّل المسؤوليّة. وهكذا، حمّلت القيادة الإسرائيليّة مسؤوليّة فنّيّة من قبيل ’عدم استشراف الأحداث‘، و‘عدم إدارة الأمور بشكل حكيم‘. وفي المقابل، حمّل جزءًا من القيادة السياسيّة العربيّة مسؤوليّة جوهريّة في التحريض على العنف واستخدامه"[7]. 

في حالة باراك والمسؤولين الإسرائيليّين، من المنطقيّ وجودهم ضمن لائحة الأشخاص الّذين يجري البحث في مسؤوليّتهم؛ فهم في النهاية، يمثّلون الدولة وأجهزتها. أمّا في حالة بشارة ودهامشة والشيخ رائد صلاح، فلماذا بحثت اللجنة في مسؤوليّتهم، خاصّة في ضوء أنّها في النهاية لم تقدّم أيّ توصيات بشأنهم؟

من الممكن وصف عمل اللجنة كما وصفه بشارة، إلّا أنّ عملها يتجاوز مجرّد إحداث توازن ظاهريّ؛ فالتوازن نفسه غير موجود، حتّى وإن كان ظاهريًّا. السؤال الأبرز: في حالة باراك والمسؤولين الإسرائيليّين، من المنطقيّ وجودهم ضمن لائحة الأشخاص الّذين يجري البحث في مسؤوليّتهم؛ فهم في النهاية، يمثّلون الدولة وأجهزتها. أمّا في حالة بشارة ودهامشة والشيخ رائد صلاح، فلماذا بحثت اللجنة في مسؤوليّتهم، خاصّة في ضوء أنّها في النهاية لم تقدّم أيّ توصيات بشأنهم؟

 

تصنيفات من أجل الردع

يرى البعض أنّ إخضاع القيادة العربيّة للبحث والتدقيق من قِبَل اللجنة، يأتي في سياق ردع القيادة العربيّة عن أيّ انخراطات نضاليّة أو احتجاجيّة مستقبلًا، وذلك في إطار تقسيم اللجنة بشكلٍ غير مباشر للقيادة العربيّة إلى نوعين: أوّلهما المحرّضون على العنف، وثانيهما الّذين لا يحرّضون على العنف[8]. وبطبيعة الحال، يهدف هذا التقسيم إلى عزل المتطرّفين، ومحاولة للتأثير السياسيّ النفسيّ في الفلسطينيّين في أراضي 48؛ بإقامة تصنيفات خطابيّة بين المُحرِّض وغير المحرِّض، والعنيف وغير العنيف، والمستعدّ للاندماج والرافض للاندماج.

في قضيّة بشارة، يَظهر أنّ اللجنة تُدقّق في الصلات والروابط الثقافيّة والهويّاتيّة والوطنيّة، الّتي تُشكّل علاقاته بالمجتمع الفلسطينيّ في أراضي 48، ومواقفه وعلاقاته بالمجتمع الفلسطينيّ في الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة، وحتّى مواقفه وآرائه من الصراع العربيّ الإسرائيليّ، ممثّلًا بـ "حزب الله" في لبنان مثلًا. تُدقّق في هذه الصلات والروابط، وتخرج منها باستنتاجات تبني عليها منطقها وافتراضاتها حول دور بشارة في التأثير في الجماهير العربيّة، ودوره النهائيّ في "تصاعد العنف" من قِبَل الجماهير العربيّة في نظر اللجنة.

يمكن النظر إلى هذه العمليّة في سياق أوسع من مجرّد هبّة أكتوبر 2000؛ ثمّة افتراضات أعمق تمكّن اللجنة من إقناع نفسها بأهليّتها للقيام بعمليّة تدقيق كهذه. هي أوّلًا تفترض أنّ المنطقيّ والطبيعيّ في حالة "العرب في إسرائيل"، خضوعهم اللامشروط للدولة وأيديولوجيّتها الصهيونيّة المهيمنة. وثانيًا تفترض اللجنة أنّ المجتمع العربيّ يمكن التأثير فيه؛ إمّا ليكون عنيف وإمّا ليكون خاضعًا ومستسلمًا، وذلك يأتي في سياق العقليّة الصهيونيّة حول العربيّ وطبيعة هذا العربيّ، فهو إمّا خاضع وإمّا عنيف، لا أكثر ولا أقلّ، وهو خاضع أو عنيف بسبب تأثير خارجيّ لا بسبب إرادة داخليّة. المجتمع العربيّ يظهر في تقرير "لجنة أور" كأنّه معدوم الإرادة تمامًا، وهو خاضع إمّا لتأثير الدولة وإمّا للقيادة العربيّة. ثمّ ثالثًا تفترض اللجنة - وبوصفها فعلًا دولانيًّا - أنّها مؤهّلة لإصدار حكم نهائيّ حول ماهيّة الدولة أوّلًا، ومن ثَمّ ماهيّة الخروج عن الدولة، وما يُشكّل خطرًا على الدولة.

 

عدوّ غير رسميّ للدولة

في المحصّلة، يَظهر أنّ عقليّة بشارة وأفكاره ومواقفه وآراءه بمجملها، تُشكّل خطرًا وخروجًا عن الدولة ومنطقها. واللجنة بوصفها فعلًا دولانيًّا، وتملك سلطة لإصدار الموقف الرسميّ، تُسمّي أفعال بشارة بالمعادية للدولة. ولماذا، إن كانت لن تُوصي بشيء ضدّه في النهاية، فلماذا تبحث في مواقفه أصلًا؟ لأنّ مجرّد البحث في الموقف، مجرّد إصدار تصنيف خطابيّ رسميّ حول بشارة، يُلغي ويُسقِط أيّ أهمّيّة لما سيقوله بشارة لاحقًا، أو سيفعله على المستويين السياسيّ والرسميّ، في الكنيست أو في الإعلام؛ سيُوصَم على الدوام إسرائيليًّا بأنّه عدوّ غير رسميّ للدولة.

يَظهر أنّ عقليّة بشارة وأفكاره ومواقفه وآراءه بمجملها، تُشكّل خطرًا وخروجًا عن الدولة ومنطقها. واللجنة بوصفها فعلًا دولانيًّا، وتملك سلطة لإصدار الموقف الرسميّ، تُسمّي أفعال بشارة بالمعادية للدولة

إنّ استحضار القيادة العربيّة، وتحميلها مسؤوليّة التحريض على العنف، يُدعِّم ما أكّدته اللجنة مرارًا، وهو موقف الشرطة وعناصرها في الأحداث، وهو أنّ الشرطة وجدت نفسها في موقف حرج؛ إذ عليها أن تتعامل مع التظاهرات بأكبر قدر من الحزم والصرامة، ولا تتحمّل الشرطة مسؤوليّة مقتل 13 مواطنًا عربيًّا لسببين: الأوّل أنّ جهاز الشرطة لم يُهيِّئ أفراده كما يجب للتعامل مع أحداث كهذه، كما تبيّنّا هذا في ما يتعلّق بمسؤوليّة قيادة الشرطة ولواء الشمال، والثاني أنّ العنف في الأساس كان صادرًا عن الجماهير العربيّة، الّتي عبّأتها وحرّضتها القيادة العربيّة؛ ولذلك يمكن اعتبار عنف الشرطة في نظر اللجنة، مجرّد ردّ فعل ضروريّ مُحتَّم على العنف الصادر عن الجماهير العربيّة.

تلك هي قضيّة بشارة؛ بينما تحمّل اللجنة مسؤوليّة "الحمق" واللامُبالاة إسرائيليًّا، فإنّ التعصّب القوميّ المتجذّر في الشخصيّة العربيّة في نظر اللجنة، هو الّذي يتحمّل المسؤوليّة عربيًّا في هبّة أكتوبر 2000.

ولمّا صدر التقرير أُغلِقت القضيّة. لن يهمّ بعد الآن أيّ شيء يُقال، عربيًّا أو إسرائيليًّا. الصمت الرسميّ حول هبّة أكتوبر 2000، هو ما سيلقاه أيّ مجادل للدولة في إسرائيل، حول مسؤوليّتها عن مقتل 13 مواطنًا عربيًّا وإصابة المئات، خلال الهبّة.

..........

إحالات:

[1]عزمي بشارة، "فصل جديد في تاريخ الجماهير العربيّة في الداخل"، مجلّة الدراسات الفلسطينيّة، العدد 44، خريف 2000، ص 2.

[2] المرجع نفسه.

[3] محمّد حمزة غنايم، "تقرير أور (ملخّص وخلفيّات)"، ترجمة: مدار، سلسلة أوراق إسرائيليّة (17)،  تشرين الأوّل 2003، ص 18-19.

[4] Or report, p. 4.

[5] Ibid, p. 5a.

[6] غنايم، ص 35-47.

[7] عزمي بشارة، "حديث صحافيّ لرئيس التجمّع الوطنيّ الديمقراطيّ، عزمي بشارة، يعلّق فيه على تقرير لجنة أور للتحقيق"، مجلّة الدراسات الفلسطينيّة، المجلّد 14، العدد 56، خريف 2003، 180.

[8] نمر سلطاني، "تقرير لجنة أور: ما قيل وما لا يقال"، قضايا إسرائيليّة، العدد 11-12 (2003)، ص 86-93.

 

لقراءة المقالات السابقة من سلسلة "لجان التحقيق في إسرائيل":

لجان التحقيق في إسرائيل: لجنتا أور وكاهان نموذجًا (1/6)

لجان التحقيق في إسرائيل: بناء قضية ضد المواطنين العرب عبر "لجنة أور" (2/6)

لجان التحقيق في إسرائيل: باراك والحمقى الثلاثة الآخرون (3/6)

 

 

أنس إبراهيم

 

 

كاتب وباحث. حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسيّة من جامعة بيرزيت، والماجستير في برنامج الدراسات الإسرائيليّة في الجامعة نفسها. نشر العديد من المقالات في عدّة منابر محلّيّة وعربيّة في الأدب والسينما.

 

 

 

تعليقات Facebook