لِمَ عليك بالصدق وإن قتلك؟

(SPEKTRUM DER WISSENSCHAFT | MARTIN BURKHARDT (AUSSCHNITT

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

انظروا الصورة أدناه، وحاولوا ملاءمة طول الخطّ في الصورة اليمنى إلى أحد الخطوط في الصورة اليسرى.

إذا أجبتم "C" فقد صدقتم.

على الرغم من سهولة الإجابة، إلّا أنّه في سنة 1951، أجرى العالم النفسيّ سالومون آش تجربة تطرح السؤال: "إلى أيّ مدًى نحن مستعدّون لأن نكذِّب قناعاتنا وتعقُّلنا، من أجل الامتثال أو القبول الاجتماعيّ؟". في تجربته طرَح آش صور مثيلة بالصورة أعلاه على شخص معيّن، ضمن مجموعة من خمسة أشخاص، كلٌّ بدوره، في حين اتّفق آش مع أربعة منهم على أن يختاروا إجابة "A" الخاطئة. بعد اختيار الأربعة للإجابة الخاطئة، وجد آش أنّ الشخص المفحوص كذّب ما يرى بعينيه الاثنتين من أجل أن يلائم نفسه للأشخاص الأربعة الآخرين، واختار الإجابة "A" أيضًا. يُسمّى هذا النمط من التصرّف بـ "الامتثال"، أو سهولة التصرّف مثل الجميع والرضوخ، وصعوبة الخروج عن الثلم، والخوف من العيب والعار (يمكن مشاهدة تسجيل تجربة آش  بالضغط هنا).

"الامتثال" نمط تفكير وتصرّف مُفيد للحياة في مجموعة؛ فحين يتصرّف الجميع ضمن قوانين واضحة، فهذا يصعّب المفاجآت والتعرّض للانقلابات والتغيُّرات المتطرّفة الداخليّة، إلّا أنّ "للامتثال" سلبيّات عديدة.

من سلبيّات "الامتثال" استغلاله على أيدي السلطويّين في المجتمعات المحافِظة، الّتي تُهمّش الحرّيّات الشخصيّة، وتضع العقد الاجتماعيّ والعادات والتقاليد في المركز. تُسمّى هذه المجتمعات حسب العلوم الاجتماعيّة "مجتمعات العار"، الّتي بها يكون الدافع المركزيّ لتصرّف الفرد الشعور بالعار والعيب، لا بالذنب. العار والعيب مشاعر ترتكز على ردّة فعل الآخر، على حين أنّ الذنب شعور منبعه داخليّ يُعوّل على قدرة الفرد على تقييم مواقفه وتصرّفاته، بغضّ النظر عن تقييم الآخرين. الامتثال عدُوّ التقدّميّة والمحاسبة الحقيقيّة الشجاعة، وما أسهل أن نحتال على أنفسنا، ونُنحّي عقولنا جانبًا كي نتجنّب اللوم والعتاب من الأقرباء أو غيرهم!

ثمّة لذّة مميّزة في الصدق مع النفس في اتّخاذ موقف لا يلائم البيئة القريبة، وثمّة أيضًا هوان وإحساس مُميّز بالذلّ حين تنكسر تحت ضغوط عائليّة أو اجتماعيّة لاتّخاذ قرار لا تؤمن به بتاتًا، بل قمت بتبنّيه درءًا للوم أو عطشًا للقبول اللحظيّ الكاذب.

إذا أثبت آش أنّ باستطاعة إجماع أربعة أشخاص على أن تجعل فلانًا يكذِّب عينيه، فما بالك بتأثير مجموعة أكبر من الأشخاص، ولا سيّما هؤلاء الّذين يؤثّرون في حياتك اليوميّة وبيئتك القريبة؟ قد تكون تفاعلات اجتماعيّة بسيطة مثل الزيارة في الأعياد والمناسبات، أو المجاملة على شبكات التواصل الاجتماعيّ، أو المشاركة في "جاه" يوم الزفاف، كفيلة بأسر إنسان وتقييد حرّيّة قراره تحت تهديد العار والعيب، كلّ هذا بصورة غير مباشرة وبمستوى اللاوعي، لكن إن كان هذا غير واعٍ، فكيف يمكننا مراقبة أنفسنا، وفحص مدى حرّيّتنا في اتّخاذ القرارات؟

الانتخابات في المجتمع الفلسطينيّ، وتحديدًا البلديّات، فرصة ذهبيّة لمراقبة مدى امتثالنا ورضوخنا للضغوطات الاجتماعيّة. كبقيّة العوامل في العلوم الاجتماعيّة والنفسيّة، من الصعب قياس الامتثال أو الحرّيّة الفرديّة وتقييمهما بشكل علميّ، لكنّي أعتقد أنّه من السهل الإحساس بها.

ثمّة لذّة مميّزة في الصدق مع النفس في اتّخاذ موقف لا يلائم البيئة القريبة، وثمّة أيضًا هوان وإحساس مُميّز بالذلّ حين تنكسر تحت ضغوط عائليّة أو اجتماعيّة لاتّخاذ قرار لا تؤمن به بتاتًا، بل قمت بتبنّيه درءًا للوم أو عطشًا للقبول اللحظيّ الكاذب. وثمّة مرحلة أخرى أخطر لا رجوع منها عادة، وهي مرحلة التعقّل المزيّف والمراوغة لتبرير السلوك الممتثِل. بشكل مفاجئ، قد تبدو هذه المرحلة الّتي لا يكذب فيها الإنسان على غيره فقط، بل على نفسه أيضًا، من أجل شعوره بالرضا وكي "ينام متريّح عالمخدّة بالليل"، قد تبدو للوهلة الأولى خطأ بسيطًا يمكن تصليحه وتجنّبه في المستقبل، لكنّها عادةً ما قد تكون مُنزلقًا شديد الانحدار نحو حياة مزيّفة كاملة، بها يكون من الصعب على الإنسان أن يعود لأساساته الأصليّة الحقيقيّة.

حين نفهم منظومة "الامتثال"، سنفهم بالضرورة منظومة الاحتيال على الذات، وتكذيب الضمير، وآنذاك يكون الطريق إلى الإجرام والاستبداد واضحًا ومنطقيًّا جدًّا.

كلّنا يتفاجأ أحيانًا من أعمال المجرمين والمستبدّين ومدى ظلمها وشرّها، ونستصعب فهم منبع هذه القسوة والفساد، ونستبعد أنفسنا عن ارتكابها. لكن حين نفهم منظومة "الامتثال"، سنفهم بالضرورة منظومة الاحتيال على الذات، وتكذيب الضمير، وآنذاك يكون الطريق إلى الإجرام والاستبداد واضحًا ومنطقيًّا جدًّا.

قد يكون بعضنا بعيدًا عن هذه الطريق بقرار واحد، قد يبدو عديم الأهمّيّة أو (بيننا وبين حالنا، ولا من عِرف ولا من دِري)، لكن كلّ قرار وكلّ تصرّف يُسهّل وجود قرارات مثله في المستقبل. إنّ استسهال الاحتيال على الذات هو البوّابة لحياة كاملة كاذبة لا رضًا حقيقيًّا فيها، قد تؤذي النفس والروح وكلّ مَنْ حولها من أحبّاء.

قال الفاروق عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: "عليك بالصدق وإن قتلك!"، و"لا تنظروا إلى صيام أحد ولا صلاته، ولكن انظروا إلى صدق حديثه إذا حدّث، وأمانته إذا ائتُمن، وورعه إذا أشفى".

 

 

جاد قعدان

 

 

باحث ومدرّب وناشط. متخصّص في علوم الدماغ (بيولوجيا وعلم نفس)، وعلم النفس الإدراكيّ اللسانيّ. يدرس حاليًّا ضمن برنامج الدكتوراه في الدراسات الإدراكيّة اللسانيّة، في "جامعة تل أبيب". معلّم بسيخومتري منذ 2007، ومدرّب للدبكة التراثيّة الفلسطينيّة.

 

 

تعليقات Facebook